بأدبنا نحفظ بيوت الله المسجد منطلق التربية والثورة مع الإمام الخامنئي | الانتظار أكبر منافذ الفرج* إيران من طاغوت القصر إلى جمهـوريّة إسلاميّة*  هل يُحرم ذكر اسم الإمام المهديّ؟* أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)* الشهيد على طريق القدس القائد عبد الأمير سبليني كواليس «ذكرياتي مع أبي» كيف نحوّل الشاشات إلى منصّة تربويّة؟ آخر الكلام | المسجد أوّلاً!

أخلاقنا | لا تُفسد قلبك بالحسد (2)*

السيّد الشهيد عبد الحسين دستغيب قدس سره


الحسد في ذاته معصية وحرام، وتدلّ ظواهر الأدلّة الشرعيّة على ذلك بوضوح. غير أنّ بعضاً أثار شبهات يدّعي فيها أنّ الحسد أمر قهريّ لا يؤاخذ عليه الإنسان ولا يُعاقب عليه. وهذه الدعوى نفسها شبهة خطيرة تستوجب التوضيح، إذ يجب كشف حقيقة الحسد، والتنبيه إلى خطره العظيم في الدنيا والآخرة، ثمّ السعي الجادّ لعلاجه.

• شبهة 1: الحسد غير اختياريّ
ينظر بعض الناس إلى الحسد على أنّه غير اختياريّ، ويعدّونه غريزة بشريّة بحيث لا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من الوقوع فيه، الأمر الذي يجعله أمراً طبيعيّاً وذاتيّاً للإنسان.
الجواب: الحسد ليس خلقاً طبيعيّاً؛ فلو كان طبعاً بشريّاً، لوجب أن يوجد في جميع الناس، بينما الواقع يُظهر أنّ الكثير منهم ليسوا حسودين. بل أكثر من ذلك، فإنّ كثيراً ممّن يخالط قلوبهم شيء منه، يستطيعون التخلّص منه عبر تقوية الإيمان وتنمية الروح الدينيّة. ثمّ إنّه لو كان طبعاً بشريّاً، لما ذمّه العقلاء، ولما نهى عنه الله تعالى، بدليل أنّ فقهاء الإسلام أفتوا بحرمته ووجوب الامتناع عنه.
نعم، إنّ وجود الحسد في القلب قد يكون غير اختياريّ؛ فقد يطرأ على الإنسان من دون إرادته. لكنّ الاحتفاظ به في القلب وإظهاره، أمر مقدور عليه تماماً. فإذا أبقى المكلّف الحسد في قلبه وأظهره وعبّر عنه، فإنّه، مع التكرار، يتحوّل تدريجيّاً إلى ملكة راسخة، أي يصير طبعاً وخلقاً متأصّلاً فيه، فيصعب عليه بعد ذلك التخلّص منه. ولأنّ هذا التحوّل حدث بسوء اختياره، فهو يستحقّ التقبيح، والنهي، والعقاب.

• شبهة 2: التنافس نوعٌ من الحسد
أمّا حبّ التنافس، فإذا كان المراد منه أنّ الإنسان لا يستطيع أن يرى غيره في نعمة ورفاهيّة، ويتمنّى زوال تلك النعمة؛ فهذا هو الحسد، وقد تقدّم أنّه ليس غريزة إنسانيّة، ولا طبعاً بشريّاً.
الجواب: إذا كان المراد أنّ طبع الإنسان وسجيّته ينشدان حبّ الكمال والنعمة، وحيث ما رأى ذلك أحبّ أن يكون له ما رآه، بل ما هو أفضل منه، فهذا لا ينطبق عليه الحسد، بل يعدّ غبطة ومنافسة، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطفّفين: 26)، وفي وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148).

• شبهة 3: الحسد أمر غريزيّ
يطرح بعضهم أنّ الحسد أمر غريزيّ يبدأ مع كلّ طفل، بحيث لا يستطيع أن يرى أمّه تُطعم طفلاً آخر أو تُجلسه في حضنها وتحنو عليه، فيبكي ويغضب ويتبرّم مزعوجاً حتّى لو كان أخاه أو توأمه.
الجواب: إنّ ذلك ليس أمراً غريزيّاً، لأنّ أكثر الأطفال ليسوا كذلك. أمّا الذين هم هكذا، فالسبب يعود إلى إحساسهم بالحاجة إلى أمّهاتهم، فالطفل يخشى إذا أحبّت أمّه طفلاً آخر أن يقلّ عطفها عليه.
كما أنّ هذا الحسد عارض يزول بعد بلوغ سنّ الرشد. وأحياناً، ينتقل إلى الطفل عن طريق سلوك الأب أو الأمّ وإفراطهما بالاهتمام بالآخر، ولكنّه يزول بالتعليم والتربية على أساس الدين.

• شبهة 4: حسد المظلوم غير اختياريّ
ذكر المحدّث الفيض والفاضل النراقيّ أنّه إذا غصب ظالم مال شخص أو أهانه وسبّه أو جرحه، فإنّ كراهية هذا الظالم وحسده يستقرّان في قلب المظلوم قهراً، وبشكل غير اختياريّ، يستاء هذا المظلوم من نعمة حصل عليها الظالم، ويفرح لزوالها عنه، ويتمنّى ذلك.
الجواب: يمكن تفنيد الردّ على هذه الشبهة كالآتي:
أوّلاً: إنّ حسد المظلوم للظالم ليس غريزة وسجيّة، بل هو أمر اختياريّ، لذا، يمكن للإنسان التخلّص منه، وكثير من الأشخاص سامحوا الظالم فضلاً عن عدم الشعور بحسده.
ثانياً: إنّ سبب الحسد الأصليّ هو حبّ الدنيا والاهتمام الزائد بالحياة الدنيويّة، والتعلّق الشديد بها. وهو أمر غير قهريّ، بل زخرت الروايات والأحاديث بكيفيّة علاجه.
ثالثاً: لنفترض أنّ بغض الظالم وحسده قهريّان، وأنّ حسد المظلوم لهذا السبب لا يعاقب الله تعالى عليه، فإنّ هذا لا يصلح دليلاً لإثبات أنّ الحسد قهريّ. ففي كثير من الحالات، لا يكون المحسود ظالماً أصلاً، بل يكون سبب الحسد ببساطة هو ضعف النفس، وحبّ الدنيا، ونقص الإيمان.
والخلاصة: لا شبهة ولا شكّ في أنّ الحسد في الموارد الأخرى -عدا تلك التي يكون فيها المحسود ظالماً- هو فعل اختياريّ قطعاً.

• شبهة 5: رُفع عن أمّتي الحسد
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رُفع عن أمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، (...) والحسد، (...)»(1)؛ أي أنّ هذه الأمور التسعة لا مؤاخذة عليها ولا عقاب، والحسد منها.
الجواب: المقصود في ذلك أنّ بداية وجود الحسد في القلب، أي الخواطر القلبيّة، ليست ذنباً، لكنّ إحلاله في القلب والاستمرار عليه ذنب وحرام. وإظهاره باللسان (كالفحش في القول، والتهمة، والقذف، والفضيحة) والأعضاء (كالضرب)، فهو ذنب آخر.
يدلّ على ذلك ما روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قوله: «(...) إلّا أنّ المؤمن لا يستعمل حسده»(2)؛ إنّ استعمال الحسد أعمّ من أن يكون قلبيّاً وقوليّاً وفعليّاً. وقد نقل صاحب الحدائق رحمه الله عن بعض المحقّقين أنّ المذموم من الحسد هو ما أظهر الحاسد أثره بقول أو فعل. أمّا الخطرة العابرة التي ترد على القلب، ولا يترتّب عليها أيّ أثر، كالتخطيط أو تمنّي زوال النعمة عن المحسود، فلا يُعاقَب عليها(3). إلّا أنّ الاستعمال القلبيّ للحسد، وهو تثبيته في القلب، والتفكّر في إيذاء المحسود أو مجرّد تمنّي زوال نعمته، يدخل أيضاً في نطاق التحريم.
أمّا جذور الحسد وعلاجه، فسيأتي في العدد القادم بإذن الله.
 


*مقتبس من كتاب: القلب السليم، للشهيد دستغيب، ج 2، ص 407 - 413.
1. الخصال، الشيخ الصدوق، باب التسعة، ص 417.
2. الكافي، الشيخ الكليني، ج 8، ص 108.
3. الدرّة النجفيّة، العلّامة بحر العلوم، ص 224.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع