فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

تحقيق: العيد في معتقلات العدو


إعداد: الشيخ عطا اللَّه حمود(*)


العيد هو يومٌ عرفته الإنسانية قاطبة من مشرقها إلى مغربها كل بحسب عاداته وتقاليده، يجتمع فيه الأحبة من الأهل والأصحاب والأخوة والأصدقاء. هو يوم تنفرد فيه الوجوه وتعلو فيه الهامات والابتسامات وتعم فيه البهجة والسرور لما فيه من تزاور ولقاءات، وتسامح واعتذارات. هو يوم تُزيَّن فيه الدور والشوارع وتفتح فيه القلوب والأسواق والمحال. وتتوزع فيه الناس ما بين داخلٍ وخارج، ومسافر وقادم.

يشعر فيه الغني أن عليه حقاً تجاه الفقير ليتساوى الجميع في الفرحة ويشكر الفقير فيه الله على نعمة الحياة التي قسّمها الله إليه. فيه يلتقي الناس في المساجد والحدائق والموائد يتصافحون ويتعانقون. إنه يوم ليس كباقي الأيام ينتظره الجميع ليحتفلون به كل على طريقته. فالمريض يبلسم جراحاته بطفل او قريب يعانقه أو ابتسامة تدخل عليه. والمجاهد المرابط يفرح في أماكن جهاده بتغريد عصفور أو بقطرة مطر ويتمتع بجمال الطبيعة بين الجبال والأودية. والجريح يحتفي به على كرسيه بين أهله وأحبته. فالعيد يكتمل مع توفر قسط من الحرية التي تمكن هذا الفرد من الاحتفال فيه على طريقته. فبوجود هذا القسط تتحقق مصاديق هذا العيد ولو بنسبة اقل عند البعض الذي يشعر بأن الفرحة عنده لم تكتمل. ولكن يبقى السؤال عن الأسرى المعتقلين والمنسيين القابعين داخل زنازينهم التي لا يعرفون فيها ليلاً من نهار ويومهم من الأمس وشهرهم من السنة. كيف يحيون العيد وكيف يحتفلون فيه؟ عن هذا الموضوع سألنا بعض الأسرى المحررين الذين لم يكتب لهم الالتحاق بركب الشهداء، فكانوا شهداء أحياء لأنهم أدوّا قسطاً من حياتهم في زنازين العدو.

* أيام صعبة:
الأسير المحرر أبو حسن الذي أمضى في معتقل الخيام حوالي أربع عشرة سنة يقول بعد تنهيدة عميقة: "المجاهدون داخل السجون والمعتقلات يمرّون بمحن وساعات وأيام صعبة جداً"... يسكت أبو حسن هنيهة ليعاود القول: "هذه الصعوبة تكمن في حبس العواطف وكبح الجوارح. الصعوبة تكمن عندما تريد أن تبكي ولا تستطيع البكاء. وتعيش لحظات الحشرجة عندما يأتي يوم العيد بعد أيام من الصوم الحقيقي" يتنهد أبو حسن والدمعة تكاد تُحبس بين جفنيه ليسترسل بالقول "في السنة السابعة من الاعتقال وآخر أيام شهر رمضان المبارك ليلة العيد جلسنا سبعة أخوة داخل الزنزانة التي لا يتعدى طولها 5 أمتار وعرضها 3 أمتار نتحدث عن يوم العيد، يومها لم أتناول إفطاري الذي كان عبارة عن بعض الخبز اليابس وعدد من حبيبات الزيتون وقطعة من الجبنة وأجهشت حينها بالبكاء" ويضيف قائلاً: "أنا لم أبكي لكوني داخل المعتقل ولا لأني أخاف هؤلاء المجرمين ولم أبكي من أجل الطعام إنما لحنين كان ينتابني ويشدني لعناق إبني حسن الذي لم اعرفه أبداً لأنه وُلد بعيد اعتقالي بشهرين ولم أره منذ 6 سنوات ولم أتحسس آلامه وآماله وخوفه ... إنها لحظات لم تغادرني. شعرت يومها أن نيراناً تحرقني، تسير في داخلي وتلهب جوارحي ... استعذت بالله مراراً وشعرت أن غضباً يشتعل في قلبي على الصهاينة والعملاء، تمنيت في كثير من اللحظات لو أنني أستطيع تحطيم بعض قضبان السجن لرؤيته". ويختم أبو حسن "إنها أصعب اللحظات التي تنتاب السجين داخل الزنزانة التي لا يرى فيها سوى كوابيس الجلادين وصلف الصهاينة". بالإضافة إلى كابوس رهيب عن ولده الصغير: "كنت أحلم به يسير على الطرقات ليلاً وحيداً وهو يصرخ بكلمة بابا... بابا... وكنت أرى نفسي مكبلاً بالأغلال لا أستطيع مساعدته... وهذا الكابوس لن يذهب عن مخيلتي"...

* ليلة لا تُنسى‏
الحاج حيدر الذي أمضى في سجون العدو داخل فلسطين المحتلة حوالي 15سنة يخبرنا قائلاً: "هناك ليلة لن انساها طوال حياتي عندما علمت بخبر وفاة أمي وأنا داخل الزنزانة في العيد الاول الذي يمر عليها. أذكر يومها أنني جلست في زاوية الزنزانة عندما انتابني طيفها وتراءت أمامي صورتها ولمسة يدها ووجهها الملائكي الطاهر، لقد أحرقتني دمعتها، دمعة أمي التي عشت من أجلها، وأسرت هي حياتها من أجلي لما توفي والدي يوم كنت صغيراً، في تلك الزاوية المظلمة قتلتني العبرة حتى أجهشت بالبكاء وأنا أفكر كيف أمضت أمي سنواتها بغيابي؟ ماذا فعلت آناء الليل واطراف النهار؟ أين تحبس دمعتها؟ أعرف أنها كانت تتحرق من أجلي لرؤيتي ولعناقي، كانت تحلم بلحظة اللقاء التي تضمد جراحاتها، طأطأت يومها رأسي بين قدمي وأنا ألوم نفسي، أعاتبها وأؤنبها، كنت اشعر بأنني السبب في موتها حاولت في وحدتي أن أهرب من عقدة الذنب هذه التي تطاردني فرحت أصرخ وأبكي وأنا أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. تقدّمت إلى الزاوية الأخرى من الزنزانة واصطحبت مصحفي الذي هو رفيقي وملاذي في شدتي وبدأت بتلاوة القرآن وقمت بعدها بالتهجد والدعاء حتى أدركني الفجر...".

* في زنزانة افرادية:
أما الأسير المجاهد مهدي الذي اعتقل في السابعة عشر من عمره في معتقل الخيام فيقول مبتسماً: "أذكر أنني في السنة الأولى من اعتقالي أمضيت شهر رمضان المبارك في زنزانة إفرادية حيث كان الطعام يلقى إليّ داخل الغرفة بعد أسابيع من التحقيق والتعذيب، في فجر يوم العيد استيقظت على تكبير الاخوة وتهليلهم ودعاء صلاة العيد كل من داخل زنزانته، أذكر يومها بأنني لم أكن أحفظ الدعاء فركعت متوجها نحو القبلة وبدأت أردد ما أسمعه منهم بخشوع وتدبر نسيت فيها بأنني سجين. وعندما انتهيت من الصلاة سرحت ذاكرتي إلى العام الذي سبق أشهر الأسر عندما كنت أضع ملابس العيد فوق مخدتي منتظرا الصباح لارتدي ملابسي وأحظى بالعيدية من والدي ووالدتي واذهب إلى كرمس العيد مع اخوتي وفتيان الحي لنركض بين الناس ونشتري الفلفل كما يفعل الرجال وأكواب العصير والحلوى. كنت اشعر يومها أن النهار طويل وطويل جداً لقد نسيت نفسي يومها بأنني قد كبرت وأنني معتقل لدى أعتى خلق الله الصهاينة، ذرفت دمعة خجولة وقلت في نفسي بأنني أصبحت رجلاً أقرر مصيري بيدي وأصنع مستقبلي بيدي، نعم شعرت في تلك اللحظة أن العدو الصهيوني هو سبب تعاستنا وسبب خوفنا وهو أيضاً من يسرق الابتسامة من وجوه إخوتي والأطفال وهو الذي يغتصب الأرض من أصحابها وهو الذي يتسبب في هجرة الشباب ويسهم في قتلهم داخلياً وإنسانياً، تعلمت يومها أموراً كثيرة لم تكن في الحسبان شعرت في تلك اللحظة بأنها كانت المفصل الحقيقي لانتقالي من سن المراهقة إلى سن الرشد وسن الشباب، حينها ازدادت قناعتي قوة وعزيمة وإيماناً بقضيتي ومقاومتي وشعرت أن استرجاع البسمة إلى أطفالنا يتطلب عملا وهذا العمل لا يكون سوى بالتحدي والمقاومة لان القوة لا يمكن أن تردعها إلا القوة والأرض لا يمكن تحريرها إلا بالمقاومة والمقاومة لا يمكن أن تستمر إلا بالشهداء.

لقد زادني هذا اليوم بأساً وعزيمة وإباء وفهمت يومها من داخل زنزانتي بأنني بدأت مسيرة الألف ميل وأن النصر إذا لم يتحقق في عهدي فان الأيام المقبلة ستحمل حتما النصر والتحرير، استجمعت قواي وحاصرت عاطفتي وابتسمت من جديد لأنني كنت اعلم بأن الموقف الذي أنا فيه يتطلب قوة إرادة وإيمان وشكرت الله الذي وهب لي الوعي الذي مكنني من الانتصار على نفسي من جهة وعلى عدوي الذي لا يرحم من جهة أخرى". اللقاء مع المجاهدين يطول وليل أسرانا يطول ولكن زمن الليل مهما طال لا بد لظلامه أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر ... لأسرانا كل العزة وكل الشموخ.. لمن ما زالوا يدفعون ثمن حريتهم من أجل تحرير الأرض والوطن ألف تحية وسلام.

(*) مسؤول قسم الأسرى في حزب اللَّه‏

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع