عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟ إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين اعرف عدوك: "إسرائيل" وقضيّة أطفال اليمن أسرتي: مهر المرأة: مفاهيم خاطئة أول الكلام: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)

أخلاقنا: الأسرة والعاطفة(*)


آية الله الشيخ حسين مظاهريّ


في زمنٍ تكثر فيه الانشغالات والهموم الحياتيّة، وما يعنيه ذلك من انعكاسها على العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، تبرز إلى الواجهة بعض العناوين المهمّة، التي من شأنها أن توطّد أواصر اللّحمة والمحبّة بينهم، وفي مقدّمتها تلبية بعض الاحتياجات الأساسيّة. فما هي هذه الاحتياجات؟

•الحاجة العاطفيّة
إنّ للعواطف نصيباً مهمّاً في سلوك البشر، وهذا ما ينبغي للإنسان إدراكه؛ لذا يجب على الجميع أن يتبادلوا هذا الغذاء الروحيّ الذي هو أسمى وأرقى من أيّ غذاء ماديّ.

1- التحنّن على اليتيم: إنّ مسألة العاطفة والمحبّة مسألة في غاية الأهميّة؛ لذا أوصى القرآن الكريم المسلمين بضرورة منح اليتيم محبّة خاصّة، وتمرير اليد على رأسه، وتجنّب إغضابه. قال تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (الماعون: 1-2).

لماذا اهتمّ الإسلام بهذا الشكل باليتيم؟ ولماذا كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يُجلس اليتامى إلى جانبه ويمسح على رؤوسهم، ويهتمّ بهم أكثر من غيرهم؟ إنّ الباري جلّت حكمته يريد أن يقول إنّ المسلم الحقيقيّ هو ذلك الذي لا يدعّ اليتيم. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أنكر منكم قساوة قلبه، فليُدنِ يتيماً فيلاطفه، وليمسح رأسه، يلين قلبه بإذن الله، فإنّ لليتيم حقّاً"(1).

وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: "ما من مؤمن ولا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم ترحّماً به، إلّا كتب الله له بكلّ شعرة مرّت يده عليها حسنة"(2).

أيّتها السيّدة التي مات زوجها، إذا ما كان لديك يتيم فثوابك عظيم، لأنّك كلّما مسحتِ على رأسه تسجّل الملائكة حسنةً لك في سجلّ أعمالك الصالحة. فإنّ الثواب والأجر هو الذي يتفضّل به الله على عباده الذين يترحّمون على اليتيم؛ لأنّ الأخير يحتاج إلى عاطفة أكثر من غيره، وإلى محبّة خاصّة، وإلّا شعر بالحاجة إلى ذلك، وبرزت لديه عقدة قد تكون خطيرة تؤدّي إلى جرائم وجنايات في الأعمّ الأغلب.

2- إظهار المحبّة للأبناء: عندما تكون الدار محرومة من المحبّة، يكون الأبناء هم الأشدّ حرماناً. إنّ الأطفال الذين لا تعدو أعمارهم بضعة أيّام يمتلكون غرائز بالفعل، ولكنّها كالنار تحت الرماد، مثل غريزة الجوع، كونه يلتفت إليها حينما يتضوّر جوعاً، فنراه يبحث عن مصدر طعامه. فأن تمسح الأمّ بيدها على رأس وليدها، أو على بدنه، ولو كان عمره شهراً واحداً، لهو أهمّ بكثير من لبنها الذي تسقيه، وإن تبسّم الأب في وجه طفله ذي الشهر أو الشهرين، أفضل للطفل من كلّ غذاء، وحتّى من لبن أمّه.

إنّ الأولاد بشكلٍ عامّ يحتاجون إلى العاطفة المنزليّة، وإلى الحبّ والحنان؛ فالأب الذي يراعي ويسدّ حاجات أبنائه الماديّة، ولا يلتفت إلى حوائجهم العاطفيّة، أب غير منصف وجاهل، ولا يفهم من الأبوّة شيئاً. إنّ بعض الآباء لا يرون أولادهم إلّا مرّة واحدة في الأسبوع، كونهم يخرجون مبكرين في الصباح، ويرجعون في ساعة متأخّرة من الليل، حيث يجدونهم نياماً، وهذا ما يبعث على وقوعهم في الأخطار المحدقة بهم. فالأب ينبغي له أن يتصابى مع صبيّه، وأن يمزح معه ويلعب، وأن يتبسّم في وجهه ويضحك، وأن يلاطفه ويتلطّف معه؛ لأنّ ذلك قيّم وثمين بالنسبة إلى الابن.

3- المرأة عاطفة: كذا بالنسبة إلى الزوجة، فهي الأخرى تحتاج إلى أن يتبسّم زوجها في وجهها، وتحتاج إلى سماع كلمات المحبّة والملاطفة منه. إنّ أشدّ ضربة يمكن أن يوجّهها الرجل لزوجته، أو توجّهها الزوجة لزوجها، هي تلك التي يكون فيها أحدهــما عابــس الوجـه، غاضباً، والأسوأ من ذلك أن تمتدّ يد أحدهما ليضرب الآخر، وهو ما يترتّب عليه معصية كبرى. أمّا بعض الأزواج الذين يعتبرون أنفسهم مقدّسين، فتراه لا يرفع يده على زوجته، ولا يُسمعها بذيء الكلام، ولكنّه يجلس كالصخرة الصمّاء لا يتكلّم ولا يرفع رأسه عن كتابه أو عمّا في يديه، -وعلى حدّ قول العامة-، كالجالس على برجٍ من سمّ الأفاعي، وهذا أحياناً أشدّ إيجاعاً من ذلك الذي يضرب ويشتم، وقد تكون المرأة على هذه الشاكلة أيضاً.

أيّها السيّد‍! إذا كنت تظنّ أنّ زوجتك نجيبة وشريفة وسوف تتحمّل سحنات وجهك الغاضبة مدّةً طويلة، فأنت مخطئ؛ لأنّ المرأة حينما تشعر بحرمان عاطفيّ، تكون في خطر. وإذا كانت ابنتك محرومة من العطف والحنان، فاعلم أنّها هي الأخرى في خطر. لذا يجب علينا جميعاً أن نهتمّ بهذه المسألة في المنزل، لأنّنا إذا أردنا تجسيد المحبّة فستكون على شكل سيّدة، ولو أردنا تجسيد العاطفة لكانت امرأة.

4-عدوّة المنزل: إنّ المرأة التي تجرّدت عن العواطف والمشاعر والأحاسيس لا يمكن اعتبارها زوجة، أو سيّدة منزل، كونها لا تعطي الدفء ولا الحنان لأهل ذلك المنزل؛ فهي لا تحترم زوجها، ولا تعطف على أبنائها، ولا تفهم معنى الانسجام العاطفيّ، فلمَ نطلق عليها لقب سيّدة المنزل؟! إنّها عدوّة المنزل! هذا المنزل الذي يجب أن يُديم حياته، ويديم حبّه وودّه؛ لكي يبقى ينعم بالدفء والحرارة من خلال الودّ والعاطفة والألفة والانسجام.

•العاطفة المتبادلة
وبناءً على ذلك، أقول: إنّ امرأتك تشعر بالحاجة إلى العاطفة والمحبّة قبل كلّ شيء. وأنت أيّتها السيّدة، عليك أن تعلمي أنّ زوجك يشعر بالحاجة إلى محبّتك قبل احتياجه إلى الطعام، والمحبّة هي أسمى من الحاجات الماديّة. أبناؤكم يحتاجون إلى المحبّة، فلا تبخلوا عليهم بالعطف والتودّد والرأفة، ولا بأس عليكم من أن تقابلوهم يوميّاً بشيء من الابتسام والسرور، لكي يتمكّنوا من إكمال مسيرتهم الحياتيّة.

•الإنسان يتعطّش للمحبّة
إنّ القرآن الكريم أكّد كثيراً على هذه النقاط الدقيقة، فيتطرّق على سبيل المثال إلى نبيّ الله موسى عليه السلام، وكيفيّة صيانته من أعدائه، في الوقت الذي كان فرعون يذبّح فيه الأولاد أينما كانوا. وخلاصة الأمر، فقد كبُر موسى عليه السلام تحت رعاية فرعون وزوجته آسية، بعد أن ألقى الله تعالت قدرته محبّته في قلبَيهما، فكان فرعون يتعامل مع موسى كالأب الرؤوف الرحيم. ثمّ مكث عند نبيّ الله شعيب عليه السلام، وتزوج إحدى ابنتيه، ولمّا أضحى لائقاً بالنبوّة، أرسله المولى تعالى إلى فرعون وملئه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 43- 44).

ماذا تقول لنا هذه الآيات؟ إنّها تقول إنّ الإنسان يتعطّش إلى المحبّة أينما كان. حتّى عندما أمرنا الإسلام بإعدام المجرم، طلب منّا أن لا نُسمعه كلمات نابية أو تجريحاً؛ لأنّه مهما كان، فهو من البشر الذين يتعطّشون إلى المحبّة.


(*) من كتاب الأخلاق البيتيّة، الفصل السابع – بتصرّف.
1.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج 1، ص 188.
2. ثواب الأعمال، الصدوق، ص 199.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع