مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*) آثار الانتظار (3): الارتبــــاط بالإمام عجل الله تعالى فرجه(*) إلى كل القلوب: وصية الأمير عليه السلام: تقوى الله (2) تسابيح جراح: وصار الجرح هويّتي حكايا الشهداء: السيّد ذو الفقار عن قُرب أخلاقنا: الأسرة: مجلسُ أخلاق (2) أول الكلام: على أعتاب المعصومــة عليها السلام بقـــمّ منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر

قلاع الوعد الصادق‏: حرّاس: وادي الحجير... الغندورية... فرون... القنطرة.

حسين منصور

 



... لم يكن النهر مخفياً في ذلك الوادي... فالذين جاءوا يبحثون عنه في هذا الزمن المذبوح بسكين الاستكبار والطغيان كانت تنتظرهم قصائد الموت وأشعار الحرية وسلاح الحياة، سلاح الشهادة... فهذه الأرض لا تخون... فيها نطقت آية التين والزيتون... فيها افترشت شتلة التبغ الحقول... واعتلى "البرغل" سطوح المنازل من خير السنابل... فيها حتماً يموت "الجعفيل" إذا ما اشتهى هذا التراب أو حاول أن يغازل... وهنا في هذا الجنوب الواسع... تقف العمامة التي تهدي... وتستشهد وهي تقاتل... كادت الشمس أن تُلغي نفسها حين اتخذ الشهيد عماد قدوح ورفاقه دربهم الذي امتدّ من الغندورية إلى السماء... كانوا يتحفزون لصومٍ رمضانيّ وإفطار لقصيدة من أحلى الأوزان... ومن بداية جديدة للقوافي... فلم يحتملوا هدوء الزيتون... ولا صمت السنابل قبل أن تسافر... سمعوا الحقل ينادي... فدخلوا فيه... فادي وشادي وراني وبقية الإخوة الثمانية... حراس "الحجير" وحماة الحرية... وحبات الندى حين يتوهج الصباح وتشتعل الأرض... للشوق الكربلائي الذي لا يرحل ولا ينام... ذلك الشوق الذي روى النهر... وروى النبع بماء العين... في جوف الليل... ومن نجيع الجراح وهي تدافع... هكذا كانوا في الغندورية... التي أسمعتنا حداء الأطفال وهو يدغدغ أحلام السوسن في الأزهار... ومسحت بصوت الشمس على أرواحنا... فلم يبقَ وجع في القلب... "السيد حسن"... "الله يقويه" قد أكّد لنا حصول الانتصار من البداية... لم ينتظر حتى تنتهي الحرب... رغم أن الطيران كان يملأ السماء... كان يقول: إلى ما بعد... ما بعد حيفا..

* النصر لنا والعار لهم‏
لم يكن الحاج محمد علي قدوح إلا واحداً من الذين قالوا: "هذا العدو الجاثم على حدودنا، وعلى الأرض المحتلة في فلسطين، نتوقع منه كل شي‏ء... فهو قد استعمل أحدث الأسلحة المتطورة... لكن كان هناك شي‏ء لا يقبله العقل... فماذا كنا نملك بمواجهة هذا كله؟! كان شباننا الأبطال... بفضل الله... يهزمون جنود العدو الذين دنّسوا هذه الأرض حولنا... فأعادوهم قتلى وجرحى من حيث أتوا... وكنت أتمنى لو كنت إلى جانب ابن أخي الشهيد عماد... الذي صنع لنا تاريخاً مجيداً مع غيره من الشهداء الأعزاء... لأشاركهم شيئاً من التضحية... لكنني كنت أحمل مسؤولية ثلاثين شخصاً... رفضوا المغادرة إلا برفقتي... وما يعزيني أنه مضى بطلاً، فهذه مسألة تبعث فيَّ الفخر والشرف... أن يكون الشهيد عماد واحداً من الذين هزموا إسرائيل... وعندما رجعت... لم أتطلع إلى الدمار... ولم أسأل عمّا حصل في القرية... بل رحت أتفقدها لأطمئن وأبتهج لعدم وجود أيّ إسرائيلي على ساحتي وأرضي... وماذا أطلب أكثر من ذلك؟ لم أجد سوى بقايا هؤلاء المعتدين من الأمتعة الحربية والعتاد تركوها دليلاً على ذلّهم وهزيمتهم... التي لم يتذوّقوا طعمها إلاّ في هذا الجنوب... أكثر من 27 دبابة ميركافا... كانت مدمرة... ولا زالت الجنازير هنا... تشهد على هزيمتهم... في الماضي هُزِم العرب في حروبهم... واليوم، لقد أعاننا الله على هذا النصر، لأنه علم صدقنا وإخلاص شبابنا...".

* عشق الأرض‏
... لم أتمكن من تحديد شخصية "أبي علي محمود الشامي" بين أن يكون فلاحاً عاشقاً للأرض... أو حكيماً خَبرَ الحياة، أو أنّه ذاكرة الغندورية وسجلّها... أو أنه ذلك المقاوم الذي أبى أن يترك المجاهدين وحدهم... قال لهم: "إمّا أن نبقى معاً... ونقاوم معاً... أو نستشهد معاً وننتصر معاً... لن أسمح لهذا العدو أن يدنّس أرضي من جديد...". ويضيف: "كنت قد شعرت أن الشهيد فادي قد اشتاق إلى الخضار الطازجة فنزلت إلى الوادي... إلى أرضي... وأحضرت للإخوان كيساً مملوءاً بالخضار... من جنى يديّ وقلت: "كلوا منها واذكروني عند ربكم"... وبعد خروج آخر سيارتين من الغندورية... سكنت كل حركة فيها... فالتزمنا البيوت والزوايا... ولم نعد نتحرّك... حتى السيجارة كنت أدخنها من خلال قنينة زجاجية مغطاة تماماً... كنا ننتظر الإنزال الجوي... لنستقبل القادمين الغزاة أحسن استقبال. وتفصيل ذلك يحتاج إلى كتاب... لكنني أريد أن أقول إنني لم أكن أعرف حقيقة الإيمان إلا من خلال هؤلاء الأبطال الذين خاضوا أشرف المواجهات وأشرسها، والذين يستحقون أن يطلق عليهم: "رجال الله"...".

* أغلى أمانة
أبو علي عباس، ابن القنطرة في الأصل... هذا الرجل تعتبره الغندورية حكاية أخرى... إنه رمز العطاء الكربلائي... دفع بأولاده الثمانية إلى أرض المعركة وسقط له شهيدان... شادي وفادي... قال: "لقد دفعني إلى ذلك إيماني بالله وبالأرض... حين رأيت المؤامرة الكبرى تحاك ضدنا لإخراجنا من أرضنا... أَوَيعلم أن هذه الأرض مقدسة!؟ إنها أرض السيد عبد الحسين شرف الدين وأرض السيد موسى الصدر... وأرض مئات الشهداء العظماء... أحد أبنائي... فوجئت به هنا في الغندورية... فهو يسكن في بيروت، ولم أكن قد رأيته منذ فترة طويلة... قال لي: عندي واجب الآن يحتم عليّ أن أؤديه... الشهيد فادي قال: لن أغادر... سأبقى هنا، وسوف أستشهد هنا... وكان له ما أراد. عند عودتي إلى الغندورية بعد وقف إطلاق النار... كانت أعزّ إطلالة... ولدايَ استشهدا... ودافعا عن أرضهما وكرامتهما، وطلبت من الناس أن يزغردوا ويزفوا العريسين... هل تعلم أنهما وضعاني أمام مسؤولية صعبة وعزيزة... رفعاني فوق الأرض شامخاً فخوراً... بربك كيف أحافظ على هذا العلو...؟ أليس بحفظ دمائهما...؟ تلك أمانة غالية أثمن من الحياة نفسها... بل هي حقيقة الحياة الوحيدة في هذا الزمن الذي دمّرنا فيه الجيش الذي لا يقهر... وهشّمنا بيته العنكبوتي... وسنبقى... ويبقى الجنوب... صلاة ودعاء وجهاداً... بين الغندورية وفرون، كان وادي الحجير بأيدٍ أمينة... رجال الله كانوا هناك بعزم الرجال ووشاح الكرامات وحكايات الأبطال. لقد طلبت منهم الحياة أكثر مما يملكون أو ما يمكن أن يعطوه... لكنهم أعطوها ولم يختبئوا... لقد دخلوا من باب الأحرار... من وادي الحجير... وساروا في ظلال الوادي... كان المعبر أمامهم ينتظر... وكانت رحلتهم بديعة، أسمعونا وقع خطواتهم حيث كمنت لهم سعادة الحياة الحقيقية... وأرادوا أن يدعونا كي نجرّب ذلك المرور وتقع أعيننا على الشجاعة والبطولة والإيثار والتفاني... واستجبنا لدعوتهم...".

شَدَّ علي رمضان على أيدينا بعزم وإباء، فقد بقي في بلدته فرون يزغرد للصواريخ التي تدك العدو، قال: "هنا أرضنا ورزقنا... هنا التراث والأصالة وهي رأس مالنا... وحين نتخلى عنها ونسلمها للعدو... فكيف نغدو؟! لذا قررت أن أبقى مع الشباب حتى لا يخطفوا البطولة وحدهم... هم علموني ذلك... كنت في بيت قريب منهم... أقدم لهم "لقمة هنيّة" كي يقووا بها على الطائرات... وكنت أتمنى لو أنني نسمة تلتصق بهم... تداعبهم وتؤنسهم لأخرج من بين شفاههم حرفاً من نور يوم يقوم الناس لرب العالمين... ففي الأيام الأخيرة وبعد أن حصلت عدة إنزالات لجنود العدو... كانوا يمشطون البيوت بواسطة كلابهم المدرّبة... إلا أنها أثبتت فشلها كأصحابها... فقد دخل أحد هذه الكلاب إلى البيت الذي كنا فيه... كشّر عن أنيابه... لكنه تسمّر في مكانه كأنه بُهت منا، ثم خرج مسرعاً لا يلوي على شي‏ء، حيث كان الجنود في الخارج ينتظرونه، علّه يوفّق بصيد ثمين... في حادثة أخرى، قام الإخوان المجاهدون بإخلاء الحاج قاسم حمدون من منزله، بعد عنادٍ طويل منه، وفي اليوم التالي قُصف البيت ودُمّر تدميراً كاملاً، أوليست هذه مشيئة وعناية إلهية...!؟

في اليوم الأول لنشوب الحرب، كنت أقف على سطح المنزل، كي أحدّد مكان نزول الصواريخ، ولم أكن خائفاً... بل تملكتني الجرأة... رغم أن الضربة الأولى أصابت الحسينية... فطلبت مني ابنتي النزول وأن أستعد للرحيل... لكنني قلت لها: سأبقى حتى آخر لحظة من حياتي هنا... وسأعاون الشباب في كل ما يمكن أن أقوم به... فالوطن غالٍ، والأرض عزيزة، وكل حبة تراب هنا لا أبيعها "بجوزية ذهب"...". معنويات أصلب من الصخر، وأشدّ من الريح... مواطنون كانوا كأنهم بركان متفجّر، يريد أن يحرق هذا العدو بنيرانه ليضع حدّاً لغطرسته وعدوانه... موقف عجيب يُستشهد فيه نجيب مرعي تحت بيته مع شتلة التبغ وبين السنابل، بين الشجر في الكروم، ليذوق ويشمّ ويلمس صورة الأحرار...

* رصيد الحياة: كرامة وشرف‏
من روح الحرية... كسرت "القنطرة" قيد سجّانها "الإقطاع السياسي"، وحوّلت تلك العبودية نحو درب جديد في عيون أبنائها... كانت تستيقظ على أصوات القوافل وهي تعبر باتجاه فلسطين... ولن تنام اليوم على قرقعة سلاح الردّة، فصدى النصر آتٍ... آت... ملأ كيانها... فتهيّأت لاستقبال الوعد... تجمعت في "القنطرة" كل الإرادات وكل الطاقات من مختلف الأعمار... يقول الحاج محمد علي عباس: "علمنا أن العدو يبغي الوصول إلى الليطاني، وهذا يعني أنه سوف يخترق القنطرة ووادي الحجير... في يوم الهدنة، تمّ إخراج جميع المدنيين من البلدة... وبقي المجاهدون والمقاومون الذين توكلوا على الله وقرروا المواجهة...

كان شباب التعبئة في الصفوف الأولى... وكان هناك من لم يلتحق بدورات عسكرية، أو يملك خبرة عسكرية، وهذه إحدى المحطات البارزة التي نعتز بها، فهؤلاء الإخوان بقوا طيلة فترة الحرب وقاوموا كل الظروف القاسية... وصمدوا وهم حديثو عهد. كانوا يشكلّون عائلة... فهنا الأب والابن والأخ وابن العم وابن الأخ... لم يبالوا، فقد اختاروا أن يكونوا في مسيرة الإمام الحسين عليه السلام... كانت لديهم الروحية واليقين بأنهم على حق... وأنهم سينتصرون، قالوا: هذه أرضنا وأرض أجدادنا... هنا أهلنا وإخواننا حيث نعيش ونموت... لن نتركها هدية لعدو الله وعدونا... هؤلاء لم يفكروا في أنهم سيكبرون ويستعدون للزواج ولتأمين المستقبل، بل فكروا في أن هناك شيئاً اسمه كرامة وشرف، أنّ هناك قدسية لا تقدمها لهم هذه الدنيا الزائفة ولا تحقّق لهم السعادة الحقيقية إذا ما تخاذلوا عن هذا الواجب... ولذلك، كمنوا للإسرائيلي في كل بيت وعند كل مفترق وكان الله معهم... ففي أحد المنازل قرب مفترق عدشيت، حين حاول الإسرائيلي أن يدخل إليه قام الشابان الموجودان فيه بتفجير عبوة وضعاها خلف الباب، مما أدى إلى مجزرة في جنوده، وتمكن الشابان من الخروج من باب المطبخ وتجاوزا آليات العدو ودباباته دون أن يشعر بهما أحد...".

ويروي لنا أحد الإخوان المجاهدين عن المواجهات فيقول: "لقد انتشرت المجموعات التي تحمل الأسلحة المضادة للدروع في كل الاتجاهات وكان صيدها ثميناً، فقد تمكنت تلك المجموعات من إعطاب كل الجرافات التي حاولت فتح الطرقات لتقدم الدبابات، كما أنها دمرت أكثر من خمس دبابات ميركافا، مما أوقف اندفاعة العدو وأجبرته على التمركز في مكانه، دون أن يحقّق أي تقدم على المحاور التي أقبل منها... ولما حاول تغيير مساره للدخول من نقاط أخرى، سرعان ما لاحقه الإخوان ومنعوه من تحقيق أهدافه... ولم يتمكن من دخول "القنطرة"... فلجأ إلى قوته الجوية الضارية ومدفعيته الثقيلة... فكانت "الاستخارة" وسيلتنا للمبيت في هذا البيت أو إخلاء ذلك البيت... وكانت العناية الإلهية معنا...".

لقد جمعتم يا إخواني أجزاء الأشياء التي كنا نجهلها... في هذه القرى... ومع هؤلاء الأبطال، أكملتم لنا أجزاء الأشياء السرية... وقدمتم لنا ما نشتهي... قبل الرحيل... فهاتوا، أعيرونا عطاء أياديكم المباركة... واسمحوا لنا أن نستعملها... لنصنع منها نصراً جديداً وعزاً جديداً... فلقد كسوتم هذه الأرض مجداً... وتبرجتم بالفرح الجميل... الذي غمر وجوهكم المنتصرة... بالفرح الآتي براياته مع البشرى التي أشعلها الوعد الصادق برجال الله الذين "صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع