مع الإمام الخامنئي: الرسول مظهر الوحدة الإسلاميّة(*)  نور روح اللّه: آداب القراءة في الصلاة مع إمام زماننا: وظائف المنتظرين(4)(*) قرآنيات: تفسير سورة الماعون (1)(*)  أخلاقنا: الأسرة والحاجة المعنويّة(*) تعزية عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام

شهيد الدفاع عن المقدّسات أحمد عبّاس ديراني "عبّاس"


نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: إخلاص الشيخ حسن.
محلّ الولادة وتاريخها: شمسطار 13/2/1989م.
الوضع الاجتماعيّ: عازب.
رقم السجل: 73.
مكان الاستشهاد وتاريخه: القصير 11/6/2013م.

 

على سجيّته المعروف بها، أجاب أحمد عن سؤال والده حول رحلته إلى العراق: "لقد زرتُ مَن أحبُّهم، الآن أنا بانتظار الذهاب إليهم"! كان معه كفنه الذي اشتراه من إيران، وباركه بمرقد الإمام الرضا عليه السلام. ولم يكن والده يعلم أنّ التحاق ابنه بمن يحبّ بات قاب قوسين!

أمّا أمّه، فكانت تعلم دوماً أنّ ابنها أحمد لن يبقى معهم، حتّى قبل التحاقه بحرب الدفاع عن المقدّسات، وكانت تفضي بسريرتها لابنتها، التي ساعدتها في تربية أحمد، وتقول حرفيّاً: "أخوك أحمد لن يبقى معنا"، فيرتعب قلبها، وتحاول دفع هواجس أمّها بالاطمئنان والتوكّل، عاجزةً أمام نقطة خوف سكنت نياط قلبها.

 * هدوء ورصانة
كان والداه يخافان عليه، فهو منذ صغره مميّز بكلّ شيء بين إخوته الأربعة. يذكر والده أنّه كان يراقبه حينها، فيراه فتى هادئاً، في الوقت الذي كان يملأ فيه أبناؤه ورفاقهم المكان بأصواتهم، فيحثّه ويشجّعه على مشاركتهم.

المكان الوحيد الذي كان يحبّ الذهاب إليه هو القرية، بعد أن بنى والده هناك بيتاً صغيراً من غرفتين. وأوّل ما قام به أحمد ابن الثماني سنوات، هو الصلاة، وقد تعلّمها من كتاب الدين المدرسيّ، وواظب عليها منذ ذلك الوقت.

هذه الطباعُ، كانت تضفي على هدوئه وخجله نوعاً من الهيبة، وأظهرت رصانته باكراً، فكانت قراراته نابعة من تفكير عميق، فلم يجادله والداه بما يودّ فعله، من دراسته وحتّى قراره الالتحاق بصفوف المقاومة، بل حَكَم النقاشُ حديثهم، وبيّنت الأيّام صوابيّة قراراته الحكيمة.

* التزامٌ مبكّر
في منطقة الرويس، ولد أحمد وعاش طفولته، وهو واحد بين أربعة صبية وفتاة رعته واهتمّت بتدريسه. وقد اختلف عنهم بطباعه الجديّة الصارمة، فلم يكن يُكثر من الحديث، بل يُطلق الكلمة اللازمة في وقتها. 

في مسجد الإمام الحسن عليه السلام في الرويس، بدأت تظهر شخصيّة أحمد الدينيّة، وما تأثّر به انطبع فيه، فتماهى التديّن مع الجديّة، فعكسا شخصيّةً لافتة، برز فيها الوعي وتحمّل المسؤوليّة. وفي عمر الحادية عشرة، بدأ بالصيام، واستطاع على صغر سنّه التأثير بمَن حوله، على صعيد الروحيّة الدينيّة. كما عُرف عنه وفاؤه بالوعد مهما كان، فعند زيارته العراق، طلب إليه رفاقه جلب اثني عشر خاتماً مباركاً، وعلى الرغم من أنّه لم يملك ثمنها، وعدهم بجلبها ووفى. 

* الفتى المعيل
توظّف أحمد باكراً، واستطاع تأمين نفقات دراسته واحتياجاته. وبعد فترة، تكفّل بتأمين احتياجات أخيه الصغير أيضاً. ولم يقتصر عمله على العطلة الصيفيّة فحسب، بل استغلّ كلّ وقت فراغه بالعمل، وحيثما اشتغل حظيَ بمكانةٍ في القلوب، واحترامٍ كبير؛ لأمانته وصدقه، وهدوئه ورصانته.

عندما انتقلت العائلة من الرويس إلى حيّ السلّم، وافتتحت محلّاً، فرّغ وقتاً لمساعدة والده، وكان لافتاً عمله الدؤوب بصمت، فهو كثير العمل قليل الكلام، فلفت نظر الزبائن، وأبدى الكثيرون منهم إعجابهم به، فتأثّر بعضهم بعد استشهاده تأثّراً لافتاً على صعيد الالتزام الدينيّ.

لا يذكر والده أن عارض أحمد له رأياً، وإن كان غير مقتنع به، بل عامله بطاعة ومداراة، وكذلك الأمر مع أمّه. وبعضُ الطاعة المفرطة تخيف الوالدين، وخصوصاً الأمّ، التي يتعلّق قلبها بابنها لدرجة الخوف، فجاور خوف الفقد نبض قلبها، وظهر هذا الخوف على فلتات لسانها.

*مجاهد وكادح
بعد تخطّيه المرحلة المتوسّطة، التحق أحمد بالمهنيّة لدراسة الفندقيّة، وإلى جانب دراسته التحق بالتعبئة التربويّة، ولاحقاً بالتعبئة العسكريّة. لم يمانع والده الأمر عندما علم، خصوصاً أنّ أحمد لا يخطو خطوة واحدة قبل أن يحدّد الهدف منها، ومعرفة تأثيرها الواضح على مسار حياته. 

* سريّة عمله
بعد خضوعه لدورات عسكريّة عدّة، التحق أحمد بصفوف المجاهدين، ولم يعرف أحد من أهله شيئاً، عن عمله في البداية، فسرّه عميق. 

* حلم الشهادة
قبل توجّهه إلى العمل، التقى بعمّته في الطريق، فسلّمت عليه وهو على عجالة من أمره، واستمهلته ليجلس معها، فاعتذر إليها وأخبرها أنّ عليه الالتحاق بعمله، ثمّ قال: "يبدو أنّ الله لا يحبّني، فلم يرزقني الشهادة إلى الآن".

شارك أحمد في العديد من المعارك في محيط منطقة السيّدة زينب عليها السلام، والقصير، وفي تحرير تلّة "مندو"، وقد لُقب بـ"شبح القصير". وفي زيارته الأخيرة لأهله، علم عن طريق الأخبار أنّ مسلّحين تقدّموا إلى مدينة القصير، فكانت المرّة الأولى التي يُرى فيها غاضباً، حتّى إنّه ضرب بيده على الطاولة، وقال: "الأسبوع الماضي رفعت علم حزب الله فوق مبنى البلديّة". 

* وتحقَّق الحلم
في مهمّته الأخيرة، ودّع أحمد أهله بطريقة لافتة، حتّى أمّه ركضت خلفه في الطريق وهو يبتعد على درّاجته الناريّة، فأوقفه بعض الناس، لينبّهوه إلى أنّ أمّه تلحق به. حضنها من جديد وودّعها. ولم يستطع خلال وجوده في عمله الاتّصال بأهله لطمأنتهم. وفي إحدى المعارك في القصير، وخلال اقتحامهم مكاناً خطراً، قام بدفع رفاقه خلفه، وصرخ بهم ليرجعوا إلى الوراء، متلقّياً عصف انفجار أسقط عليه جداراً!

نُقل أحمد إلى المستشفى، حيث بقي ستّة أيّام جريحاً، قبل أن يرتقي شهيداً، وكانت هذه الأيّام آخر ما حظي به أهله من لحظات لقاء.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع