المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟ آخر الكلام | المسجد أوّلاً! مع الإمام الخامنئي | المبعث حيّ... ونحن مخاطَبون*

كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟

تحقيق: أحمد شعيتو


اشتهر مقطع فيديو لأب يعاقب ابنه بإخراجه إلى حديقة المنزل، فيصرخ الابن (12 سنة تقريباً) لأنّه شعر بالملل، وإذ بالأب يجيبه: «اعلم أنّ كلّ الآباء يعاقبون أبناءهم بالبقاء في غرفهم الخاصّة، لكن بما أنّك تقضي نهارك كلّه باستخدام الجهاز اللوحيّ (التابلت)، لذا، فإنّ عقابك هو الحديقة». يصرخ الابن من خلف النافذة: «لقد مللت، وليس لديّ فكرة كيف سيمضي الوقت هنا»، يجيبه الأب: «تسلّق شجرة، اركض، استلقِ على العشب، راقب سنجاباً،... هكذا كنّا نفعل في عمرك». يتأفّف الابن: «هذا ممّل جدّاً، لو كنت في غرفتي الآن، لكنت سأشاهد كلّ هذا وأكثر في (الريلز/ مقاطع فيديو قصيرة) ومقاطع اليوتيوب».
ليس ثمّة مبالغة في هذه المشهديّة، فلربّما نحن أمام جيل يفضّل الحياة الافتراضيّة على الواقع. فهل تأخّر الوقت لخلق التوازن بين العالَمَين؟

• الأجهزة اللوحيّة بين السلبيّ والإيجابيّ
في السنوات الأخيرة، بدأت الأجهزة الإلكترونيّة اللوحيّة (Tab- Ipad) تنتشر بكثافة في أيدي الأبناء، ولا سيّما من هم في عمر 4 سنوات وما فوق.
ورغم أنّ قرار منح الطفل هذه الأجهزة يقع في يد الأهل، فإنّ الضغط الاجتماعيّ من الأقران، ورغبة الطفل في المتابعة، وفضوله الطبيعيّ، عوامل تدفع الأهل إلى السماح بذلك. لكنّ ذلك لا يخلو من مسؤوليّة كبيرة، إذ إنّ الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة، خصوصاً بين سنّ الرابعة والثانية عشرة، يشكّل خطراً على تطوّر الطفل المعرفيّ والسلوكيّ، وهي مرحلة حسّاسة يُستقبل فيها كلّ محتوى بسهولة وتأثير عميق. الأمر الذي يتطلّب متابعة حثيثة. أمّا دور هذه الأجهزة، فيتراوح بين الإيجابيّ والسلبيّ حسب طريقة تعاطي الأهل معها:

أوّلاً: الدور الإيجابيّ:
1. تنمية معارف الطفل الفكريّة والعلميّة واللغويّة، من خلال استخدام الأهل لمحتويات الإنترنت أو المقاطع التعليميّة المتخصّصة لدعم تعليم أبنائهم ودروسهم.
2. استخدامها في البرامج الإلكترونية المفيدة للرسم.
3. التعرّف على نشاطات يدوّية ورياضيّة.
4. تنمية مهارات معيّنة، وتحفيز التفكير والذكاء والخيال والإبداع من خلال المواد المتنوّعة التي يشاهدها الطفل أو يقرأها، والاطّلاع على عوالم مختلفة.

ثانياً: الدور السلبيّ:
1. الاطّلاع على محتويات غير مناسبة وعبارات غير أخلاقيّة.
2. تحفيز العدائيّة.
3. تشتيت التركيز نتيجة استخدامها بشكل مفرط.
4. التسبّب بأضرار صحيّة للنظر والسمع (كثرة استخدام السمّاعات)، ومشاكل في العظم بسبب سوء وضعيّة الجلوس أثناء الاستخدام.

• مخاطر الأجهزة اللوحيّة تربويّاً واجتماعيّاً
للأجهزة اللوحيّة العديد من المخاطر والآثار السلبيّة على مختلف الصعد، أهمّها:
أوّلاً: المخاطر التربويّة: تحدّثنا مع الباحث التربويّ والاجتماعيّ الدكتور علي الرضا فارس حول رؤيته للأجهزة اللوحيّة الإلكترونيّة، ومخاطرها التربويّة، فقال: «كلّ شيء في الحياة يحمل جوانب إيجابيّة وسلبيّة، والأجهزة اللوحيّة ليست استثناءً، فهي سلاح ذو حدّين، خصوصاً عندما تقع في أيدي الأطفال الذين لا يمتلكون غالباً القدرة على تقييم المحتوى أو توظيفه بوعي». وأضاف: «إنّ استخدام هذه الوسائط يحمل العديد من الآثار السلبيّة، خصوصاً في ظلّ التدفّق المعلوماتيّ غير المحدود وغير المنضبط، بحيث تُسرّب من خلالها مختلف الأفكار المرتبطة بالمنظومة الغربيّة إلى أطفالنا عبر مقاطع الفيديو والريلز والرسومات وغيرها. حتّى الرسوم المتحرّكة لم تعد بريئة، فقد أصبحت تحمل في طيّاتها أفكار (التحرّر) والشذوذ الجنسيّ».
ثانياً: المخاطر الاجتماعيّة: إنّ الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة له العديد من الآثار الاجتماعيّة السلبيّة، عن ذلك يقول د. فارس: «لقد غيّر استخدام هذه الوسائط الإلكترونيّة بنية التفكير الاجتماعيّ في مجتمعاتنا، فأصبحت الفردانيّة والانعزال ظاهرتين شبه طبيعيّتين لدى كثير من الأطفال. وهذه الانعزاليّة تظهر آثارها على المدى الطويل، خصوصاً حين يكبر هؤلاء الأطفال ويصبحون بالغين ويدخلون سوق العمل أو يؤسّسون أسراً، فيواجهون صعوبات في التفاعل والتعاون والمشاركة، لأنّهم اعتادوا على التفكير والنشاط في عزلة. وهذا يتناقض مع المبدأ الإسلاميّ القائل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)».
ولتجنّب هذه المعضلة، ينصح د. فارس المرّبين والأهل خصوصاً «أن يكونوا قدوة في استخدام هذه الوسائط باعتدال، وأن يكونوا البديل عنها، عبر فتح مساحات حقيقيّة للحوار مع أبنائهم في كلّ وقت، وإعطائهم وقتاً نوعيّاً، لا كمّيّاً فقط. فالصغار في أمسّ الحاجة إلى من يستمع إليهم، حتّى لا يصبح الهاتف أو الوسائط أو الذكاء الاصطناعيّ البديل العاطفيّ عن الأهل».

• دور الأهل
يقول د. فارس إنّ «الحلّ لا يكمن في أن يبادر الأهل إلى منع الطفل عن هذه الأجهزة بالكامل، فالممنوع يصبح مرغوباً، بل في ضبط الوقت المخصّص لاستخدامها». ويتابع حديثه عن دور الأهل قائلاً: «يكمن دورهم الأساسيّ في رفع مستوى الوعي لدى الأطفال، وهو الحلّ الأمثل، بحيث يصبح الطفل مصفاة ذاتيّة تنقّي ما يرد إليها من أفكار. فليس من الواقع أن يكون الأهل حرّاساً دائمين، وحتّى لو حاولوا ذلك، فإنّ دقيقة غفلة واحدة قد تكفي لمرور مقطع يحمل أفكاراً ضارّة وقيماً معاكسة لما تمّ ترسيخه».


نورد في ما يأتي تجربتين تعبّران عن الدور الواعي الذي يقوم به الأهل لناحية ضبط استخدام أبنائهم لهذه الأجهزة:
1. ضبط ومراقبة: تخبرنا زينب أنّها وضعت نظاماً محدّداً لاستخدام أبنائها الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و15 سنة الأجهزةَ اللوحيّة، وحدّدت عدداً معيّناً من الساعات لا يتعدّونه. وعندما يكونون في العطلة، يُطبّق هذا النظام كما هو، أمّا في أيّام الدراسة، فيصبح وقت الدراسة أطول ووقت النوم أبكر، ويقتصر استخدام الجهاز على أمور محدّدة، كمتابعة الدروس.
وتضيف زينب أنّ الجهاز اللوحيّ والهاتف أصبحا، منذ فترة كورونا، أكثر وجوداً في المنزل، ولكلّ طفل جهازٌ خاصّ به، وهو واقع لا مفرّ منه. لكنّها تؤكد أنّ على كلّ أمّ أو أب مسؤوليّة في هذا الشأن، وتقول: «أنا أحاول مراقبة ما يشاهدونه، ولا سيّما الفيديوهات القصيرة، وأقوم بالبحث عن أفضل ما يمكنهم مشاهدته». كما تشير إلى أنّ الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة يؤدّي إلى ضعف النظر والخمول، ولذلك، كلّما استخدم ابنها الصغير الجهاز، تطلب منه أن يتوقّف بين الحين والآخر ليقوم بنشاط آخر، حتّى لا يستمرّ لفترة طويلة متواصلة. وقد فعّلت ميزة تمنع تنزيل التطبيقات إلّا عبر الأهل، وتتابع الدعايات وما يروَّج له داخل التطبيقات والألعاب. وتوضح أنّ أخطر ما لاحظته في هذا الجيل هو أنّ كثيراً من الأطفال يشاهدون كلّ شيء ويلعبون ألعاباً غير مناسبة لأعمارهم، ولا يملكون القدرة على التمييز بين الصحّ والخطأ.


2. تعدّد النشاطات: من جهته، يلفت عبّاس إلى أنّه يحرص، في ما يتعلّق باستخدام ابنته البالغة من العمر 7 سنوات للجهاز اللوحيّ، على تحميل تطبيقات مخصّصة للأطفال تتعلّق بالألعاب والمحتوى التعليميّ أو الترفيهيّ المناسب. ويلاحظ أنّها استفادت من هذا العالم الرقميّ في تنمية لغتها وأفكارها وقدراتها الإبداعيّة. ويشير إلى أنّ هذه الأجهزة تحتوي على الكثير ممّا هو جذّاب وقد يؤدّي إلى الإدمان، ولذلك، يحرص وزوجته على تحديد وقت معيّن للاستخدام، وتجنّب مشاهدة الفيديوهات القصيرة السريعة التي تحمل مضامين سلبيّة أو خطرة، ويعوّدان ابنتهما على برامج وألعاب محدّدة. كما يحرصان على أن لا يكون وقت الفراغ طويلاً، فيأخذانها في نزهة أو يمارسان معها نشاطات متنوّعة كالرسم والرياضة، حتّى لو كانت داخل المنزل.

• دور المدرسة
بالإضافة إلى دور الأهل، تؤدّي المدرسة دوراً مهمّاً في التشجيع على الاستفادة من مزايا هذه الأجهزة والتحذير من سلبيّاتها. من هذه الأدوار:
1. توعية الطالب حول مخاطرها، والتشديد على عدم إدمانها.
2. توجيه استخدامها لأهداف تعليميّة باستخدام الصوت والصورة والفيديو.
3. تشجيع المواهب والنشاطات والحركة والتفاعل ممّا يقلّل الاعتماد على هذه الأجهزة في وقت الفراغ.

• الاستغلال الأمثل
يرى د. فارس أنّه يقع على عاتق المربّين دور مهمّ في الجانبَين التعليميّ والتربويّ لتحويل تأثير هذه الأجهزة إلى فرص حقيقيّة:
أوّلاً: على الصعيد التعليميّ: «يمكن الاستفادة من تطبيقات عديدة تعتمد استراتيجيّة (التعلّم باللعب)، خاصّة لدى الأطفال الصغار، فثمّة تطبيقات مصمّمة لتنمية اللغة، وتطوير المهارات الحسابيّة والرياضيّة، وتوسيع المعرفة العلميّة والثقافيّة. إذا استُخدمت هذه الأدوات بوعي، فإنّها تحفّز ذكاءات الطفل المتعدّدة، وتحوّل الوقت الطويل الذي يقضيه أمام الشاشة من عامل سلبيّ إلى إيجابيّ مثمر».
ثانياً: على الصعيد التربويّ: «لا يكفي أن نعلّم الطفل ماذا يستفيد من الوسائط، بل يجب أن ندرّبه على تصفية ما يُستهلك منها. فهدفنا ليس تقليل استخدامه فحسب، بل تحويله من متلقٍّ سلبيّ إلى منتقٍ واعٍ، ثمّ إلى موجّه إيجابيّ يرفض ما يشوّه القيم، ويدعو إلى الخير في عالم افتراضيّ مليء بالتفاهة والانحراف». وهنا، يؤكد د. فارس أنّه لا غِنى عن التربية الإيمانيّة السليمة منذ الصغر، فالرادع الإيمانيّ هو الحصن الحقيقيّ الذي يمكّن الطفل أن يميّز الحقّ من الباطل. فمسؤوليّة انحراف الطفل تربويّاً وإيمانيّاً وعقائديّاً تقع أوّلاً وأخيراً على عاتق الأهل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6).


أخيراً، ينهي د. فارس كلامه قائلاً: «قد يمتنع بعض الأهل عن منح أبنائهم هذه الأجهزة، أو يؤجّلونها إلى حين بلوغه سنّاً معيّنة، بينما يرى آخرون أنّها واقع لا مفرّ منه، خاصّة مع وجود أوقات فراغ يصعب سدّها حتّى بالنشاطات الرياضيّة أو الفنيّة. وفي هذه الحالة، يصبح تحويل التهديد إلى فرصة أساس الحلّ كما ذكرنا».
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع