فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

الهدف الحقيقي لحياة الإنسان


هل يمكن أن يعيش الإنسان بدون هدف؟
وإذا كان وجود الهدف لحياة البشر ضرورياً، فما هي أهمية التعرف عليه؟
يعتبر موضوع "الغاية من خلق الإنسان" من أكثر المواضيع حساسية في المعارف الإلهية والإنسانية. وتنبع أهميته من جوانب عديدة، لعل أحدها أنه سؤال لا بد من تحصيل الإجابة عنه من قبل جميع الناس بمختلف مستوياتهم.

ولا يمكن أن نجد إنساناً يأمل بالحياة إلا وقد نصب هدفاً أمامه يسعى إليه في جميع شؤونه وأحواله. بل يمكن القول إن هذا الهدف الذي يؤمن به الإنسان كغاية نهائية لحياته هو الدافع الأساسي لجميع أفعاله ونشاطاته. ولو فقد هذا الإنسان روح الهدف والغاية لانعدم كل أمل بالبقاء، ولاختار الموت على العيش في هذه الدنيا.
وبالرغم من حساسية وخطورة هذا البحث نجد اللامبالاة تبدو من معظم الناس تجاهه (وهذا أمر متوقع من العوام)، ولكنه لا يطرح كما ينبغي في معظم الأبحاث الأخلاقية، وقد نجد من ينهي عن الخوض فيه!!.

إذا كان الهدف الذي يتصوره كل إنسان مسؤولاً عن جميع ما يقوم به، فهل يعقل أن يجعل في المرتبة الأخيرة من البحث والتدريس؟! وإذا كانت أفعال البشر تحسب على أساس التوجهات النهائية (المقاصد والغايات) فلماذا لا يُعطى هذا الموضوع حقه؟!.

والواقع أن هناك مجموعة من العوامل التي أدت إلى إخراج هذا البحث من الدراسات الأخلاقية أو من دائرة الاهتمام الفكري. بما يعود بعضها إلى اعتباره بديهياً. ولكن بعض هذه العوامل قد نشأ من توهم إن هذا الأمر ينبغي أن يؤخذ بطريقة تعبدية. أما أولئك الذين نهوا عن الخوض فيه، فذلك لأنهم اعتقدوا أن النتيجة التي يمكن أن يصل إليها ذهن الباحث تصطدم مع الأصول الاعتقادية الأساسية.
ولكن، من خلال هذا البحث، سيتضح- بإذن الله- أن إهمال المعرفة الواعية والدراسة المستوعبة لهذا الموضوع من شأنه أن يعرّض جميع الأصول المعنوية لتلقي ضربة قاصمة على يد التشكيك والتحلل. هذا بالإضافة إلى أن هذا الموضوع يعتبر من أكثر المسائل الفكرية جمالاً وأعلاها جاذبية.

إن من يتعرف على حقيقة الغاية التي خلقه الله لأجلها لن يجد بعد ذلك أي جمالٍ لو لذة أو جاذبية لهذه الدنيا بكل ما فيها. وإذا كتب هذه المعرفة بقلم اليقين فإنه سيخرج من هذه العقبة الكؤود (الدنيا) سالماً ويزيل من قلبه رقصها وزينتها.

ولكي نعبر مقدمات هذا البحث العميق- الذي زلّت أقدام الكثيرين أثناء الخوض في غماره- بقدم ثابتة نحتاج إلى فهم المقدمات التالية:
1- الفرق بين هدف الله من خلق الإنسان وهدف الإنسان.
2- هل حقاً يوجد غاية للإنسان، وما الفرق بينها وبين الغايات المختلفة.
3- هل يمكن للإنسان أن يصل إلى الغاية؟
4- هل ينبغي أن يتعرف كل إنسان على الغاية؟
5- ما هو الطريق لمعرفة الغاية الحقيقية؟
وبالإجابة عن هذه التساؤلات نتمكن من الدخول في صلب البحث والخروج بنتيجة مقنعة إن شاء المولى تعالى.

* أولاً: هدف الله أم هدف الإنسان؟
عندما يطرح البعض هذا السؤال: "لماذا خلقنا الله؟" قد يتصور منه أنه يبحث حول غاية الله وهدفه من خلق الإنسان. والواقع إن هذا السؤال ذو شقين، فهو تارة يعبّر عن تساؤل الإنسان عن غاية الله، وتارة يتوجه إلى معرفة غاية الإنسان، والفرق واضح جداً عندما نتأمل في حقيقة الذات الإلهية وأصل الوجود الإنساني.
فالله تعالى هو الغني الذي لا يتطرق إلى ذاته المقدسة شيء من النقص أو الفقر والاحتياج، وبناءً على هذا، فإنه سبحانه لا يفعل أي شيء لأجل سد نقص أو إشباع حاجة أو تحصيل لذة مفقودة.

إنه عزّ وجلّ مالك كل شيء، ذو الجلال والإكرام والكمال الذي لا حد له. ومن هنا فإذا كان السؤال عن الغاية بمعنى السعي عندئذٍ: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

ولكنه تعالى بمقتضى رحمته الواسعة التي شملت كل شيء وبحكم ألوهيته وكماله المطلق يخلق هذا العالم الذي يمثل تجلي هذا الكمال وهذا الخير، ولأنه تعالى كريم على نحو الإطلاق أوجد هذا الإنسان وهذا الكون من أجله.
أما إذا كان السؤال يدور حول هدف الإنسان، فإنه سيكون موضوع بحثنا إن شاء الله تعالى.

* ثانياً: هل يوجد غاية حقيقية للإنسان؟
المنكرون هذا الأصل ينقسمون إلى فئتين:
فئة تنكره من خلال الأصول الاعتقادية التي تحملها- كالأشاعرة الذين اعتبروا أن وجود الهدف نوع من تضييق دائرة سلطة الله تعالى- أو بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين الذين اتسع نطاق تأثيرهم في النصف الثاني من هذا القرن بشكل ملحوظ.

وفئة أنكرت وجود غاية سامية أو حكيمة من خلال طريقة العيش التي اتبعتها. وفي الواقع تعتبر هذه الفئة الأوسع انتشاراً واشتهاراً في العالم: ".. همج رعاع أتباع كل ناعق..".
ولكن الذي يؤمن بحكمة الله المطلقة وقدرته اللامتناهية يعلم يقيناً إن من شأن الباري عزّ وجلّ أنه إذا خلق شيئاً يجعل له هدفاً؛ ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

كما أن من صفات الحكيم إنه إذا قام بعمل، لا بد أن يقصد من ورائه غاية صحيحة.

والواقع أن وجود غاية لكل مخلوق هو الواجب من الله وليس على الله: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾، وينبغي أن نلتفت هنا إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن ما نبحث عنه هنا هو الغاية التي يجب على الإنسان أن يسعى إليها وليس عن تلك الغايات التي توجد في نفوس البشر من هنا وهناك.
وبتعبير آخر، لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون غاية يضعها لنفسه.

ولكن المسألة هي في معرفة الغاية التي يريدها الله للإنسان وينبغي أن يسعى نحوها. فكثيراً ما تنشأ الغايات من جراء ما يتلقاه الإنسان من أنواع التربية والمناهج الفكرية والأوهام والأجواء المختلفة. وهنا عليه أن ينهض من بين هذه الغايات ليتفرّد للّهم الأكبر والسبب الأوحد.

* ثالثاً: هل يمكن الوصول إلى الغاية؟
وربما يطرح هذا السؤال بصورة استنكارية من يجد في الغاية كلاماً عن مثل لا تحقق إلا في الأنبياء. وبكلمة أخرى أولئك الذين سمعوا عن الغاية الحقيقية وأعجبهم المقال قد يرمون هذا المعنى في دائرة الاستحباب أو الاستحالة. ولعمري هل نشأ هذا التحليل من الأحكام التي تذاع هنا وهناك لأجل الصد عن سبيل هذا العالم المعنوي؟!.

ولا بد قبل أي شيء من الالتفات إلى أن الله تعالى إذا أوجب وأمر الإنسان بشيء فإنه- ومن منطلق لا يكلف لله نفساً إلا وسعها- وبمقتضى حكمته ورحمته يمكنه من أدائه، وإلا كان التكليف عبثاً ولغواً: تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..

أما كيف نثبت أن السعي للوصول إلى الغاية واجب فهذا ما سيتضح بعد الإشارة إليها بإذن الله.

ولكن إذا كان السائل يطرح اعتراضه بناءً على النظر إلى قدرته وإمكانياته الموجودة، فإن إدراك هذا النقص يعد من أهم العوامل التي تساهم بشكل أساسي في خروجه من هذا النقص. يقول إمام العارفين روح الله الموسوي الخميني قدس سره:
"فبمقدار ما نطلّع على نقصاننا تتنور عباداتنا وتصبح مقبولة في جنب الحق سبحانه".
وينبغي أن يعرف كل واحد منا بأن السير إلى الله لا يمكن أن يتحقق بقدم الأنانية والادعاء والاعتماد على النفس، بل الرجوع إلى الله مطلقاً: ﴿بل الله يزكيكم.
وإذا استنكر أحدنا مسألة وصوله إلى أعلى المقامات وهو لا يرى قدرة الله المطلقة فقد أساء الظن بالله- والعياذ بالله- هل أن الله عاجز أو يبخل من إيصالنا إليه؟!.
هل يمكن أن توجد قوة تحول بين الله وعطائه؟!!.
حاشا وكلا، بل عطاء غير مجذوذ ورحمة وسعت كل شيء وما هو على الله بعزيز.

* رابعاً: أهمية معرفة الغاية
تشكل المعرفة في الإسلام ركناً أساسياً من أركان الإيمان. وقد ورد في الأحاديث الشريفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا تصح عبادة بدون معرفة"، ويمكن الوصول إلى هذا المعنى عند أدنى تأمل في جوهر العبادة والطاعة. فالذي يريد أن يعبد الله عليه أن يتعرف على أوامره، ولا يكفي مجرد إعلان الطاعة. الطاعة الخالصة هي التي تنطلق من الاستعداد التام الذي يبديها لعبد لتنفيذ كل ما يأمره به المعبود، وعندما يبتكر شيئاً من نفسه فهذا دليل على خروجه من ساحة العبودية والانقياد.

فلأجل تحقق العبادة وتنفيذ الأوامر الإلهية ينبغي معرفة هذه الأوامر. ومن جانب آخر، لا يكفي لصحة العبادة وقبولها من جانب الحق عزّ وجلّ مجرد القيام بها على الظاهر وطبقاً للأحكام الصورية، فقد عين الله سبحانه للعبادة شروطاً باطنية معنونية بها يتحقق تمام العبادة بالإضافة إلى ظاهرها.

وبتعبير آخر، لكل عبادة شروط وأجزاء وأحكام منها ما يتعلق بمرتبة الظاهر والأعضاء والجوارح ومنها ما يرتبط بمرتبة الباطن والعقل والقلب، وأي إخلال بمرتبة من هذه المراتب يسقط العبادة من جوهرها.

ومن أهم الشرائط المعنوية: الإخلاص. وهو أن لا يقصد من وراء العبادة إلا الشيء الصحيح. وقد ورد في الأحاديث الشريفة: "إنما الأعمال بالنيّات".

إن تحقق الإخلاص الذي هو شرط أساسي في كل الأعمال والطاعات موقوف على معرفة المقصد الصحيح. وما لم يدخل السالك العامل هذا المقصد في نيته فلن ينال الآثار النورانية والفوائد الحقيقية للعبادة.
ومن هنا نعلم كيف أن معرفة الغاية منذ بداية السلوك أمر ضروري بدون أن يتقدم السالك في مضمار السلوك خطوة واحدة.

* خامساً: طريق معرفة الهدف

إن السير الفكري والتأمل العقلي في وجود الإنسان الأصيل يهدينا إلى معرفة الغاية التي خلقنا الله تعالى لأجل الوصول إليها. فالله سبحانه قد كتب في أعماق كل مخلوق كلمات الحقيقة، وليس على الإنسان إلا أن يفتح هذا الكتاب الإلهي ويجول بين صفحاته ليقرأ تلك الكلمات. ولكن المشكلة تبرز في أغلب الأحيان أن الذين يريدون أن يتعرفوا على الغاية قد لا يعترفون بوجود مثل هذا الكتاب الأصيل، وهو الفطرة الإلهية: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله.

أو قد لا يحسن البعض منهم القراءة الصحيحة، فيخلطون بين الفطرة وغيرها، ولذلك فمن الصعب أن يصل مثل هؤلاء أو يهتدوا لمعرفة الغاية الحقيقية.

ففي المرحلة الأولى علينا أن نتعرف على الوجود الأصيل للإنسان وهو النفس المجردة التي هي فوق عالم الجسم والمادة.

وفي المرحلة الثانية ينبغي أن نميّز بين ما هو أصيل ومفروز في أعماق هذه النفس بيد الله تعالى (الفطرة)، وبين الميول الدخيلة (وما أكثرها عند البشر).
وفي المرحلة الثالثة نسبر أغوار الفطرة بسفينة العقل والوجدان ولن تمضي لحظات إلا ونكون قد عثرنا على ضالتنا المنشودة. وهذا ما سنتعرف عليه في العدد المقبل إن شاء الله، ولكن عزيزي القارئ، أدعوك أن تحاول سلوك هذه الطريق، فهل ستصل إلى ما وصل إليه الكاتب!.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع