مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*) آثار الانتظار (3): الارتبــــاط بالإمام عجل الله تعالى فرجه(*) إلى كل القلوب: وصية الأمير عليه السلام: تقوى الله (2) تسابيح جراح: وصار الجرح هويّتي حكايا الشهداء: السيّد ذو الفقار عن قُرب أخلاقنا: الأسرة: مجلسُ أخلاق (2) أول الكلام: على أعتاب المعصومــة عليها السلام بقـــمّ منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر

وادي الحُجَيْر... قلعة المقاومة


إبراهيم منصور


وادي الحُجير هو أحد أودية جبل عامل المهيبة، يعبق بأريج التاريخ، وتَسْري في جنباته أطياف الزمن.. يحمل منذ القِدَم أنفاس العامليّين المترَعة بفَوْح الشهامة والمروءة والفداء، ويُهدهِدُ أحلامهم نحو فضاء الحريَّة والعدالة والعيش الكريم.. وما زال يُفضي بأسراره التي لا تنقطع.

* لمحة جغرافيّة - بيئيَّة
هو واد ذو طبيعة خضراء ساحرة، كم ترنَّحتْ، مَرَّ الزمنِ، على أنغام المطاحن الثماني التي شيَّدتها سواعدُ الأجداد فوق النبع!. وبالرغم من تدمير العدوّ الصهيوني لهذه المطاحن، خلال عدوان تموز 2006، والقضاء على عرائسِ الجنوب، أشجارِ الزيتون المعمِّرة، ما زال هذا الوادي المقدَّس يُعتبرُ منتزهاً يقصدُه الأهالي من كلّ صوب ليحطُّوا فيه أثقالهم ومتاعبهم، فيستريحوا ويستروِحوا فيه شذا الماضي وذكرى الأيّام المجيدة. يقع هذا الوادي بين أقضية مرجعيون وبنت جبيل والنبطية، ويمتدُّ من مجرى نهر الليطاني في قعقعيّة الجسر، أسفل مدينة النبطية، حتّى بلدة عيترون في قضاء بنت جبيل، وتجاوره عدَّة قرى منها القنطرة وعلمان والغندوريّة ومجدل سلم وقبريخا وتولين والطيبة. ويقف هذا الوادي بالمرصاد... فيُلاصق الحدود اللبنانية – الفلسطينية مبشِّراً ونذيراً!. إنَّ هذه الطبيعة الجميلة البِكْر، بموقعها المميَّز، هي التي حَدَتْ وزارة الزراعة على اعتبار منطقة وادي الحُجير إحدى المناطق الحرجيّة المحميَّة، وذلك عام 1992.

* لمحة سياسية - تاريخيَّة
بعد سقوط السلطنة العثمانية، في الحرب الكونية الأولى، عقد الحلفاء المنتصرون مؤتمر فرساي (قرب باريس)، في حزيران 1919، لإنشاء نظام عالمي جديد. ورَشَحَتْ من هذا المؤتمر توجُّهات سياسيّة للفرنسيّين والإنكليز، تقضي بتقسيم البلاد العربية بين الدولتين الاستعماريَّتين فرنسا وبريطانيا، فقاومَ الملك فيصل ابن الشريف حسين هذه التوجُّهات الاستعمارية رافضاً تقسيم البلاد العربية إلى كيانات صغيرة، وراح يدعو إلى دولة عربية واحدة تضمّ بلاد الرافدين (العراق) وبلاد الشام (سوريا ولبنان وشرقي الأردنّ وفلسطين). ورَسَا المشهدُ السياسي في قرى وبلدات جبل عامل، كما في مختلف أنحاء لبنان، على ما يلي: جبهة وطنية قومية تُنادي برفض الاستعمار بكلّ أشكاله وأقنعته، وتدعو إلى الانضواء تحت لواء الدولة العربية الواحدة... وجبهة تُنادي بالانضواء تحت جناحَيْ الأمّ الحنون، فرنسا، مأخوذةً بإغراءات دولة لبنان الكبير. وهكذا كانت بلاد جبل عامل على شَفَا انهيار كبير وانفجار خطير يُهدِّد بحرب أهليَّة ضَروس، أين منها أحداث 1860؛ لأنّ الفتنة، هذه المرَّة، كانت تشملُ جميع الطوائف والمذاهب، وإنْ أُلْبِسَتْ لَبوساً شيعيّاً – مسيحيّاً في جنوب لبنان! في هذا المفصل التاريخيّ الخطير، ظَهَر سيّد هاشمي من جبل عامل يحمل بين جنبيه حُبّاً لجميع الطوائف اللبنانية، ولا يُفرّق بين الرسالات السماويّة السَّمحة، وتنظر عيناه إلى البعيد فيدرك أبعاد المؤامرة الفرنسية-الانكليزية الرامية إلى تقطيع أوصال الأمَّة بحسب معاهدة سايكس-بيكو، وزرع الكيان الصهيوني وابتلاع فلسطين، بحسب وعد بَلْفور الصادر عام 1917. فما كان من هذا السيّد الجليل إلا أن وقف وقفته التاريخيّة الشهيرة بِدَرْء الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، ومنع الفوضى والتعدّيات على دماء الناس وأعراضهم وممتلكاتهم، مَهْمَا اختلفت مواقفهم السياسيّة، أو تنازحت بهم الانتماءات. هذا الرجل العاملي الكبير هو سماحة السيّد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله.

* مؤتمر وادي الحجير
رفضاً لمقرَّرات مؤتمريْ الحلفاء (فرساي وسان ريمو) دعا القائد الإسلامي والمفكّر العلاّمة السّيد شرف الدين إلى اجتماع حافل حضره وجهاء وعلماء وثوّار جبل عامل، إضافةً إلى العلماء من كلّ لبنان، وذلك يوم السبت في 24 نيسان من عام 1920(1) (5 شعبان 1338هـ)، في وادي الحُجير، الذي عُرِفَ، منذئذٍ، بقلعة المقاومة. وكان الهدف منه، في المقام الأوَّل، إطفاء نار الفتنة الطائفيَّة، والمحافظة على السلم الأهلي، والعيش المشترك، إضافةً إلى إطلاق مقاومة الاحتلال الفرنسي وتقسيم العالم العربي، والدعوة إلى الحكم الوطني العربي الحّرّ، ما اتَّخذ يومئذٍ طابع الجهاد المقدّس. في هذا الاجتماع وضع السيّد شرف الدين المصحف الشريف أمامه، وأخذ من الثوّار العامليين المجاهدين -وعلى رأسهم آنذاك أدهم خنجر الصعبي وصادق حمزة الفاعور- الأيْمان الغليظة بألاّ يتعرّضوا بأيّ سوء أو أذيّة لأحد من المواطنين، مسيحيّاً كان أو مسلماً، فأقسموا على ذلك، مُستثنين العملاء الذين لا دين ولا مذهب لهم! كما ألقى السيد شرف الدين خطبته الشهيرة التي جاء فيها: "... يا فتيان الحميَّة المغاوير، الدين النصيحة، ألا أدلُّكُم على أمرٍ إن فعلتموه انتصرتم؟ فَوِّتوا على الدخيل الغاصب، برباطة الجأش، فرصته، وأخمِدوا بالصبرِ الجميل الفتنة، فإنَّه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلا ليُثير الفتنة الطائفيّة، ويُشعل الحرب الأهليّة، حتى إذا صدَقَ زعمُه وتحقَّقَ حلمُه، استقرَّ في البلاد تَعِلَّة حماية الأقليَّات. ألا وإنَّ النصارى إخوانُكم في الله وفي الوطن وفي المصير، فأحبُّوا لهم ما تُحبُّون لأنفسكم، وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تُحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تُحبطون المؤامرة، وتُخمِدون الفتنة، وتُطَبِّقون تعاليم دينكم وسُنَّة نبيّكم... إخواني وأبنائي، إنَّ هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية، ويأبى إلاّ الاستقلال التامّ الناجز... فاركبوا كلَّ صعب وذَلول صادقي العزائم، متساهمين الوفاء، وما التوفيق إلا بالله، يُؤتي النصر من يشاء... عليه توكّلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير". ذلك هو السيد المجاهد عبد الحسين شرف الدين الذي أقضّ مضاجع المستعمرين بمواقفه البطولية الشامخة، فأدركوا خطره فلاحقوه يريدون اغتياله، فأحرقوا منزلَيْه في صور وشحور، وأحرقوا مكتبته العامرة بالكتب القيّمة والمخطوطات النادرة. ولكنّ الله حماهُ من غدرهم وحقدهم.

* لقاء علمائي جهادي في وادي الحجير
بين الحجير 1920 والحجير 2006 حكاية عزٍّ ولحنُ إباء وامتزاجُ المداد بالدماء، تشكّلت منه مقاومةٌ رافضةٌ للخنوع والذل، مستسيغة الشهادة طلباً للكرامة والعزّة والإباء. فإحياء للقاء العلمائي الذي أُقيم في الحجير عام 1920 أقيم في وادي الحجير 2006، لقاء علمائي جهادي حاشد، حضره حوالي 200 عالم دين، إضافة إلى عدد من المجاهدين الذين كان لهم شرف المواجهة في عدوان 2006م. وقد شارك في هذا اللقاء وفود علمائية من مناطق بيروت والبقاع والجنوب حيث قدّم أحد قياديي المقاومة شرحاً تفصيلياً عن المنطقة وسير العمليات خلال الحرب، وتم عرض بعض النماذج المقاومة، من خلال عددٍ من المجاهدين الذين شاركوا في المواجهات.

* دبابة الميركافا تحت سكين المقاومة
وذلك هو وادي الحُجير قلعة الصمود والمقاومة. وإذا بالتاريخ يُعيد نفسه، وما أشبه اليوم بالأمس! ويقف هذا الوادي من جديد، في وجه أعتى قوَّة عسكرية غاشمة، خلال حرب تموز 2006، ويُذيق أبناؤه البرَرَة، أبطالُ المقاومة الإسلاميَّة في حزب الله، العدوَّ الإسرائيليَّ نارَ السعير، فيحطّمون قوَّته العسكرية ويُدمّرون العشرات من دبَّابات الميركافا على صخور هذا الوادي وترابه الطاهر، كما على تراب بنت جبيل وعيتا ومارون الراس ومختلف قرى جبل عامل الأبيّ الأشمّ... حتى إنَّ ضبّاط جيش العدوّ وجنوده اعترفوا بأنّ دبَّابة الميركافا، بَدَتْ في وادي الحجير، أشبه بقُرص الزبدة تحت سكّين المقاومة!!..


(1) متزامناً مع تاريخ انعقاد مؤتمر سان ريمو.
المصادر المعتمدة:
(1) الإرهاب والعنف، الشيخ الدكتور محسن الحيدري، ج1/288، دار الولاء.
(2) الكيان السياسي لجبل عامل، د. منذر جابر.
(3) تاريخ جبل عامل، محمد جابر آل صفا.
(4) السيد عبد الحسين شرف الدين، المحامي نهاد خشمان (مقالة).
(5) حقيقة ما حدث – مروان اندرواس (مقالة).
(6) المنجد في اللغة والأدب والعلوم، الأب لويس معلوف.

أضيف في: | عدد المشاهدات: