أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟ آخر الكلام | المسجد أوّلاً! مع الإمام الخامنئي | المبعث حيّ... ونحن مخاطَبون* بأيّ جديد سيأتي الإمام المهديّ عجل الله فرجه؟ * أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (1)* الشهيد سليماني...كيف قدّمته الصحافة العالميّة؟ زوجة الجريح... شريكة الجهاد

الشخصيّة النرجسيّة: عندما تتحدّث الأنا

داليا فنيش


في قاعة الاجتماعات المزدحمة، كان صوته يعلو بثقةٍ مفرطة، يتحدّث وكأنّ كلماته هي الحكم النهائيّ. لم يتوقّف عن استعراض إنجازاته وآرائه بوصفها الأكثر صواباً، يتجاهل آراء الآخرين وكأنّها لا تستحقّ الاستماع. عكست كلّ حركة منه رغبةً دائمةً في نيل الإعجاب والتقدير، حتّى لو جاء ذلك على حساب الحقيقة أو مشاعر الآخرين!
هكذا تظهر الشخصيّة النرجسيّة، مدفوعةً بشعور عميق بالأهميّة الذاتيّة، وسعي مستمرّ للسيطرة والتميّز.


• وقاية أخلاقيّة
لطالما نبّه ديننا الحنيف من الوقوع في فخّ العُجب والتكبّر، وحقيقة العجب هي أنّ الشخص يرى نفسه عظيماً وغايةً في الكمال، وتظهر منه أفعال تدل على هذه الرذيلة ومنها التكبّر والتعالي على الآخرين، في حين قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (النجم: 32). ويقول الإمام الصادق عليه السلام : «من دخله العجب هلك»(1). وربما تكون النرجسيّة واحدة من نتائج رذيلة العجب التي نبّه الدين من الوقوع في فخّها.

• عوامل تكوّن الشخصيّة النرجسيّة
قد نتساءل: هل تولد الشخصيّة النرجسيّة بهذا الاضطراب، أم أنّ ثمّة عوامل أخرى تسهم في صناعتها؟
الشخصيّة النرجسيّة لا تُولد هكذا، بل تتكوّن عبر تفاعل معقّد بين الاستعدادات الوراثيّة والعوامل البيئيّة والتربويّة. وأهمّ ما يقوله المتخصّصون (مثل كيرنبرغ، وكوهوت) أنّ ثمّة استعداداً بيولوجيّاً يدفع بعض الأطفال ليكوّنوا حساسيّةً ما تُجاه النقد، فيصبحون أكثر بحثاً عن الإعجاب، وأقلّ ثباتاً أو اكتفاءً في تقدير الذات. ثمّ يأتي دور التربية، الذي يمثّل العامل الأقوى، بحسب الباحثين، في صناعة النرجسيّة، عندما تتّخذ اتّجاهات مفرطة مثل:
1. المبالغة في التمجيد: مدح الطفل بلا حدود، وإشعاره بأنّه «مميّز فوق العادة»، وتلبية رغباته كلّها بشكلٍ دائم وفوريّ، ومنحه الحريّة المطلقة لقول وفعل كلّ ما يريده من دون تدريبه على تحمّل المسؤوليّة.
2. الإهمال العاطفيّ: عدم منح الطفل دفئاً أو اهتماماً، وغياب الاحتضان والأمان، والمحاسبة من دون محبّة. كلّ ذلك يخلق هشاشة داخليّة يحاول الإنسان تعويضها لاحقاً بالنرجسيّة.
3. التربية المتناقضة: مدحٌ مفرط تارة ونقدٌ قاسٍ تارة أخرى؛ ما يجعل الطفل يعيش بين الغرور والخجل، وهذه التربية هي نواة النرجسيّة.
4. الصدمات النفسيّة في الطفولة: الإذلال، والمقارنة المستمرّة بالآخرين. فعندما لا ينجح الطفل بتكوين صورة جيدة عن نفسه، بسبب الإذلال ومقارنته بالآخرين، ينشأ بشخصيّة هشّة، فيبدأ في تضخيم صورته عن نفسه وتمجيدها كوسيلة للدفاع عن نفسه.

• الفرق بين النرجسيّة والثقة بالنفس
قد يختلط الأمر على كثيرين في مكمن الفارق بين النرجسيّ والواثق بنفسه بشكل واقعيّ؛ فالأوّل يرى نفسه أفضل من الآخرين، ويحتاج دائماً إلى إثبات تفوّقه، بينما يعرف الواثق بنفسه قدراته وحدودها من غير مبالغة. كما أنّ النرجسيّ يستغلّ الآخرين ويراهم وسيلةً لخدمته، بينما يحترمهم الواثق بنفسه ويتعاون معهم. والنرجسيّ لا يتحمّل النقد أبداً، ويراه هجوماً شخصيّاً، وهو صاحب نظريّة «المؤامرة الدائمة» ضدّه، فيختلقها لحماية ذاته، بينما يتقبّل الواثق بنفسه النقد البنّاء ويستفيد منه. كما أنّ النرجسيّ بحاجة إلى الإعجاب الدائم به ليشعر بقيمته؛ لذلك، يطوّق نفسه بمن يمدحونه ويجاملونه باستمرار، بينما يستمدُّ الواثق بنفسه قيمته من عمله وإنجازاته وكفاءته وجهده، لا من آراء الآخرين به ونظرتهم إليه.

• أنواع الشخصيّة النرجسيّة
للنرجسيّة درجات أو أنواع عدّة، مثل:
1. النرجسيّة الصريحة: يركّز صاحبها على المكانة، والثروة، والقوّة، ويعتقد أنّه يستحقّ معاملة خاصّة ومتميّزة عن الآخرين، ولا يتقبّل النقد.
2. النرجسيّة الخفيّة: هي أقلّ وضوحاً من العلنيّة، وفيها يشعر الشخص بأهميّة ذاته ويتوق لأن يحظى بإعجاب الآخرين به، وقد تظهر عليه سلوكات سلبيّة، مثل لوم الآخرين، أو التلاعب بهم للحصول على ما يريد، أو التشهير بهم.
3. النرجسيّة المعادية: يولي صاحب هذه الشخصيّة اهتمامه للظهور في القمّة دائماً، وقد يستغلّ بعض الأشخاص للوصول إلى أهدافه.
4. النرجسيّة الطائفيّة: يتّسم صاحبها بسمات التضحية من أجل الآخرين، ولكن بدافع الظهور ونيل الإعجاب فقط، كالذي يهتمّ بقضايا اجتماعيّة، أو يقود حركة ما.
5. النرجسيّة المدمّرة (Toxic): هي أكثر الأنواع خطورة، إذ يعاني صاحب هذه الشخصيّة من جنون الارتياب، وافتقار التعاطف، واحتقار مستمرّ للآخر، وتأدية دور الضحيّة.

• التعامل السليم مع النرجسيّ
يحتاج صاحب هذه الشخصيّة في المقام الأوّل إلى مراجعة مختصّ، وذلك لن يحصل إلّا عندما يعترف باضطرابه، وهو أمر شاقّ عليه طبعاً، لأنّه معجبٌ بنفسه بإفراط، ولن يعترف بمشكلته بسهولة.
من جهة أخرى، إنّ التعامل مع الشخص النرجسيّ يحتاج إلى مهارة وحدود واضحة؛ لأنّ هذا النمط يميل إلى السيطرة والتلاعب وامتصاص الطاقة العاطفيّة لمن حوله. لذلك، يجب أن تقابله بثبات وثقة وقوّة. إليك أفضل الطرق المدعومة بالخبرة العمليّة للتعامل معه:
1. ضع حدوداً واضحة وثابتة: لا تسمح لصاحب هذه الشخصيّة بالتعدّي على خصوصيّتك أو وقتك، واستخدم عبارات مباشرة، مثل: «هذا الأمر لا يناسبني»، «لن أسمح بهذا الأسلوب»، فالنرجسيّ يختبر الحدود دائماً ليجتازها.
2. تجنّب المواجهة العاطفيّة: النرجسي يتغذّى على ردود الفعل القويّة (الغضب، الدفاع، الانفعال).
3. استعمال أسلوب الهدوء المحايد: مثل جمل: «فهمت رأيك»، «لا داعي للانفعال، نعود للموضوع الأساسيّ»؛ فالجملة الهادئة من دون تودّد، تقلّل من شهيّته للهجوم.
4. لا تشرح كثيراً: النرجسيّ يستخدم الشرح الذي تقدّمه ضدّك؛ إمّا للاستهزاء، أو لكشف نقاط ضعفك، أو لمواصلة إنهاكك بالجدال، فأفضل قاعدة لتجنّب هكذا موقف: قدّم أقلّ قدر ممكن من المعلومات الشخصيّة أو التبريرات.
5. قلّل التوقّعات: لا تتوقّع أن يعتذر، أو يعترف بخطئه، أو يعبّر عن امتنان صادق. إنّ خفض التوقّعات يجعلك أكثر قدرة على التعامل معه بواقعيّة.
6. لا تسمح بالتلاعب العاطفيّ: يتقن النرجسيّ فنّ التشكيك في الحقائق، ويعمد إلى تشويه الذاكرة عند اختلافه معك، لذلك، ردّد بهدوء: «أنا واثق ممّا حدث»، ولا تدخل في جدال لإثبات تشكيكه.
7. احمِ طاقتك النفسيّة: التعامل لفترة طويلة مع النرجسيّ أمر مرهق، لذا، عزّز ثباتك الداخليّ وثقتك بنفسك، فالنرجسيّ يشعر بضعف المتردّدين، ويستغلّ ذلك ضدّهم.
إنّ فهم الشخصيّة النرجسيّة ليس لتأديبها، بل لحماية أنفسنا منها، وفتح بابٍ هادئٍ لمساعدتها إذا ما أرادت أن تُشفى.
 

1. أصول الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 313.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع