مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه‏

الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي

* وقوع التزاحم وضرورة الملاك‏
ذكرنا أن الشي‏ء أو الشخص الخارجي قد يكون له عناوين مختلفة ولكل عنوان خاص به، والآن نضيف أنه في الموارد التي يحدث فيها التراحم في مقام التطبيق، أي إذا أردنا أن نؤدي عملاً له موضوع ومصداق جائز وآخر حرام، ففي مثل هذه الموارد ما العمل؟ فإذا نظرنا إلى الجواز أو الوجوب ينبغي أن نقوم بالعمل، وإذا نظرنا إلى الحرمة فلا يجوز الإقدام على الفعل، فما هو تكليفنا هنا؟
أفرضوا أن طفلاً يغرق، ولنجاته ينبغي عبور أرض الغير مع العلم بعدم إجازتهم، فما هو تكليفنا هنا؟ فهل يحرم الدخول في ملك الغير بدون إذنهم؟ أم يجب إنقاذ الطفل الغريق مع الدخول إلى الأرض غصباً؟ فهنا ينبغي أن ننظر إلى الملاك، فإذا كان ملاك الوجوب أقوى من ملاك الحرمة يجب العمل. وهذا جواب عام ومجمل، أما أنه كيف ينبغي إجراء هذه الملاكات، ومن الذي يشخص الملاك؟ وهل يمكننا أن نحصل على ملاكات الأحكام دائماً لنعين الأقوى فيها؟ فهذه أسئلة مبنية على مجموعة من المسائل الفنية الطويلة التي ينبغي حلها في مكانها، ولا نتوقع أن نبحث في جميع أبعاد القضية في هذا البحث المختصر.

* الأحكام تتبع الملاكات‏
إحدى المسائل التي ينبغي أن تحل هنا حتى يتضح الجواب على هذا السؤال هي هل أن الأحكام تتبع الملاكات الواقعية ونفس الأمرية أم لا؟ فهذه قضية قد طرحت في علم الكلام، وأثارت جواً من النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة. ورأي الشيعة يوافق المعتزلة فيها، وهو أن أحكام الإسلام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية ونفس الأمرية. فالأحكام لم توضع هكذا لمجرد الإنشاء بدون ملاك. فالحسن والقبح في الأفعال أمر واقعي. فالأحكام لها ملاكات، وبعض هذه الملاكات يمكن التعرف عليه أيضاً. أما أن ندّعي بأننا نعرف جميع ملاكات الأحكام، فإن هذا ادعاء جزافي، فلو كان صحيحاً لما كنا بحاجة إلى الوحي والنبوة. إذاً، نحن لا ندّعي المعرفة والإحاطة بجميع ملاكات الأحكام. ولكن يوجد بشكل عام أحكام يمكن لعقل الإنسان أن يدرك ملاكاتها، وهذا ما يسمى في علم الأصول بالمستقلات العقلية، ويقال عادة أن أحكام الشارع في موارد المستقلات العقلية عبارة عن إرشادات. أما أن جميع هذه الأحكام إرشادية أم لا، فهذا ما يبحث في علم الأصول.

فادعاؤنا أننا نستطيع أن ندرك بشكل قطعي ملاك بعض الأحكام، وإن كنا في بعض الموارد لا نقدر بالعقل وحده على كشف ملاك الحكم، ولكننا إذا تبحرنا ودرسنا دراسة شاملة في الأدلة الشرعية فإننا نستطيع على أثر الأنس بهذه الأدلة والبيانات القرآنية وكلمات المعصومين عليهم السلام أن نحصل على ذلك الملاك. أي ذلك الشي‏ء الذي يشبه "القياس المنصوص العلة"، بمعنى أن علة حكم ما تقع مورد النص القطعي، أو من خلال التدقيق في بيانات أولياء الدين يمكننا أن نجد القطع بأن ملاك الحكم الفلاني هو هكذا. فهنا في كل ملاك أقوى، يكون للعمل الخارجي والحركة الخارجية حكم ذلك الملاك.

* الملاك الأقوى ورفع التزاحم‏

فلنرجع إلى المثال السابق حيث نقول أن التصرف في ملك الغير غصباً حرام بحد ذاته وفيه مفسدة واقعية، ولكن إنقاذ إنسان ما يحمل مصلحة أقوى قطعاً. فهذا ما يفهمه عقل كل إنسان. الآن، هل يفهم ذلك لوحده أم بمعونة البيانات الشرعية؟ فهذا تختلف موارده، فحيث تعرف هذه الملاكات في حال التزاحم بين هذه العناوين يكون الحكم تابعاً للملاك الأقوى. فإذا كان ملاك الوجوب أقوى يكون واجباً، وإذا كان ملاك الحرمة أقوى فهو حرام. وهنا أضيف أن بعض المسائل أحياناً يكون لها معادلات معقدة وعناوين انتزاعية متعددة (وهنا أعتذر من القارئ‏ الكريم بسبب صعوبة البحث، ولكن لا بد من عرضه ليتم التدقيق أكثر والاقتراب من النتائج المطلوبة). أحياناً يكون لدينا عناوين انتزاعية مترتبة، أي ينتزع العنوان على أساس موضوع قد ثبت له الحكم. أو يصبح اعتبارياً، وينشأ منه اعتبار آخر، وهكذا تنشأ اعتبارات متعارضة. متزاحمة، وعامة الناس لا يقدرون على أن يلتفتوا إلى جميع هذه الاعتبارات، وإلى أن هذا الموضوع مثلاً قد انتزع منه عدة عناوين اعتبارية وعدة عناوين أخرى على أساسها، وكل موضوع ما هو حكمه. ويف نشأ التزاحم بينها. وأين يقع التزاحم، وهل هو كلي أم فيه عموم وخصوص مطلق أم عموم وخصوص من وجه؟ إن فهم الناس العاديين لا يصل إلى هذا الحد. لهذا يجب أن يكون هناك أشخاص أصحاب رأي مدقق ليشخصوا موضوعات الأحكام جيداً ويثبتوا عناوينها، وأن الحكم الفلاني للعنوان الفلاني، وفي مقام التزاحم، أي عندما تجتمع عناوين مختلفة على موضوع واحد، يمكنهم أن يبينوا ملاك الحرمة أو الوجوب لذلك الموضوع، ويشخصوا الملاك الأهم.

وهذا العمل ليس بمقدر الجميع. وقد يكون هناك موارد يفهمها الجميع ولكن يوجد موارد أخرى لا يمكن أن يفهمها الكل إلا الذين وصلوا في الفقاهة والأنس بالكتاب الكريم والسّنة المطهرة إلى مستوى رفيع جداً، وامتلكوا دقة متناهية من ناحية تشخيص المصالح الخارجية والموضوعات الخارجية والمسائل الاجتماعية التي هي موضوع تلك الأحكام، حتى يتمكنوا من معرفة وتحديد قوة المصلحة أو المفسدة في الموضوع المطلوب هذا الوقت...ولتشخيص هذه المصالح والمفاسد مراتب عديدة. فأحياناً يمكن أخذ العناوين العامة. كما قلنا إذا دار الأمر بين المرور في أرض الغير عنوة وبين غرق الطفل، فهنا يجب التصرف في أرض الغير لإنقاذ الغريق. ففي مثل هذه الموارد يعلم الجميع ما هو تكليفهم. وهنا يكفي أن يذكر الفقيه في الرسالة العملية أنه إذا دار الأمر بين موت الغريق وعبور أرض الغير يجب إنقاذ الغريق وإن لم يرضَ صاحب الأرض. ولكن أحياناً لا يكون تشخيص المواضيع بهذه السهولة، بل يلزم وجود اختصاصيين وخبراء يمزجون تجاربهم وخبرتهم ومعرفتهم الدقيقة بالفقاهة وتشخيص الموضوع ليحصلوا على تكليف الناس ويوصلوا إليهم الحكم الإلهي.

لنفرض هذا الموضوع حول طهارة الكحول الصناعي أو نجاسته. فهنا لدينا حكم بأن كل مائع مسكر فهو نجس. وهذا ما يُذكر عادة في الرسائل العملية، ولكن الناس لا يعلمون إذا كان الكحول مأخوذاً من المسكر أم لا؟ أم أنه لم يكن في البداية مسكراً، ولكن المسكر عرض عليه، أم أنه لا يمكن إطلاق عنوان المسكر لعيه لأنه غير قابل للشرب في الأصل وهو قاتل.
فلأجل تعيين حكم هذا الموضوع يحتاج الفقيه إلى الخبير فالمجتهد الذي قضى عمره في الدرس والبحث في الكتاب والسنة لا يعلم كيف تصنع الكحول، وما هي أنواعها؟ فهل جميعها مسكر وهو نجس شرعاً أم لا؟ ففي مثل هذه الموارد لا يستطيع الفقيه لوحده أن يعين حكمه، بل يمكنه أن يقول فقط إن "كل مائع مسكر فهو نجس". أما أن هذا المائع المحدد ما هو حكمه، فليس من شأنه، بل ينبغي معرفته من المتخصصين في هذا المجال، ليعلم بعدئذٍ ما هي خصائص هذا المائع وكيفية صناعته. وعندها يعين الحكم فيقول أنه نجس أو طاهر. فهنا يحتاج الفقيه إلى غير الفقيه وإلى الخبير بالمسائل الكيميائية ليفتي.

ويوجد مثل هذه المسألة في القضايا الاجتماعية. فمثلاً، كيف ينبغي أن يكون النهج السياسي والاقتصادي في التعاطي مع الدول المختلفة لأجل حفظ عزة المسلمين؟ وهل أن هذه الموقف السياسي الخاص أو هذا القرار الاقتصادي يؤدي إلى عزة الإسلام أم لا؟ فهنا نحتاج إلى الخبراء الذين لهم اطلاع واسع على جوانب الموضوع. فالفقيه إذا جلس في مكتبته واشتغل في كتب الفقه والأصول والقرآن والحديث، لا يمكنه أن يشخص، بل يحتاج إلى الاطلاع على المواضيع الخارجية والمسائل الاجتماعية والسياسية حتى يفهم إذا كان هذا التصرف في هذا الزمان وهذا المكان بالطريقة الفلانية مع الدولة الفلانية صحيحاً أم لا؟ هل هو لمصلحة الإسلام أم لا؟ هل تحفظ عزة الإسلام أم لا؟ فالحكم الشرعي هو ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين و﴿لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً. فالمؤمن لا يجوز له أن يكون ذليلاً أمام الكافر، ولكن لم يرد مثلاً أن السلوك الفلاني أو الموقف الفلاني في الزمان والمكان والدولة الفلانية يؤدي إلى عزة المؤمنين أم لا. فلا يوجد شي‏ء يفهمه الجميع، بل هناك معادلات معقدة جداً، ويحتاج الأمر إلى خبير سياسي، وينبغي التعمق والتدقيق كثيراً حتى يتم تشخيص صحة الموقف من خطأه.

فالفقيه هنا لا ينبغي أن يكتفي بالعمل وفق المباني الفقهية والكتاب والسّنة، ولا باطلاعه على المسائل السياسية والاجتماعية، بل ينبغي أن يستشير المتخصصين والخبراء من الدرجة الأولى في القضايا العالمية ليتّخذ بعد ذلك الموقف المطلوب. فلا يوجد إنسان متخصص في جميع العلوم. فالفقيه الذي قضى أكثر ن ستين سنة باحثاً ودارساً في الفقه والأصول، ليس متخصصاً في الكيمياء والفيزياء والجغرافيا والسياسة و... وإذا كان يمتلك معرفة بهذه العلوم فلن تكون إلا محدودة بالعموميات.

فهنا لا بد من التشاور مع أهل الاختصاص لتشخيص مصلحة الإسلام والمسلمين. فالأحكام الكلية مسجلة في الكتاب والسنة. والمجتمع الإسلامي ينبغي أن يكتفي من الناحية الاقتصادية. ولكن اليوم، حيث لم يحصل ذلك ونحن مضطرون لاستيراد بعض التقنيات والمواد الخام و... من الآخرين، فلا يمكن القول أننا نريد أن نحقق الاكتفاء الذاتي، ولهذا لا نحتاج إلى أية علاقة اقتصادية أو تجارية مع الغير. فعالم اليوم عالم مترابط. ولا يمكن أن تؤمن أية دولة كل ما تحتاجه من نفسها... إذاً، ما هي الدول التي نقيم علاقات معها ليكون ذلك بنفع الإسلام؟ من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة لا تحل هذه المسألة بل يتطلب ذلك معرفة بالقضايا العالمية. وهذه المعرفة لا ينبغي أن تكون عمومية، لأن هذه القضايا حساسة جداً، ويمكن أن تؤدي اتفاقية ما إلى تغيير مصير مجتمع بأكمله.

من هنا نستنتج، أننا نحتاج إلى التخصص في العلوم المختلفة لأجل بيان العديد من الأحكام الإلهية للناس ليعرفوا تكليفهم، ونحتاج إلى التشاور مع الخبراء والمتخصصين. وهذا هو السبب الذي يحتم علينا إيجاد مجلس للشورى، والسبب الآخر أن بعض الأحكام والقوانين قابلة للتغيير. فالعنوان ثابت ومصداقه يتغير. كقوانين السير والمدن. فعندما كانت وسائل النقل بدائية كانت قوانينها تختلف عن قوانين اليوم حيث تطورت وسائل النقل وتعقدت. وما لدينا في الكتاب والسنة هو أن الحكومة الإسلامية ينبغي أن تؤمن وسائل الرفاهية لشعبها، وترفع عوامل العسر والحرج من المجتمع الإسلامي. فهذه أحكام عامة، ولكن في أي زمان وبأية كيفية؟ فمصداق هذا الحكم الكلي متغير. فالشوارع كانت في الماضي بعرض مترين ثم صارت عشرة أمتار واليوم 45 متراً وربما تصبح في المستقبل أكثر طولاً، وهي تتبع ظروف الزمان والمكان. ففي الاجتهاد ينبغي إدخال عنصري الزمان والمكان، وليس ذلك لتشخيص الأحكام الكلية، بل لتشخيص المواضيع المتغيرة، أو لتطبيق الأحكام الكلية على المواضيع المتغيرة. فالمجتهد بمجرد أن يذكر تلك الأحكام الكلية لا يمكنه أن يرفع أو يلبي حاجت الناس. فإذا قال أن المائع المسكر نجس، لم يرفع بذلك مشكلة الناس. فما هو حكم الكحول المصنوع؟

وإذا قال الفقهاء: إن العمل الذي يكون فيه ضرر قليل ونفع كثير للناس فأدوه، لا يتضح تكليف الناس، وكذلك فيما يتعلق بتوسعة الطرقات و... عندما يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنه ينبغي إدخال عنصري الزمان والمكان في الاجتهاد" فليس بمعنى أن حكم الله يتغير، بل معناه أن الأحكام الكلية تنطبق على المصاديق المتغيرة بتغير الزمان والمكان. فالمصاديق هي التي تتغير. الشي‏ء المسكر لا يجوز تناوله، ولكن إذا شخّص الطبيب أن تناوله هو العلاج الوحيد للمريض، فهنا يجوز ذلك. لأن من أحكام الله أن كل ما فيه قوام حياة الإنسان فهو واجب.. ولا تنحصر المسألة بالأمور الاضطرارية، بل يوجد موارد أخرى له ظروف متغيرة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع