مع الإمام الخامنئيّ: الزوجة مظهر السكينة(*) نور روح الله: أحداث المنفى(*) كيف نثبت وجود الإمام المهـديّ عجل الله فرجه الشريف؟(2) مفاتيح الحياة: ولا تنسَ نصيبك من الدنيا(*) أخلاقنا: من يعبدُ اللهَ على حرف؟(*) فقه الولي: من أحكام صلاة العيد تاريخ الشيعة: شيعة لبنان: عراقة منذ 1000 عام مناسبة: إبراهيم عليه السلام من المذبح إلى الإمامة اعرف عدوك: فوضى السلاح في أميركا آخر الكلام: غيثُ الرضا عليه السلام

الإسراف في زمــن الأزمــات!


د. سحر مصطفى


هل يمكن أن يجتمع الإسراف والأزمات في وقت واحد؟ وكيف يمكن تفسير مظاهر صرف الأموال على غير الضروريّات في هذا الزمن المتلبّد بالأوبئة والحروب والأزمات الاقتصاديّة؟ وكيف تحوّل الإسراف إلى ثقافة رائجة رغم أنّه سلوك مذموم؟ تساؤلات كثيرة سيجيب عنها هذا المقال من خلال معرفة واقع الإسراف وعوامل تناميه.

•تنامي الثقافة الحاضنة للإسراف 
الإسراف ليس حكراً على الأغنياء، ولا يختص بزمن الرخاء. إنها حقيقة أثبتها الكثير من التجارب. ولكن ما يميّز ظاهرة الإسراف في زمننا مجموعة من العوامل التي تدفع بها لتصبح سلوكاً عاماً غير منبوذ، يربط بين الإنسان ومكانته الاجتماعية. فالمجتمع الذي تقدّر فيه الأشياء بثمنها لا بقيمتها، يدفع بأفراده لانتهاج نمط من الإنفاق يتناسب مع هذا السياق.    

إنّ منظومة الاستهلاك التي تشجّع عليها الثقافة الغربيّة، تقوم بتغيير القيم المتعلّقة بالشراء، بحيث تتجاوز الحاجة الفرديّة المحدودة لتتحوّل إلى قيم اجتماعيّة وثقافيّة من خلال التباهي مع الآخرين ومجاراتهم. يقول أحد المتخصّصين في دراسة أحوال الإنسان، وما طرأ عليه من متغيّرات: "كان كلُّ شيء يُقتنى، يصبح موضع رعاية ويُعتنى به، ويُستخدم إلى آخر حدود الاستخدام. كانت الأشياء تُشترى للمحافظة عليها؛ أمّا اليوم، فإنّنا نشهد تأكيداً دائماً على الاستهلاك، لا على الحفظ. لقد أصبحت الأشياء تُشترى لكي تُرمى؛ فأيُّ شيء كان يُشترى، سيّارة أو ملابس أو آلة من أيّ نوع، فإنّ الشخص سرعان ما يملّ منه، ويصبح توّاقاً للتخلّص من القديم، وشراء آخر موديل..."(1).

وإذا تسالمنا على أنّ الإسراف هو أن يأكل الإنسان أو ينفق أكثر ممّا ينبغي، فإنّ هذه الثقافة تلعب على وتر تحديد ما ينبغي، من خلال نشر القيم السلبيّة المتمثّلة في التبذير والإسراف، إذ يرتسم تعريف الاستهلاك في أفق المجتمع الاستهلاكيّ بوصفه إتلافاً، أي تبذيراً إنتاجيّاً، وهو أفق معاكس لأفق الاقتصاد القائم على الضرورة والتراكم والحساب(2). وعندما يجري اختلاق حاجات وتصويرها على أنّها تساعد على تحقيق السعادة، تصبح الأحلام والرغبات مرتبطة بالصور الثقافيّة المتمثّلة في الإفراط والإسراف والتبذير والفوضى. وعندها، نصبح مسحورين بفكرة شراء الأشياء بدون مرجعيّة كبيرة إلى مقدار فائدتها(3).

•عوامل تنامي الإسراف
في ظلّ هذا الواقع، تتنامى بيئة اجتماعيّة بعيدة كلّ البُعد عن استقباح فعل الإسراف واستنكاره، وتبتعد عن التوجيه الإسلاميّ الذي ينهى عن هذا الفعل ويجعله من المعاصي. ويمكننا رصد مجموعة من العوامل التي تساهم في زرع سلوكات الإسراف وتناميها، وانتقالها بين الناس، منها:

1. التربية الأسريّة: عندما ينشأ الفرد في أسرة تعيش الإسراف والبذخ، فمن الطبيعيّ أن يقتدي بهذا السلوك ويتأسّى به.

2. السعة بعد الضيق: قد يكون الإسراف سببه السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر، إذ يصعب على بعض الناس الذين ينتقلون من الضيق إلى السعة انتهاج سلوك معتدل في الاستهلاك، بل إنّهم يتطرّفون في ذلك إلى حدّ الإسراف والتبذير، حتّى يثبتوا أنفسهم ضمن الطبقة الاجتماعيّة الجديدة التي أصبحوا ينتمون إليها.

3. صحبة المسرفين: لا يخفى على أحد مقدار التأثير الذي تتركه صحبة الرفاق على الأفراد، وبخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأصدقاء الافتراضيّين، الذين يتمّ التعرّف إليهم عبر منصّات التواصل الاجتماعيّ. 

4. حبّ الظهور والتباهي: وبشكلٍ خاصّ عندما تقوم البيئة الاجتماعيّة بإعطاء القيمة والمكانة للأشخاص بمقدار استهلاكهم.

5. المحاكاة والتقليد: قد يكون سبب الإسراف محاكاة الآخرين وتقليدهم حتّى لا يوصفوا بالبخل، بشكلٍ خاصّ بفعل ضغط وسائل التواصل الاجتماعيّ والنماذج التي تنشرها، ودورها في تشكيل سلوكات الأفراد.

6. الغفلة عن الآثار المترتّبة على الإسراف: إنّ ضعف التثقيف حول الآثار السلبيّة المترتّبة على الإسراف، في ظلّ مناخ عام مشجّع على هذا السلوك، يجعلنا نرى في الكثير من مراكز الإرشاد، أشخاصاً يعانون العديد من المشاكل الأسريّة والشخصيّة، بسبب جهلهم كيفيّة إدارة مواردهم وسلوكهم الإسرافيّ. 

إنّ نظرة تأمّل في مقدار الذمّ للإسراف في الثقافة الإسلاميّة، تجعلنا نعيد قراءة تنامي هذا السلوك في المجتمع بعين مختلفة، ونرصد الآثار السلبيّة له على الفرد والمجتمع.

•آثار الإسراف على الفرد والمجتمع
عند تجاوز حدّ الاعتدال والقصد والالتزام، ينزلق الإنسان إلى هوّة سحيقة من التوهّم ورؤية الواقع على خلاف ما هو عليه، وهكذا، فإنّ "من لم يحسن الاقتصاد أهلكه الإسراف"(4). فما هي آثار الإسراف؟

أوّلاً: على الفرد

يمكننا تفصيل بعض الآثار السلبيّة على صعيد الفرد، على الشكل الآتي:

1. إهدار الموارد: ممّا قد يُضعِف قدرة الفرد على التطوير، وبناء مشاريعه الإنتاجيّة.

2. المشاكل الصحيّة: وبشكل خاصّ المتعلّقة بالإسراف في الطعام والشراب، من سمنة ومشاكل في الجهاز الهضميّ، حتّى أصبحت السمنة تعدّ من أبرز أمراض العصر، لشيوع السلوكات الخاطئة من الإسراف في الطعام والشراب.

3. تأجيل الارتباط وبناء الأسرة: فإنّ الإسراف يجعل الفرد يغيّر سلّم أولوياته، فيعجز عن تأمين مستلزمات تشكيل أسرة.

4. تعزيز الأنانيّة: فالاستغراق في الإسراف، يجعل همّ الفرد الوحيد إرضاء نفسه باتّباع الشهوات، والبذل في سبيل ذلك بدون حدود أو قيود، متجاهلاً حاجات الآخرين، خصوصاً أرحامه. 

5. الضعف في مواجهة المصاعب: الإسراف وسيلة إلى الترف، والفخر، والكبر، ويجعل الإنسان يألف الراحة والخمول، ويحبّ الإخلاد إلى الأرض، والاطمئنان إلى المادة والتعلّق بها. ومن ثمّ فإنّه يجعل الفرد لا يتحمّل المصاعب أو المصائب، ولا يثبت في مواقف الابتلاء والاختبار(5).

6. قسوة القلب والإعراض عن الحقّ: الإسراف من أهمّ دواعي الشرّ والإثم؛ فالنفس بدون زمام تنساق وراء الشهوات متى كانت المادة متوافرة وليس عليها حصانة(6).

ثانياً: على المجتمع
يمكننا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الآثار الاجتماعيّة للإسراف: 
1. تأثيره على البيئة: يُعدُّ الإسراف سبباً رئيساً من أسباب تدهور البيئة واستنزاف مواردها. وهو وإن كان متعدّد الصور والأساليب، إلّا أنّه يؤدّي بشكل عام إلى نتيجة واحدة: إهلاك الحرث والنسل، وتدمير التوازن البيئيّ. مثلاً؛ تشير بعض الدراسات التي أجريت في الكويت أنّ ما يُلقى ويُتلف من مواد غذائيّة في صناديق القمامة كبير، إلى الحدّ الذي قد تبلغ نسبته في بعض الحالات 45% من حجم القمامة. وفي مدينة الرياض، تبلغ كميّة النفايات اليوميّة لكلّ فرد من نفايات المواد الغذائيّة 1060 جراماً. والملاحظ في دول الخليج العربيّ أنّ كميّة المواد الغذائيّة التي تُلقى في القمامة كبيرة جدّاً بالمقارنة مع غيرها من دول العالم. ونُلاحظ في لبنان أنّه بعد تفاقم الأزمة الاقتصاديّة قد تراجع حجم النفايات 40% بفعل تغير السلوكات الاستهلاكيّة(7).

2. تعزيز البغضاء بين الطبقات الاجتماعيّة: حيث يشعر الفقراء بالغُبن، فهم لا يكادون يحصلون على ما يسدّ حاجاتهم، في الوقت الذي يقوم فيه أشخاص بالإسراف وتبديد الثروات. إضافةً إلى شعورهم بالضيق، والإحساس بالعجز والتقصير. مثلاً: إن ترسّخت بعض كماليّات مناسبات الزفاف واجتاحت المجتمع (الفرق الاستعراضية التي تصاحب العروسين أو أنواع "السوفنير" الباهظة)، سيشعر متوسط الدخل بالضيق والعجز لعدم قدرته على مجاراة الآخر، وبذلك تصعب الحياة عليه.

3. حرمان الآخرين: وذلك عبر حرمان المستحقّين من هذا المال الفائض الذي يبذّر ويُهدر في غير حاجة أو مصلحة.

•آليات المعالجة
إنّ معالجة هذا السلوك يجب أن تكون على خطّين متوازيَين: معالجة فرديّة نتوجّه فيها إلى المسرفين، ومعالجة مجتمعيّة:

1. مجتمعيّة: ينبغي استخدام أساليب مؤثّرة للتوعية حول مضارّ الإسراف، وآثاره الدنيويّة والأخرويّة، مع تقديم مصاديق عمليّة حتّى يسهل على المكلّف ضبط سلوكه الاستهلاكيّ. إضافةً إلى تعزيز قيم التنافس في المعروف وليس في الاستهلاك، من خلال خطّة متكاملة يكون الإعلام والمؤسّسات التربويّة المختلفة شركاء تتكامل الأدوار فيما بينهم. كذلك، تعنى المراكز التربويّة والكشافة والمدارس بتدريب الأسر على بناء سلوك سليم في الاستهلاك.

2. فرديّة: يكفي للمسرف أن يستشعر بعدم الرضى عن سلوكه، وهي بداية طريق لتهذيب النفس وضبطها تجاه رغبة أو ميل، فقبل أن تُفلس معنويّاً، انظر إلى قيمتك تُجاه نفسك، فلن ترضى أن تكون بقيمة ما تملك، وإن كان ما تصرفه ترويحاً عن النفس، فثمّة أمور كثيرة نافعة ستريحك. ابحث عن سبب سلوكك، وكن كريماً هنا، في صرفه.


1. أريك، فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، سلسلة عالم المعرفة، العدد 140، ص 63.
2. جان بودريار، المجتمع الاستهلاكيّ، ص 123.
3. أريك فروم، مساهمة في علوم الإنسان، ص 30.
4. السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج 17، ص 109.
5.الطريقي، مشكلة السرف في المجتمع المسلم وعلاجها في ضوء الإسلام، ص 68.
6. المصدر نفسه.
7.يراجع: محمّد عبد القادر الفقي، "الإسراف وتأثيره على البيئة"، ص 51.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع