نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

تسابيح جراح: لولا دعاء أمّي


لقاءٌ مع الجريح المجاهد علي عبد الحسن ضامن (مصطفى)
حنان الموسويّ


لم تكن الأجواء المشحونة في البلاد تتّسم بطابع الأمان، ما جعلها غير مؤاتية للتحرّك بطمأنينة؛ فالعدوّ الإسرائيليّ وأعوانه، كانوا يراقبون تحرّكات المقاومين مراقبة خاصّة بعد حرب "عناقيد الغضب"؛ لذا، وجب التخفّي والحذر والكتمان.

* نشأةٌ صعبة
ترعرعتُ في أسرةٍ غاب الأب عنها في سفرٍ ليؤمّن احتياجات عائلته، ما جعلني أعتمد على أخي الكبير كأبٍ ثانٍ. لجأت إليه في شتّى المواقف. تعلّمتُ منه ومن والدتي الصلاة والصيام والواجبات الدينيّة كافّة. تفتّحت عيناي على خبر شهادة ابن عمّتي، الشهيد "عباس حيدر ريا"، الذي أثّرت أخلاقه وسلوكه بي كثيراً، فأحببتُ خطّ حزب الله تأسّيّاً به، وانتسبتُ إليه رغم غربته في ذلك الحين. انخرطتُ في خطّ التعبئة، وخضعتُ لدورات عدّة وللعديد من المناورات. كان التخوّف من أيّ حركةٍ يقوم بها العدوّ الصهيونيّ أساساً للتحرّك بسرّيّة؛ لذا، كانت مشاركاتنا خفيّةً عن الجميع، ودون علم الأقربين من العائلة حتّى.

* أنس الجراح
في يوم 24/9/1996م، كان موعد المناورة، فانطلقتُ إلى المعسكر. مرّت أيّامٌ أربعة حافلةٌ بالأحداث، ما بين دعاءٍ وصلاة وتدريب. كانت الساعات توحي بالأنس، والحماسة الطاغية بين المجاهدين تحفر فينا وصايا الاشتياق، فامتلأت قلوبنا بالطمأنينة، رغم احتمال قيام العدوّ الإسرائيليّ بإعادة تجربة قصف معسكر "عين كوكبة" في معسكرنا، إلّا أنّ الشوق لإتقان فنون القتال كان طاغياً.

حان دوري لإطلاق قذيفة الـB7، وعندما ضغطتُ على الزناد، انفجرت بي، فطرتُ في الهواء، وتناثرت شظاياها في رأسي ووجهي، ولم تسلم عظام جمجمتي ولا العروق المتّصلة بدماغي. الدماء سالت من رأسي وأنفي ولم يتوقّف دفقها، كما أنّي فقدتُ عيني اليُسرى.

وصل المسعف، وضمّد الجرح بوشاحٍ سميك لإيقاف النزيف، ثمّ نُقِلتُ في الإسعاف إلى مستشفى "الأهلي" في بعلبك. ظنّت الممّرضة أنّ الجرح بسيط، وراحت تحاول تضميده ورتقه، وبعد أن أزالت الوشاح الذي وضعه المسعف، لاحَ لها دماغي، فكانت نصيحتها نقلي إلى مستشفى متخصّص، فنُقلت إلى الجامعة الأميركيّة في بيروت.

* رحيلٌ وعودة
لخطورة إصابتي، وصل الخبر إلى رابط المنطقة أنّي شهيد. كانت المهمّة الأصعب إبلاغ العائلة بشهادتي، خاصّةً وأنّ انتسابي إلى صفوف المجاهدين كان سرّاً يجهله الجميع. عرف عمّي بذلك، فأخبر والدتي أنّه التقى بي في الجرود، وأنّهم سيذهبون لرؤيتي. اصطحبها وزوجته وعمّتي وانطلقوا إلى المستشفى دون إعلامهنّ بخبر إصابتي، لكنّ علامات القلق التي ارتسمت على وجهه، أوحت بأنّ الأمر عظيم. وحين اقتربوا من المكان أعلمهنّ بأمر جُرحي. كان المصاب مهولاً على قلب والدتي، التي روت ظمأ أجفانها بدموعها، ولكنّها كانت في الوقت نفسه من الصابرات المتأسّيات بأهل البيت عليهم السلام، واحتسبت البلاء في عين الله.

* البرّاد الثاني
قام الطاقم الطبّيّ بما يلزم من إسعافات، ولكن دون جدوى. طلّقتُ الدنيا وروحي اعتلت جسدي. توسّدتُ الغيوم، فشاهدتهم كيف دثّروني وسحبوا السرير تُجاه غرفة الموتى، حيث أودعتُ البرّاد الثاني، لكنّ رجفةً أعادت ليَ النبض لفتت الممّرض بعد أن انتفض جسدي، ففحصني، وأدرك أنّ الروح عادت إليّ! نادى رئيس الأطبّاء، فنُقِلتُ إلى غرفة العمليّات على وجه السرعة، حيث خضعتُ لجراحةٍ دامت تسع عشرة ساعة، قاموا خلالها بوصل العروق التي قُطّعت، واستئصال العظام التي هُشّمت واخترقت الدماغ، فضلاً عن تنظيف محيط العين التي تلفت.

* عندما حلّت المعجزة
نُقِلتُ إلى غرفة العناية الفائقة، فاستفقتُ من الغيبوبة بعد خمسة عشر يوماً، وهنا تجلّت المعجزة؛ فقد أعادني دعاء أمّي في ليلة القدر إلى الحياة في تلك الليلة. بعدها، نُقِلتُ إلى غرفةٍ خاصّة، لمدّة عشرة أيّام، حتّى استقرّ وضعي، لكنّني كنت أعاني من فقدان كاملٍ للذاكرة.

نهضَت أمّي من رماد الحزن، وبقيت معي طيلة فترة رقودي في المستشفى. اعتنت بي حتّى استفقتُ من غيبوبتي التي اعتصرت ملامحي. راجعتُ عدداً من الأطبّاء لأستعيد ذاكرتي، ولكن دون جدوى، إلى أن عادت، بلطفٍ من الله، بعد ثمانية أشهر، حيث كنت خلالها طريح الفراش، هشَّ القوى. احتوتني تلك الحنون كطفلٍ صغيرٍ عاجزٍ، وفي كفّيها سيل الدعاء لم يمرّ أعجفَ. وبصعوبة بالغة، بدأتُ أستعيد حياتي تدريجيّاً. ما زلت أتلقّى علاجاً دائماً للصرع حتّى الآن، وأعاني من أوجاعٍ في الرأس لا تعرف السكون.

* حياةٌ مستمرّة
اخترتُ شريكة الحياة التي تستطيع مشاركتي الصبر على الجراح، وقد وفّقني الله للزواج عام 2007م، ورزقني بثلاث فتيات هنّ المؤنسات الغاليات. حججتُ إلى بيت الله عام 1999م، وزرتُ المراقد المشرّفة في إيران عام 2012م، ومقام السيّدة زينب عليها السلام في سوريا، وكلّ ذلك عن طريق مؤسّسة الجرحى. انضممتُ إلى "فرقة جراح" الإنشاديّة، بعد أن خضعتُ لتجارب الأداء. كان صوتي الظامئ للأناشيد الثوريّة مناسباً، فشاركتُ في أكثر من عملٍ فنّيٍّ، وكان فضلُ الله عليّ عظيماً. خضعتُ لدورة كمبيوتر ولدورات حِرفيّة عدّة، نظّمتها المؤسّسة، كالحفر على الخشب وغيرها، وقد عُرِضت تلك المنتوجات في معارض عدّة.

* دعاءٌ من القلب
لم يقصّر القيّمون في مؤسّسة الجرحى في تقديم أيّ مساعدةٍ لي من حيث العلاج والمتابعات الطبّيّة وتأمين المسكن بكامل لوازمه، فهم يتحمّلون آلامنا وانفعالاتنا أحياناً بوجوهٍ ضاحكةٍ مستبشرة، ويمارسون عملهم دون تأفّفٍ أو تذمّر، آجرهم الله وأعطاهم خير الدنيا والآخرة، وبارك بكلّ جهودكم المبذولة.

* كلمة حبٍّ
إلى نور عيني سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)، القدوة الحسنة ومن به نعتزّ: أعِر الأرض ورد يديك يا سيّدي، حتّى تعود جراحنا من دمانا مشرقة، وارسم بأناملك للمسافات الضفاف، وضع خارطة الكون كيف تشاء، فنحن طوع أمرك. كم أتمنّى اللقاء بك مجدّداً يا سيّدي، فلستُ أنسى لقاءاتنا القديمة، والتكريمات التي تفضّلت بها علينا. عبق الحضور الذي كان يظلّلنا ما زال يتسرّب في مسام الروح. سرُّ اسمك السرمديّ فيه رمز النصر، أهداك الله باقات أعمارنا لتبقى التاج الذي يزيّن رؤوسنا ويرفعها عالياً، وقوّة الله التي وهبها الخالق لنا، لنكون الأمّة الأعزّ بين أقوامٍ اختاروا الذلّ والتطبيع والعبوديّة، على الكرامة والعيش العزيز. نحن يا سيّدنا على خطّ الولاية، حين ينادينا الواجب سنكون بكامل جهوزيّتنا، ولنا بأمراء القافلة، من سبقنا من الشهداء، قدوة حسنة، وأمنيتنا الدائمة هي الشهادة في سبيل الله، ولن نتوانى عن تقديم الأرواح حتّى تحقيق النصر.

الاسم الجهاديّ: مصطفى.
تاريخ الولادة: 13/1/1979م.
مكان الإصابة وتاريخها: النبي سباط عليه السلام، 28/9/1996م.
نوع الإصابة: كسر في جمجمة الرأس مع استئصال العين اليسرى.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع