المسجد... بيت الشهداء الثاني مساجد تبني رجالاً -مسجد الخضر نموذجاً - بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي»

المسجد... بيت الشهداء الثاني

هلا ضاهر*


لطالما أوصى بعض الشهداء أن يكون المسجد البيت الثاني، وأن يبقى حالة ثقافيّة إيمانيّة جهاديّة، لا مجرّد مكان للعبادة.
عن ذلك، يقول الحاج أبو قاسم، خادم مسجد الإمام الكاظم عليه السلام : «حين نتأمّل في حياة هؤلاء الشهداء، ونتتبّع كيف تشكّلت شخصيّاتهم ونضجت، نجد أنّهم كانوا خرّيجي المسجد الذي كانوا يرتادونه للصلاة. ففيه لم يتعلّموا تلاوة كتاب الله بالألفاظ فحسب، بل ترسّخت قيمه في سلوكهم وعملهم. وفي صلاتهم وعبادتهم، كان ثمّة روح ثوريّة اكتسبوها بعد أن تلقّوا في هذا المتراس دروس الجهاد والإيمان».
نطلّ في هذا المقال على قصص بعض الشهداء التي تكشف عن علاقتهم بالمسجد.

• خدمة الناس أوّلاً
كان الشهيد سمير عيد قبّاني، المعروف بـ«أبو سمرا»، مصداقاً حيّاً لمن جعل قضاء حوائج الناس همّه الأكبر. فقد اتّخذ من مسجد الإمام الكاظم عليه السلام منطلقاً لرسالته الإنسانيّة حين كان مسؤول الشعبة في منطقة حي ماضي.
ولم يكن أبو سمرا يكترث بالأرقام أو الإحصائيّات التي تُدرج في التقارير، ولا بالانتماءات الطائفيّة أو المناطق الجغرافيّة، بل كلّ ما كان يهمّه هو مساعدة المحتاج، أيّاً كان، وسواء ورد اسمه في السجلّات الرسميّة أم لا. وكان يرى أنّ من قصد مسجد الإمام الكاظم عليه السلام يستحقّ العون، لأنّ المسجد في نظره كان منطلقاً لقضاء حوائج الناس.

• المسجد بيته الثاني
كان الشهيد الدكتور علي هشام حمادة من روّاد مسجد الناصر في الأوزاعي وواظب على الحضور إليه، كان يرى أنّ الصلاة في البيت والتغيّب عن الحضور في المسجد أمر غير مبرّر لسكّان الحيّ. وانسجاماً مع قناعته، دعا شبّان الحيّ إلى مرافقته إلى المسجد في أوقات الصلاة، خاصّة الفجر، وتعهّد أن يكون على استعداد لأن يتّصل بأيّ منهم ليوقظه في الوقت المناسب.
ولمّا كان يلوذ بالمسجد كلّما أُتيح له، اتّفق مع إمام المسجد أن يترك له المفتاح في مكان لا يعرفه سواهما، ليتمكّن من دخوله خارج أوقات الصلاة. فكلّما سنحت له فرصة، أتى إلى المسجد واتّخذ لنفسه زاوية خاصّة يقرأ فيها القرآن، أو يواظب على عبادات مستحبّة. كما أنّه تطوّع بتنظيف المسجد وتجهيزه للمصلّين.

• إحياء مسجد مهجور
قرب منزل الشهيد مهدي قيس خضر، كان ثمّة مسجد صغير مهمل. ففي يوم من أيّام العطلة، قرّر أن يغيّر حاله؛ حضر إليه وحده، شطف الأرض بالماء، وغسل السجّاد بالصابون، ثمّ نشره في الباحة تحت أشعّة الشمس حتّى يجفّ، ليعيد فرشه في داخل المسجد.
ولم يكتفِ بذلك، بل دعا فتية الكشّافة إلى الالتحاق به، ليس في مواقيت الصلاة فحسب، بل لحضور اللقاءات الثقافيّة في إحدى زواياه، لما لذلك من دور تربويّ مهمّ، لأنّه يرى أنّ المسجد هو البوصلة الأخلاقيّة التي تصوّب سلوك الشبّان.
وفي مناسبات العزاء، ولا سيّما أيّام عاشوراء، أقام مجالس العزاء بصوته المؤثّر، بينما تولّى أخوه تلاوة القرآن الكريم. وحتّى بعد استشهاده، لا يزال صوته يصدح من مئذنة ذلك المسجد كلّما ارتفع الأذان.

• من مسجد إلى ملتقى
في أحد أحياء النبطيّة، لاحظ الشهيد حيدر محمّد علي حريري (رضوان) أنّ إمكانات مسجد الحيّ فقيرة وبسيطة، وأنّ حضور المصلّين فيه لا يتعدّى أصابع اليد. فقرّر أن يحييه من جديد، فبدأ بجمع التبرّعات، وأصلح مكان الوضوء، وفرش مكان الصلاة بالسجّاد، ودعا أهالي المنطقة إلى التردّد إليه وحضور المناسبات كافّة.
وفي خطوة لاحقة، لفت انتباهه وجود صالة مهملة ملاصقة لحائط المسجد، فتولّى تأهيلها بنفسه؛ نظّفها، وقام بطلاء جدرانها، وجعل منها ملحقاً للمسجد، ليكون مقرّاً لاستقبال الأعداد المتزايدة في المناسبات الخاصّة بأهل البيت عليهم السلام، ولا سيّما في ليالي عاشوراء، حيث تُقام المجالس الحسينيّة واللطم.

• منطلق تعبويّ
واظب الشهيد إبراهيم خليل خضرا على الحضور إلى مسجد النبطيّة القديم الأثريّ، ورفض أن يصلّي في بيته لأنّه جار المسجد.
وهناك، لاحظ وجود مجموعة من الشبّان المميّزين بأخلاقهم وسلوكهم، فتقرّب منهم، وصار يرافقهم في الدروس الثقافيّة التي يعقدها إمام المسجد في أوقات مختلفة.
وفي وقت لاحق، كلّما قرأ كتاباً دينيّاً مهمّاً، كان يجلب معه إلى المسجد مجموعة نسخ منه، ويوزّعها على الشباب، وينصحهم بالقراءة والاستفادة منها. فأصبح المسجد بالنسبة إليه بوصلة أخلاقيّة ومنطلقاً تعبويّاً جهاديّاً.

• شهيدٌ عند عتبة المسجد
كان الشهيد عماد إبراهيم مازح جار مسجد الإمام الرضا عليه السلام في بئر العبد، وقد حرص على الصلاة فيه دائماً، والحضور مع الشباب في أوقات الدعاء والدروس. وكان يرى في هذا المسجد منطلقاً للتعبويّين، ومصدراً لتحصيل الثقافة الدينيّة، ومرجعاً لتشكيل الوعي وتحديد الأهداف المصيريّة. وفي يوم التفجير الإرهابيّ(1) في بئر العبد العام 1985م، كان عماد يعمل خارج المنطقة. فما إن سمع بنبأ الانفجار، حتّى عاد مسرعاً، ليستعين بدرّاجته الناريّة في نقل الجرحى من المصلّين إلى المستشفى.
بعد أن أنقذ عدداً من الجرحى، عاد للمرّة الرابعة إلى الموقع نفسه ليتابع إنقاذ المزيد، فانفجرت في تلك اللحظة أنابيب غاز جرّاء الحريق الناتج عن التفجير، فاستشهد وهو يسعف المصابين عند عتبة المسجد الذي أحبّ.

• الصلاة في أوّل الوقت
اعتاد الشهيد علي محمّد حسين أن يؤدّي الصلاة دائماً في أوّل وقتها، ولا يقبل تأخيرها تحت أيّ ظرف.
وإذا أدركه وقت الصلاة وهو خارج البيت، يتوقّف عند أقرب مسجد على الطريق، يصلّي، ثمّ يكمل طريقه إلى مقصده. ولم يختلف حاله حتّى في أوقات النزهة مع أولاده؛ إذ كان لا يفرّط بلحظة من لحظات الفضيلة.

• من روّاد المسجد منذ الطفولة
منذ أن كان في السابعة من عمره، اعتاد الشهيد حسن العسكري طهماز أن يتردّد إلى مسجد القائم مع أولاد الحيّ، خاصّة في وقت صلاتَي المغرب والعشاء، إذ كان يحبّ الحضور إلى المسجد عند الغروب.
ولم يكتفِ بالصلاة فقط، بل كان يحيي المناسبات الإسلاميّة والدينيّة، ويشارك في إحياء ليالي القدر ومجالس عاشوراء حتّى آخر عمره.

• اعتكاف وجهاد
كان الاعتكاف في المسجد أمراً مقدّساً عند الشهيد محمّد أحمد عيسى؛ فكلما حلّ شهر رمضان المبارك، أعدّ نفسه لهذا اللقاء الروحيّ.
كما كان حريصاً على الصلاة في جميع مساجد إقليم التفاح، ولم يقتصر على مسجد قريته عربصاليم، حتّى عُرف بين الناس بلقب «أبو عيسى الإقليم».
وكان الشهيد يقول عن المسجد: «الشهيد يخرج من المسجد إنساناً مكتمل الوعي، فيقرّر أن يضع حياته في ميزان الحقّ، ويمنحها معناها الأسمى».
نسأل الله أن يجعل مساجدنا مباركة، تُقام فيها الصلاة والعبادة، ويُذكر فيها اسم الله كثيراً، فإنّ لتلك الأذكار شأناً عظيماً وتأثيراً عميقاً في روح الإنسان المؤمن. ولا ننسى قول الإمام الخمينيّ قدس سره: «مساجدكم متاريسكم، فاملؤوا متاريسكم».
 


* كاتبة ومحقّقة في مركز آثار الشهداء-جمعيّة أحياء- وعضو في اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين.
1. هو تفجير إرهابيّ استهدف سماحة العلّامة المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله رحمه الله، وقد فشلت حينها محاولة اغتياله.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع