مقابلة: في رحاب وليد الكعبة عليه السلام الإعلام الحربي: ذاكرة المقاومة العدسة بعبق الشهادة الإعلام المقاوم: المفهوم والتأسيس مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*) أخلاقنا: الذرّيّة الصالحة..حياة(*) الحاج قاسم سليماني عن قـرب الشهيد المهندس.. في القلب والذاكرة

مقابلة: الشيخ محمّد الريشهري: حوار الحكمة والمحبّة


حاوره الشيخ إبراهيم حسن


هو سماحة الشيخ محمد محمّدي الريشهري. وُلد عام 1946م في مدينة "ري" غرب طهران. بدأ عام 1961م بدراسة العلوم الدينية في "قم"، كما قصد "النجف" و"مشهد" للدرس على أشهر علمائهما، من أمثال: الشيخ المشكيني، الشيخ محمد فاضل اللنكراني، آية الله العظمى الأراكي، وآية الله العظمى الخراساني.

شارك في الثورة الإسلامية ضدّ الشاه وأُدخل إلى سجون السافاك مرّاتٍ عدّة، ثمّ تقلّد بعد انتصار الثورة مناصب، منها: المتولّي على شؤون مرقد السيّد عبد العظيم الحسني قدس سره، عضو مجلس الخبراء للدورة الثانية والثالثة، ممثّل الولي الفقيه والمشرف على الحجّاج الإيرانيين، رئيس محكمة الثورة العسكريّة، المدّعي العام للبلاد، وزير الأمن.

من مؤلفاته: "ميزان الحكمة"، "أهل البيت عليهم السلام في الكتاب والسُّنة"، "الحج والعمرة في الكتاب والسُّنة"، "العلم والحكمة في الكتاب والسُّنة"، "القيادة في الإسلام"، "الصلاة في الكتاب والسُّنة"، "فلسفة الوحي والنبوَّة"، "المذكّرات السياسيّة".

* قصّة "ميزان الحكمة"
- اسم سماحتكم معروفٌ لدينا من خلال موسوعتكم الشهيرة "ميزان الحكمة". هل لكم أن تحدّثونا عن قصّة الكتاب؟

بدايةً، أودّ التعبير عن فخري واعتزازي بحلولي في بلد الجهاد والمقاومة لبنان الحبيب. كما أسأل الله لمجلّتكم الكريمة التي تحمل اسم صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف أن تبقى متألّقةً حتى ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف.
أما فيما يتعلّق بسؤالكم، فمن بداية ورودي إلى الحوزة العلميّة في قم المقدّسة انتابني إحساسٌ فطري بضرورة تمتين علاقتي بالقرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام. هذا الشعور بدأ ينتابني منذ دخولي إلى الحوزة العلمية، وظلّ يرافقني إلى أن توجّهت في سنتي الدراسية الخامسة إلى النجف الأشرف. ففي جوار المرقد النورانيّ لباب علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقع في قلبي أن أؤلّف كتاب "ميزان الحكمة"، دون أن يخطر ببالي حينها أنّ هذه الخطوة ستنتهي إلى ما وصل إليه الكتاب في نهاية المطاف، أو أنّها ستوصل إلى إنشاء مؤسّسة "دار الحديث العلمية" أو إلى إنشاء "جامعة القرآن والحديث".

لقد كان أقصى طموحي من تأليف الكتاب حينها أن أعمد إلى الكتب الروائيّة التي كانت بين يديّ أو التي أستطيع الوصول إليها، وأنتخب منها جملةً من الأحاديث التي جذبت انتباهي، ومن ثمّ أجمعها في كتابٍ لأجل الاستفادة الشخصيّة.

وفي العام 1978م، تكوّنت عندي المادّة الأوّليّة للكتاب، حيث زاد عدد الروايات بشكلٍ تدريجيّ حتّى بلغت عدّة مجلّدات مخطوطة.

وعلى أعتاب انتصار الثورة الإسلامية حلّ الشهيد مطهّري يوماً في منزلي، وكان يلقي دروساً حول "معرفة القرآن"، وكنت من المشاركين في ذلك الدرس... وبعد الغداء والاستراحة، عرضت عليهم أحد المباحث التي كنت قد أعددتها لكتاب "ميزان الحكمة"، وهو بحث "معرفة القرآن"، وذكرت مجموعة من الروايات التي تتناول هذا الموضوع. فسألوني عن المعاجم التي اعتمدت عليها للبحث عن تلك الروايات، فقلت لهم إنّ عملي قائم على ملاحظة المحتوى لا اللفظ. فأنا في بحث معرفة القرآن لم أقتصر على الروايات التي تتضمّن لفظ "المعرفة"؛ بل بحثت عن الروايات التي تتحدّث عن معنى "معرفة القرآن الكريم". أُعجب الحاضرون بعملي وأشاروا عليّ بطباعة الكتاب، فلم أعلّق حينها شيئاً على كلامهم، وبقي مخطّطي أن أمضي في إعداد الكتاب، وبعد إتمامه أطبعه وأنشره. بقيت على ذلك فترة حتّى انتصار الثورة الإسلامية إذ تسلّمت جملةً من المهام والمسؤوليات التي شغلتني كثيراً. ظلّ الأمر على هذا المنوال حتّى عام 1981م، حيث صار الشهداء من العلماء الأفاضل يمضون واحداً تلو الآخر، من الشهيد مطهري إلى الشهيد بهشتي وغيرهما. شعرت حينها أنّ الخطر بات وشيكاً وأنّني قد ألحق بركبهم بين الحين والآخر، وقد لا أوفّق لإتمام الكتاب. فعقدت العزم على مراجعة ما أنجزته من الكتاب لأصدّره للطباعة، حتى صار الكتاب جاهزاً للطبع عام 1984م.

لقد استلهمت من تسمية كتاب الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي قدس سره اسم كتابي؛ ذلك أنّ التفسير إنّما سمّي بالميزان لأنّ منهجه يقوم على مقارنة الآيات وتفسير بعضها بعضاً، ولمّا كان منهجي في كتابي عرض الروايات بجنب بعضها بعضاً حتّى يوضِّح بعضها بعضاً فقد ارتأيت تسمية الكتاب بـ"ميزان الحكمة".

على كلّ حال، فقد طُبع الكتاب، وبما أنّه كان لا يزال محتاجاً إلى الإتمام فقد جاء إنشاء "دار القرآن والحديث" مكمّلاً لهذا الغرض، حيث كان سعي الدار التي أسّسناها يصبّ في هذا المجال.

* ميزات "جامعة علوم الحديث"

- ما هي أبرز مميزات جامعة علوم الحديث التي أسّستموها؟ وما الذي يميّزها ويميّز مناهجها عن سائر الجامعات؟

أولاً: ما يميّز جامعة ومركز "دراسات القرآن والحديث" أنّ أساس تأسيسها وانطلاقتها كان قائماً على الارتباط بالقرآن والحديث.

ثانياً: أنّ العلماء الكبار الذين اهتمّوا بعلم الحديث من أمثال: العلّامة المجلسيّ، المحدّث النوريّ، الشيخ عبّاس القميّ، وغيرهم قدّس الله أسرارهم، كان عملهم العلميّ يتّسم دائماً بطابع الفردية، في حين أنّ عملنا العلميّ يأخذ طابع العمل الجماعيّ المؤسّساتي لا طابع العمل الفرديّ.

ولمزيدٍ من التوضيح: فقد أشرت إلى أنّ تأسيس "دار القرآن والحديث" في البداية كان من أجل إتمام عمل ميزان الحكمة. وبالفعل، فقد اعتمدنا العمل الجماعيّ في إتمام كتاب ميزان الحكمة ومن ثمّ في إصدار سائر الكتب. وقد أوضحت في مقدّمات تلك الكتب أنّ إنجازها إنّما تمّ بفضل العمل الجماعيّ للمجموعات البحثيّة في "دار القرآن والحديث".

على كلّ حال، فجامعتنا كانت في البداية باسم "دار القرآن والحديث"، ثمّ تطوّرت إلى مركز تحقيقات سنة 1987م، إلى أن نالت الترخيص الرسميّ عام 1995م بعناية سيّدنا القائد واهتمامه دام ظله وتحت عنوان "مركز تحقيقات دار الحديث"، ثمّ بعد سنوات انتهت التسمية إلى "كليّة علوم الحديث"، لتصير التسمية الأخيرة والنهائيّة "جامعة علوم الحديث".

من جهةٍ ثانية، فإنّ الفارق الأساس بين عملنا والعمل العلميّ في الحوزة العلمية هو أنّ مباحث الحوزة محورها الفقه، في حين أنّنا ركّزنا على كافّة المسائل المرتبطة بالمعارف الدينيّة دون الفقه؛ ذلك أنّ المجلّدات التي كُتبت حول الروايات الفقهيّة كثيرةٌ جداً.
نجد هذا واضحاً في كثيرٍ من مواضع كتاب "وسائل الشيعة" للحرّ العامليّ، وفي غيره من كتب الفقه عندنا.
ولأجل ذلك نعمل حالياً على إعداد كتابٍ يتولّى ذكر روايات أهل السنّة بجانب روايات كتاب "وسائل الشيعة" التي تتعلّق بها؛ لأنّ روايات الأئمّة عليهم السلام في هذا المجال كانت ناظرةً في كثيرٍ من الأحيان إلى روايات وأحكام موجودة عند أهل السنة، فلزم للفقهاء والباحثين أن يعرفوا تلك الروايات السابقة حتّى يفهموا السياق الذي جاءت روايات أهل البيت عليهم السلام خلاله.

* منهجيّة "الروايات شرحٌ للقرآن"
- تقوم الحضارة الإسلامية على أساس الحديث. من وجهة نظركم ما هي الأغراض والفوائد الأساس المترتّبة على الاهتمام بعلم الحديث؟ وما هي أوجه الفرق بين منهجكم في فهم الأحاديث وبين مبادئ الحركة الأخبارية التاريخية؟

لا يخفى على أحد أهمّية أحاديث أهل البيت عليهم السلام، خاصّةً أنّ تلك الروايات عندما يُقرن بعضها ببعض تجتمع كعائلة واحدة لتعطي معاني ودلالات جديدة ومفاهيم متكاملة.

لكن ما نركّز عليه هنا في التفريق بين منهجنا وبين منهج الحركة الأخبارية: أنّ الحركة الأخبارية كانت تقوم على أنّ القرآن الكريم غير قابل للفهم، وبالتالي يجب أن يقتصر النظر على الروايات دون القرآن، بينما يقوم منهجنا على محوريّة القرآن الكريم، والنظر إلى الروايات على أنّها إنّما جاءت شارحةً للقرآن، ولذلك فقد عمدنا في "ميزان الحكمة" إلى عرض الآيات التي تتناول موضوعاً ما ومن ثمّ أتبعناها بعرض الروايات التي تتناول ذلك الموضوع، لنؤكّد على أنّ رواياتهم عليهم السلام تتمحور حول القرآن الكريم، وتقوم على شرح آيات القرآن الكريم وتفسيرها.

لذا، إنّ فهم القرآن الكريم بالحدود التي أرادها الله للبشر العاديّين ممكن، وإنّ ما لا يمكننا فهمه من القرآن الكريم إنّما هو حقيقة القرآن وعمقه الذي يختصّ فهمه بأهل البيت عليهم السلام.

* كتاب "كيمياء المحبّة"
- لو تحدّثوننا عن كتاب "كيمياء المحبة" وقصّة العارف رجب علي الخياط، وماذا كان هدفكم من هذا الكتاب؟

في الواقع، أنا لم ألتقِ بالشيخ رجب علي الخياط، لكن خلال سنواتي الدراسيّة الأولى في قم، تعرّفت إلى بعض من التقى به وتعرّف إليه. وكانوا ينقلون عنه بعض المواقف التي جذبت انتباهي، وكانت جميلة ومعبّرة للغاية، ما جعلني أعتقد أنّ لتلك المواقف والقصص التي تُنقل عنه تأثيراً بالغاً في القلوب، كما كانت كلماته منبثقةً من تعاليم أهل البيت عليهم السلام، ولذلك فقد كنت أشتمّ منها عبقهم عليهم السلام.
وعندما ذهبت إلى النجف الأشرف بعد سنوات من بدء دراستي كان الشيخ قد تُوفّي، ولذلك لم أوفّق للّقاء به. ولكي أعوّض عن شيءٍ من ذلك صرت أتواصل مع من تعرّف إليه وأجمع خواطر وقصصاً عنه.

تواصلت مع نجل الشيخ ومع مكتب سماحة الإمام القائد دام ظله وعزمت على طباعة ما جمعته من خواطر في كتاب أسميته في البداية "كيمياء المحبّة"، وقد جاءت فكرة العنوان من تأثير تلك الخواطر في النفوس؛ إذ لاحظت أنّها تُجري في القلوب تحويلاً "كيميائياً" فتنيرها بالحبّ والإيمان والمعرفة.
بعدها تُرجم الكتاب إلى 10 لغاتٍ تقريباً، ولم يقتصر مطالعوه على العلماء أو المثقّفين، بل انتشر بين عامّة الناس، وخاصّة الشباب.

ما ألفت النظر إليه في هذا السياق، أنّني لم أكن بصدد توثيق سيرة العلماء والعرفاء بقدر ما كان مصبّ اهتمامي هو علوم القرآن والحديث، لكنّ حجم التأثير الذي لاحظته من سيرة الشيخ الخيّاط دفعني إلى تأليف الكتاب. ويعود الفضل في رواجه إلى الشيخ الخيّاط بسيرته الأخلاقيّة العطرة، حيث فاق عدد النسخ التي طُبعت في إيران فقط المليون نسخة.

* مع الإمام الخمينيّ قدس سره
- هل من ذكريات خاصّة لكم عن الإمام الخميني قدس سره تعكس لنا شخصيّته فيما يرتبط بالثورة الإسلامية؟

من السنة الثانية لورودي إلى قم لطلب العلوم الدينية، تعرّفت إلى الإمام الخميني قدس سره من بعيد. كنّا نعرفه باسم "حاج روح الله"، وبأنّه أحد كبار أساتذة الحوزة العلمية.
ومع انطلاق الثورة الإسلامية صرنا نواكب جميع كلمات الإمام ومواقفه، ونشارك في التحرّكات والاحتجاجات المناهضة للشاه، وصار ارتباطنا بالإمام يزداد ويتطوّر.
وصل ارتباطي بالإمام قدس سره إلى أوجِه بعد انتصار الثورة الإسلامية، حيث كنّا نلتقي به ما لا يقلّ عن مرّة أو مرّتين أسبوعياً. وقد سجّلت كثيراً من الخواطر عن تلك الفترة، في كتاب "المذكّرات السياسيّة".

* مع القائد السيّد الخامنئي دام ظله
- ماذا عن علاقتكم الشخصيّة بالإمام الخامنئي دام ظله؟


تعرّفت إلى السيد القائد الخامنئي دام ظله قبل انتصار الثورة سنة 1979م، لكنّ علاقتي الوثيقة معه تطوّرت وبرزت مع انتصار الثورة، حيث كنت ألتقي بسماحته مرّةً في الأسبوع، على الأقلّ.
لقد كان لي مع سماحته كثيرٌ من الذكريات التي قد لا يسع المجال لذكرها، وقد سجّلتها في كتاب المذكّرات، وأغلبها من رحلة الحجّ التي رافقته فيها، قبل عشرين سنة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع