الافتتاحية | الراية هي هي
الشيخ بلال حسين ناصر الدين
قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا، وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ، وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: 59). وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54). وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافر: 68).
تؤسّس هذه الآيات، إلى جانب غيرها من الآيات القرآنيّة المباركة، مفهوم حاكميّة الله المطلقة في الخلق والتدبير، إذ تُثبت أنّ الله سبحانه هو المالك والمتصرّف والمدبّر لشؤون الكون والإنسان، وأنّ أفعاله تجري وفق علمه المطلق وحكمته البالغة، بما يتجاوز توقّعات العباد وحساباتهم.
ومن خلال التدبّر في هذه النصوص، يتّضح أنّ ثمّة مفهومَين مركزيّين لا ينبغي أن يغفل عنهما المؤمن، سواء في حالات الشدّة أو الرخاء، وفي السلم أو الحرب. يتمثّل المفهوم الأوّل في الإقرار بأنّ جميع الموجودات محكومة بسلطان الله تعالى، إحاطةً وملكاً وتصرّفاً، وأنّ علمه يشمل أدقّ جزئيّات هذا الكون وما فيه. أمّا المفهوم الثاني، فيقوم على الإيمان بأنّ القدرة الإلهيّة، المقترنة بالحكمة، قادرة على إحداث تحوّلاتٍ مفاجئة في الواقع، وتبديل أيّ حالٍ إلى حالٍ آخر.
إذا كان الأمر كذلك، فإنّ كلّ ما يطرأ على مسيرة الحقّ، ولو بدا في ظاهره سوء، فإنّه في نهايته يقع ضمن تدبير الله وحكمته، ويخفي خلفه خيراً قد لا نراه نحن القاصرون إلّا بعد حين. وهو ما يشير إلى الإيمان بالقضاء والقدر؛ بحيث إنّ المؤمنين إذا ما شعروا يوماً بضيق، فإنّهم يحتسبون ذلك عند الله تعالى أوّلاً، ثمّ يأملون الفرج والخروج ممّا هم فيه. يتأكّد هذا الفهم من خلال قراءتنا لمسيرة الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين عبر التاريخ، بحيث تتجلّى في حركتهم ومسيرتهم وحدة السنن الإلهيّة في الابتلاء والنصر، مع كلّ ما كانوا يتعرّضون له.
وينسحب هذا الفهم على المسيرة التي انتهجها علماء المقاومة وقادتها في لبنان منذ نشأتها، إذ واجهت هذه المسيرة سلسلةً من الابتلاءات والاختبارات القاسية، كان من أشدّها فقدان قادةٍ كبارٍ استُشهدوا في سبيل هذا النهج، ومنهم الشيخ راغب حرب، والسيّد عباس الموسويّ، والسيّد حسن نصر الله، والسيّد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله عليهم). ومع ذلك، فقد كان الله تعالى يفتح أبواب الفرج، ليكون الثابت دوماً في هذه التجربة بقاء النهج واستمراريّة الراية، بما يعكس رسوخ الفكرة واستقلالها عن الأفراد، وارتباطها برؤيةٍ عقديّةٍ ترى أنّ الأمر كلّه بيد الله سبحانه، وهو الحكيم الخبير.
وهكذا الحال اليوم، فبعد كلّ ما حدث، فقد تحمّل الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله) مسؤوليّة حمل الراية بكلّ شجاعةٍ وثبات، في ظرفٍ يمكن القول فيه إنّه من أشدّ مراحل هذه المسيرة المباركة قساوةً، ليثبت لنا مجدّداً أنّ النهج ما زال هو هو، والراية هي هي، وأنّ علينا نحن أيضاً أن نبقى كما كنّا، والفرج والنصر ملازمان لمسيرة الصالحين ونهج الحقّ.