فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

تربية: كيف نختار ألعاب أطفالنا؟


تحقيق: فاطمة خشاب درويش


اللعبة وسيلة يعتمدها الأهل لإدخال الفرحة إلى قلوب أولادهم، يعبِّرون من خلالها عن حبِّهم لهم ويسعون بواسطتها إلى مساعدة الطفل على اكتشاف الأشياء وتمضية أوقاتهم بفرح ومرح. أمَّا بالنسبة للأطفال فاللعبة تعني لهم الكثير فبها يتواصلون مع العالم الخارجي ومن خلالها يعبِّرون عن طاقتهم وإبداعاتهم. ولأنَّ الحديث عن ألعاب الأطفال أساسه مبدأ اللعب عند الطفل لا بد لنا في بداية هذا التحقيق من توضيح مفهوم اللعب وأهميته من مختلف النواحي التربوية والنفسية وحتَّى الإسلامية. ولكن بداية هل يعرف الأهل أهميَّة اللعب عند الأطفال؟ وهل يعرفون آثاره وفوائده؟

* اللعب مهمٌ جداً للطفل والأهم بماذا يلعب؟
يؤكِّد حسين عبد الله - أبٌ لثلاثة أولاد - على أهميَّة اللعب بالنسبة للولد، فهو يتعرَّف إلى الحياة من خلال اللعب. فكثير من الألعاب يجسِّد الواقع كالسيارة والبيت وغيرهما ويساعد الطفل على التعرف إلى العالم الخارجي. السيدة رندى ضاهر من جهتها تؤكِّد على أهميَّة اللعب خاصَّة لكونه وسيلة للطفل للتعرّف إلى الأشياء واكتشافها، فلا سبيل أمام أطفالنا سوى اللعب الذي يكاد يكون المهارة الوحيدة التي يُتقِنُها الطفل في عمر مبكر وربَّما يمكن القول إنَّها ولدت معه ثم تطورت مع مرور الوقت. وتشارك السيدة دلال مورالي هذه الآراء لأنّ اللعب باختصار يعتبر سمة ملازمة للطفل ترافقه فترة لا يستهان بها من الزمن.  الإسلام يوصي بحثِّ الطفل على الانطلاق واللعب إذا كان العلم قد توصَّل من خلال النظريات المختلفة إلى أهمية اللعب عند الأطفال نظراً لفوائده وتأثيراته الايجابية فإنَّ الدين الإسلامي لطالما أكَّد على مبدأ اللعب من خلال الأحاديث والروايات، كما يشير مدير الإشراف الديني في جمعية التعليم الديني سماحة الشيخ صلاح العس الذي يَستشهد بقول الإمام الصادق عليه السلام: "دع ابنك يلعب سبع سنين ويؤدَّب سبع سنين وألزمه نفسك سبع سنين فإن أفلح وإلا فلا خير فيه"(1). لذا يؤكِّد سماحته على أهمية أن يُبدي الوالدان والمربون عناية خاصةً في حثِّ الطفل على الانطلاق واللعب وإعطاء ذلك الأولوية على الجوانب التعليمية والتربوية التي ينبغي تقديمها للطفل بقالب الألعاب الفردية أو الجماعية التي تكسبه مهارات وقدرات متنوعة.

وفي إطار مناقشة موضوع اللعب عند الأطفال تبرز إشكاليَّة هامة لا تقل أهمية عمّا ذُكر ويمكن مناقشتها من خلال التساؤلات التالية:
هل اللعب بالمطلق مفيد ومثمر عند الأطفال أم لذلك قواعد وشروط؟
كيف نختار لعبة مناسبة لأولادنا؟ وما هي المعايير العلمية لذلك؟
هل يعني للطفل أن نلعب معه؟ وما هي التأثيرات النفسية لهذا السلوك على الطفل والأسرة؟
تساؤلات منطقية خاصة أنها تعبر عن لسان حال الكثير من الأهالي الذين يرغبون بتحقيق أكبر قدر من الفائدة لأبنائهم ولكنهم لا يعرفون كيف.

* المعرفة محدودة والاختيار غالباً خاطئ

يَعتبر السيد حسين عبد الله أنَّ الأهل لا يتمتَّعون بالمعرفة اللازمة التي تخوِّلهم اختيار اللعبة المناسبة لأولادهم، مشيراً إلى تجربته الأولى في هذا المجال مع ابنه علي الذي كان لا يَفرح بلعبته سوى لبضعة دقائق ومن ثمَّ يكون مصير اللعبة النسيان أو الكسر لأنَّها لم تكن تناسب حاجاته وعمره. ويُضيف أنّه أصبح اليوم أكثر عقلانيَّة في شراء الألعاب خاصة التربوية منها لأنَّها لا تناسب إلا الأطفال فوق عمر الثلاث سنوات. أمَّا السيدة رندى فتشير إلى تجربتها مع ولدها جاد الذي يبلغ من العمر خمس سنوات فقد جلبت له الكثير من الألعاب التي اكتشفت لاحقاً أنها لم تكن تناسبه. وهو اليوم يختار لعبه بنفسه ويحب الأسلحة والمصارعة.

* الخطوة الأهم أن أعرف حاجات طفلي في كل مرحلة عمرية حتى أنجح في مساعدته

لكلِّ عمر لعبة تناسبه، وأي تجاهل من قبل الأهل للمرحلة العمريّة يؤدّي بشكل طبيعي إلى عدم استفادة الطفل من اللعبة فلا يتفاعل معها ولا يحقِّق أي هدف منها. ويُشير الأستاذ محمود غنوي المرشد التربوي في مدارس المهدي والأخصائي في مجال علم النفس التربوي والعيادي إلى أنَّ الطفل من عمر أربعة أشهر حتَّى عمر سنتين يحب الألعاب الفرديّة وتستهويه الألعاب ذات الصورة والصوت والحركة. ويبدأ باللعب مع الأكبر سناً بشكل بسيط من عمر سنة حتَّى الأربع سنوات ويركِّز في هذه المرحلة على الألعاب الحركيَّة كالركض والمشي. أمَّا مع بلوغ الطفل عمر الأربع سنوات فيبدأ باللعب الجماعي. وهنا يمكن الحديث عن الحوار مع الحركة وتمتد هذه المرحلة حتى عمر ست سنوات. أما في عمر سبع سنوات فتزداد الرغبة في اللعب الجماعي ويزداد الطلب أيضاً على الألعاب الحركية. هذا ويعتبر عمر 11 - 12 سنة عمر الحركة حيث يتوجَّه الولد مع الرفاق إلى الألعاب الحركية والحرة. وقد أكّد على تعليم الأولاد الفنون الرياضية المتعددة, قال النبي صلى الله عليه وآله: "علِّموا أولادكم السباحة والرماية"(2) وجعل الإمام الكاظم عليه السلام تدريب الطفل على الأمور الشاقَّة من المستحبات فقال: "تستحب عرامة الصبي في صغره ليكون حليماً في كبره"(3).

* متى يكون اللعب مفيداً ومثمراً لطفلي؟
حتّى يكون اللعب مفيداً ومثمراً ويحقِّق غايته وأهدافه التربوية والتعليمية والنفسية والاجتماعية يؤكد الأستاذ محمود غنوي على ضرورة توافر عدة خصائص في اللعبة. ولمساعدة الأهل في عملية التعرف إليها لا بد لهم من الإجابة عن الأسئلة التالية:
- هل تساعد اللعبة على استهلاك الطاقة الفائضة لطفلي؟
- هل تدرَّب طفلي على مهارات جديدة؟
- هل تنمِّي الخيال لديه؟
- هل هناك إمكانيَّة للعب بها بعدة أساليب فردية أو جماعية؟
- هل تحقِّق اللعبة الترفيه والحركة لولدي؟
- هل تساعد الطفل على التدرّب على القِيَم والمفاهيم؟

* اللعب مع الطفل ينمي المحبة ويزيد الاحترام

مشاركة الأهل أولادهم أثناء عملية اللعب أمر ضروري ومهم من الناحيتين الإسلامية والتربوية. فالإمام الصادق عليه السلام يقول "إن الله عز وجل ليرحم الرجل لشدَّة حبه لولده"(4) والنبي صلى الله عليه وآله يقول: "من كان عنده صبي فليتصابَ له"(5). أمَّا بالنسبة للنظرة النفسيَّة والتربوية فيعطي الأستاذ محمود غنوي أولوية كبرى لمشاركة الأهل أولادهم في اللعب لأنها تدرب الطفل على استخدام الألعاب من جهة وترسخ وتحسن أواصر الأسرة من جهة ثانية.

* كيف أختار لعبة لطفلي؟
بين مَن يعتبر أنَّ شراء لعبة لطفل أمر سهل ويسير وآخر يعتبرها أمراً محيراً وصعباً أحياناً يُمكن القول إنَّ الأمر يرتبط بشكل وثيق بمدى وعينا لأهميَّة اللعبة أساساً وما يمكن أن تحقِّقه للطفل سواء على الصعيد النفسي أو التربوي. وحتَّى ننجح في اختيار الألعاب هناك جملة من الشروط يجب مراعاتها في مقدَّمها جانب الأمان، فاللعبة يجب أن لا تؤذي الطفل أو تتسبَّب بأي حادث، كما يجب مراعاة متانتها ومواد تصنيعها بحيث لا تكون قابلةً للكسر أو تؤثِّر على سلامة الطفل في حال وضعها في فمه. دون إغفال لأهمية تنظيم وقت اللعب عند الطفل وتحديد الأولويات فلا يكون وقت اللعب مفتوحاً.

* اللعب في الصغر أفضل من التصابي في الكبر
ويختم الأخصائي في مجال علم النفس التربوي والعيادي محمود غنوي بالتأكيد على أنَّ اللعب أصبح من الوسائل الأساسية في النموِّ الذهني والمعرفي والانفعالي والحركي إضافة إلى كونه أسلوب التخاطب ما بين الكبار والصغار. ويشدِّد غنوي على ضرورة أن تعمل المدارس على توجيه الأولاد وأن تضع البرامج والمناهج والطرق والأساليب للاستفادة القصوى من عمليَّة اللعب في تطوير العملية التربوية والمعرفية للطفل في مختلف مراحل الدراسة إضافة إلى توجيه الأهل لاختيار الألعاب التربوية الهادفة لأولادهم حتَّى تتكامل الجهود وتثمر. ويوصي مدير الإشراف الديني في جمعية التعليم الديني سماحة الشيخ صلاح العس الأهل بضرورة تفريغ طاقة أولادهم في مرحلة الطفولة كي لا تؤثر عليهم في المستقبل وتجعلهم كما كثير من الناس يتصابون في كبرهم نتيجة الحرمان الذي عاشوه في صغرهم. وفي الخلاصة يمكن القول إنَّ اللعب حضارة قائمة بذاتها مدينتها عالم الأطفال وتمتدُّ بشكل غير مباشر إلى المجتمع، فكما الطفل يتأثر باختيار ألعابه من المجتمع كذلك المجتمع يدخل ألعاب الأطفال في ألعاب الكبار فما علينا إلا أن نتعامل مع هذه الحضارة كحضارة مكمِّلة لحضارة الإنسان الراشد ليصبح عالم الأطفال جزء من عالم الإنسان.


1- التحفة السنية، السيد عبد الله الجزائري، ص299.
2- الكافي، الشيخ الكليني، ج6، ص47.
3- الكافي، الشيخ الكليني، ج6، ص51.
4- مكارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي، ص219.
5- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج21، ص486.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع