المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟ آخر الكلام | المسجد أوّلاً! مع الإمام الخامنئي | المبعث حيّ... ونحن مخاطَبون*

تسابيح جراح | جراحٌ وعهدٌ دائم

حنان الموسوي


كانت رسائل جهاز النداء تنهمر كالمطر، لا هدنة بينها. مرّ صديقي قرب غرفتي عندما دوّى الجهاز برنّة غريبة نافرة، فالتفت إليّ مستغرباً الصوت. ذاك الرنين الغريب كفيل بأن يدفع أيّ شخصٍ لإمساك الجهاز فوراً، حملتُه بيدي اليسرى ووضعته على فخذي، فاحتملت أنّ عطلاً طرأ على الجهاز. «هنالك خطأ، يُرجى الضغط على زرّ ok»؛ كلماتٌ احتلّت الشاشة. وقبل أن يطيعني إصبعي للضغط على الزرّ، انبعثت من الجهاز أشعّةٌ جذبت عينَي، فشعرت وكأنّ محاجري تحترق، وأنّ جمراً متّقداً لامس وجهي فجأةً. رأيت شاشة الجهاز حمراء تتوهّج، سخونته السريعة أخافتني، حاولت إفلاته لكنّي عجزت عن تركه مُرغماً. لحظة الانفجار كانت أسرع من قدرتي على النجاة!

• مشهدٌ مؤلم
وقفت واضعاً يديّ على عينَي، شعرت بتدفّق سائلٍ لزجٍ دافئ دون رؤيته، تلك الرجفة في صوت صديقي أوحت لي بأنّ ما يراه فظيعاً، لكنّ رباطة جأشي أذهلته، خاصّةً حين أجبته أنّ البايجر انفجر. خرج لاستدعاء النجدة، انتظرته قليلاً، ثمّ اتّجهت نحو المصعد معتمداً على إحساسي وذاكرتي. التقيت بصديقٍ آخر أثناء انتظاري وصول المصعد، فأخبرته بما حدث. شغَله نزف وجهي وأصابعي وفخذي، فالمشهد كان مؤلماً للغاية. جلست على درج البناية، ظنّ صديقي الذي عاد من الأسفل أنّي فقدت الوعي، فأكّدت له أنّي ما زلت حيّاً، وأن لا يخاف عليّ.

• صبرٌ عجيب
تفتّت اللحم واندفعت الدماء من عينَي وأصابعي وفخذي لقساوة الجراح. بين وعيٍ وذهول، حملني الإخوة إلى السيّارة وسط زحام خانق، وكان أحدهم يحاول شقّ الطريق لنا. ولمّا عجزت السيّارة عن التقدّم، نزلتُ حافياً أتوكّأ على كتفه، نركض معاً نحو مستشفى بهمن. هناك، أدركتُ هول الانفجار، فقد فُجِّر عدد كبير من الأجهزة لا جهازي وحده. طال انتظاري، وكنت أشعر بحرارة وجهٍ يتآكله النزف. أيقنت أنّي أهديت عيني اليمنى لأبي الفضل عليه السلام، وحين تساءلت عن اليسرى، أخبروني أنّها مغطّاة بالدم. وفي خضمّ ازدحام الألم، جاءني صديق أصيب في يده، فتعجّب من صبري وأنا أحمل جراحاً لا يتحمّلها بشر.
هو وقتٌ مخضّبٌ بالدم. اقترح المسعف نقلي إلى مستشفى أوتيل ديو بعد جولةٍ طويلة، حيث كنت ثالث الواصلين. تنقّلت بين أيدٍ ووجوه مُجهدة. رفضت الإفصاح عن اسمي إلى أن وصل أحد «خواصّنا»، فبدأ بعدها رفاقي وإخوتي يتوافدون بحثاً عنّي، حتّى وصل أخي الذي لم يرتَح قلبه إلّا بعدما رآني بعينيه.

• نفَسُ الرحمة
كلّمت أمّي التي مثّل صوتها نَفَساً من رحمة، هدّأتُ خوفها وأوصيتها بالصبر. دخلت غرفة العمليّات قبيل منتصف الليل، واستمرّ ترميم ما تبقّى منّي حتّى الفجر. بقيت ثلاثة أيّامٍ في المستشفى، ضُمّدت خلالها كلّ جروحي، وفرّغوا عيني اليمنى من الشظايا، بينما شقّ بصيص نورٍ طريقه نحو تلك اليُسرى، حين سلّط الطبيب النور بشكلٍ مباشر عليها، فطلبت منه أن يجتهد في إنقاذها. ثم نُقلنا جميعاً إلى إيران في رحلة شاقّة بلا مسكّنات.
في مستشفى الفارابي للعيون، خضعت لعمليّة في شبكيّة العين اليسرى. وبعدها، نُقلت إلى مستشفى ابن سينا، ثمّ إلى مستشفى الإمام الخمينيّ قدس سره.

• تراتيل الوجد
بين تلك الجدران وصلني خبر استشــهاد سمــاحة السيّــد حســن نصر الله (رضوان الله عليه)، رفضت التصديق بادئ الأمر، ثمّ حين تأكدت، خنقتني الغصّة رغم صراخ من حولي. تنهيدةٌ من تراتيل الوجد سكنتني، فحدّثت نفسي مواسياً: «رجلٌ مثله لا يموت إلّا شهيداً».
رغم أنّ البصر قد غاب عن عينَي، إلّا أنّ قلبي أبصر عند زيارة الإمام الرضا عليه السلام ما لا يُرى، زيارة أولى لن تكون الأخيرة بعين الدنيا، وبداية نورٍ آخر لا توصف. عدت إلى لبنان في الثاني عشر من كانون الأوّل/ ديسمبر، وخضعت لجراحات تجميليّة عدّة، وضعوا خلالها عيناً زجاجيّة عسليّة اللون، يستحيل للناظر تمييزها عن الأخرى لدقّة الأطبّاء وإتقانهم.

• تجديد العهد
رسالتي إلى سماحة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله): أطلب من الله أن يمدّه بالقوّة، ويسدّد خطاه، ويزيده حكمة. نحن معه بعد هذا الفقد الكبير للسيّدين الشهيدين أكثر من ذي قبل، فهما كانا رفيقَي الجهاد والتبيين والسياسة، ونحن نشعر بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقه. نشدّ على يديه بصدق، كما إنّنا جاهزون لأيّ عملٍ يُطلب منّا إن كان جهادَ تبيين أو جهاداً عسكريّاً، سنخوض عباب الموت رغم الجراح.

• وصيّة الوعي
أوصي أهلي وناسي بحفظ المقاومة والتمسّك بها، وحفظ دماء الشهداء، ولا سيّما دم شهيدنا الأقدس. لا تدَعوا صخب العصرِ يُضيع بوصلتكم، التفّوا حول المقاومة واحتضنوها مهما قست الظروف والضغوطات.
إنّ مجزرة البايجر صفحة من معركة، أثبت فيها العدوّ غدره ومكره وعجزه عندما استخدم أكثر وسائل الاتّصال أمناً لاستهداف المجاهدين، بهدف القضاء على نحو خمسة آلاف مجاهدٍ دفعة واحدة، لكنّه أخفق وظلّت يد الله هي العليا.
يجب أن نلتفت إلى مسألة مهمّة، وهي أنّ العدوّ الإسرائيليّ اضطرّ إلى أن يستغلّ أجهزة لها أهميّة عالميّة وشوّه سمعتها لأنّ الرعب يتملّكه. لقد وصل إلى طريق مسدود لعدم امتلاكه المزيد من الخيارات لهزيمتنا. يجب أن لا نُخدع بهذه الثقة المزيّفة التي يحاول إظهارها، فقد اتّخذ هذا القرار المكلِف لأنّ جبهة الشمال كانت كابوسه الأوّل.
أرواحنا هي التي تقاتل فينا، وهي من روح الله الحاضر الأبديّ منذ الأزل، وهذا ما يجعلها أبديّة لا تُهزم ولا تموت ولا تضمحل. لذلك، نصرنا في كلّ حربٍ محتوم، وهذا وعدٌ ربّانيّ.


اسم الجريح الجهاديّ: نوح.
تاريخ الولادة: 1-9-1990م.
تاريخ الإصابة: 17-9-2024م.
نوع الإصابة: كفاف مع بتر أصابع اليد اليسرى.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات: