مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*) أخلاقنا: الذرّيّة الصالحة..حياة(*) الحاج قاسم سليماني عن قـرب الشهيد المهندس.. في القلب والذاكرة مناسبة: أمُّنا فاطمة عليها السلام  أسرتي: الجفاف العاطفيّ يهدم الأسرة آخر الكلام: شعورٌ مؤقّت أوّل الكلام: أقوياء ولكن...

مذكرات سالك

ما زلت قابعاً في هذا السجن أبحث عن طريق الخروج ولولا نفحاتك الرحيميّةُ لفقدت الأمل واستسلمت لجنود السجّان. فقواي قد خارت لأنّها لم تذق منذ فترة طويلة إلاّ طعامَ السجن وكيف لا، ومن يأكل من نعمة السلطان يقاتل بسيفه. "اللهم لا تجعل لفاجر علي منّة فترزقه مني محبة".

سأتحدث في رحلتي هذه عن ما عانيته وما شاهدته في هذا البيت المظلم. وسأنقل عذاباتي الكبرى وآلامي العظمى التي حجبتني طويلاً عن لقاء المحبوب. سأبثّ في نفوس المشتاقين شجونَ البعد وأشعلُ في قلوبهم جذوة العشق علّهم يصطلون.
عندما اكتشفت أنّني في سجنٍ، كان قد مضى عليّ زمن طويل وأنا لا أدري. كنت حينها أنزل دركاته وأشدّ أغلاله لتطبق عليّ أطباق الحديد وأضيّق زنزانتي أكثر حتّى كدت أختنق كمداً.

ولشدّ ما آلمني أنّني كنت كلما خرجت من زنزانة وقعت في أخرى وأنا لا أدري، فإذا بوقع هديل الرحمة يبثّ في نفسي روح النجاة من جديد.
فأوّل زنزانة تخلّصت منها كانت مزيّنة بأنواع الأطعمة والأشربة تدعوني كلّ يومٍ لأمكث فيها آكل من حرامها وأخلطه بحلالها. وتفتنني كلّ لحظة بنسائها الحسان اللواتي جئن لإسعادي لكي أقضي منهن وطراً فأبعد عن محبوبي ميلاً.

وكنت أنا الفاني أستجيب لدعوتها كلما دعتني وأبحث عنها كلما نسيتني وأدبرت معرضة عنّي إلى غيري، فأنا الشقي أولعت بها وقد ذقت طعم شهواتها وتلذّذت بغرائزها.
ومرت الأيام حتّى صرت مدمناً عليها لا أقدر على الخلود إلى النوم إلاّ وقد أسكرتني بأحلامها، أنظر في نومي إلى غدي الذي سيحمل إليّ ما أصبو إليه منها.
ورأيت كرسي "الفخر" مبسوطاً أمامي لأعتليه فأصل في عيون الناس إلى الدرجات العلى. وليحسدني الحاسدون فعندما أصل لن ترقى إليّ نظراتهم ولن يبلغني حسدهم.

أسرعت إلى ذلك الكرسي مهرولاً فطالبتني بأمور مُشارطاً، ووعدتني بأخرى محاسبةً: أولها الدين وآخرها هجر المحبوب. وما بينهما طلاق أخلع فيه عني نسائم الرحمة التي كانت تهبّ عليّ من حين إلى آخر. فذهلت وصرت مبهوتاً وأنا لا أقدر على تصوّر ذلك اليوم الأسود، ورحت أضرع إليه باكياً وأشكو إليه وجلاً: فكل شيء إلاّ هجرك وقلاك. وفي غمرة هذا أمطرت علي سحائب علمهم المكنون قطرات هدى ارتويت منها فأرتني حقارة ما أصبو إليه، وكشفت لي خداع ما أريد.

يا ربّ أأقدر على عبور الدنيا المظلمة وأنا ما زلت في أول زقاق؟ وهل أنجو من زنازين السجن وأنا ما زلت في الأعماق؟ سأخر ساجداً وأشكر المحبوب فقد لاح لي منه مشهد، وأدعوه بكلّ ضعف فأنا لا أملك لنفسي نفعاً وأطلب منه أن يخلصني من ربقة الأسر فأنا ما زلت عاثر الخطى، أنزلق ميلاً كلما عبرت شبراً.

"يا إلهي لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي إليك في واضح الطريق".
                                                                                                                                                                                                                               (يتبع)

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع