مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

مناسبة: فتزلَّ قدمٌ بعدَ ثبوتِها


أحمد بزّي


(تخيَّلْ أنّكَ من البدريّين، ومدَّ الله بعمرك إلى زمنِ فتح مكّة لتشهد النّصر الأعظم، بل وتشارك فيه، لكنَّ قدمك هل تثبت إلى ذلك الوقت؟!)

شهِدَ حاطبٌ معنا بدراً، وأُحداً، وصُلح الحُديبية، وكثيراً من الغزوات. عُرِفنا -أنا وهو- في المعاركِ راميين موصوفين بمهارتنا.

في معركةِ أُحُد جُعِلَ حاطبٌ بين الرُّماةِ على الجبل، وعندما سمعَ صائحاً يقول: "قُتِلَ محمّد"، كادت تزهق روحُه. إلى هذا الحدِّ غمرهُ حبُّ النّبيِّ الأعظم.

لقد خرجنا قبل ثمانية أعوام مع المهاجرين من مكّة إلى يثرب، لكنَّ حاطباً ترك هناك أهلَه وتجارته في المواد الغذائيّة.

ولم يسكُنْ خوفُ حاطب على أهله وأقاربهِ يوماً؛ فقد عمد أبو سفيان إلى تضييقِ الخناقِ عليهم، وأذيّة كلّ عشيرةٍ أسلم منها فردٌ، وهاجرَ من مكّة إلى النبيِّ. ولم تكن قريش تتركُ أذاهم، إلّا إذا حصلوا منهم على أسرارِ المسلمين في المدينة. هذا الخوفُ بلغ مبلغهُ بحاطبٍ، عندما أعلن النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم النّفيرَ العامّ في شهر رمضان، من عامنا الثامن للهجرة، وجهّزَنا بجيشٍ من عشرة آلاف مقاتل، وكما هو معتادٌ في الغزوات، لم يكشفْ عن الوجهة التي يُريدها.

وبينما كُنّا نتهيأُ للتحرّكِ تُجاه مكّة، بعثَ النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلينا لنحضر عنده: الإمامُ عليّ عليه السلام، وأنا المقداد، يرافقنا الزّبير؛ لندركَ امرأةً خائنةً على طريقِ مكّة.

نزلَ جبرائيل وأخبرَ نبيَّنا أنَّ أحدَ البسطاءِ من المسلمين أقدمَ على إرسالِ كتابٍ تحذيريٍّ معها إلى قريشٍ لقاء مبلغٍ من المال. فخرجنا في طلبها مُجدِّين. سارَ عليٌّ عليه السلام في القلب، وأخذتُ جهة اليمين، فيما استقرَّ الزبيرُ عن يسارِ الإمام.

"سارة" مغنّيةٌ من مغنّياتِ مكّة، تعطّلَ عملُها بعد معركة "بدر" ومقتلِ رجالِ قريش، ودخولِ الحزن في بيوتهم. تركت "سارة" مكّة بعد عامين من بدر وقدِمت إلى المدينة، فشملها المسلمون بالرَّحمة، وبرغم ذلك لم تُسلم أو تَتُب؛ بل تطوّعتْ للقيامِ بعمليّةٍ تجسّسية ضدّ من رحِمها بأخذ كتابِ "حاطب بن بلتعة" إلى قريش.

سألنا كلَّ الحرّاس عن الطرق الرئيسيّة، لم نجدها.

خطَّطتْ سارة للطريق جيّداً؛ تعرفُ القفارَ والشِّعاب والمنعطفات بين مكّة والمدينة، وقد لقّنها حاطبٌ أماكن انتشار الحرّاس على الطرق الرئيسيّة.

وجدْنا حطّاباً يعبر بنا، سألناه، قال إنَّ امرأةً شديدة السُّمرةِ انحدرتْ في القفار والشعاب، تلك هي إذاً، تبعناها. وفي منطقةٍ تُدعى "روضة الخاخ" أدركناها، ارتبكت، استنزلناها عن دابَّتها، شدَّتْ حيازيمها، ونفختْ أنفها وحاجبيها. فتّشنا عن الكتاب في راحلتها، لم نجدْ شيئاً. حثَّنا الزُّبيرُ على الرُّجوعِ والاكتفاء، إلّا أنَّ الإمام عليّاً عليه السلام لم يرضَ، وأنا مثله، سألها عن كتابٍ تحملهُ فأنكرت.

- "إنّي أحلِفُ بالله ما كذبَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولتُخرجنّ لنا هذا الكتاب، أو لنضربنَّ عنقك".

لمّا رأتْ تلك المغنيةُ هذا الجِدّ من الإمام عليّ عليه السلام، استخرجتِ الكتاب من ظفيرة شَعرها، وسلّمتهُ للإمام عليه السلام. وفي الرسالة مخطوطٌ: "بجيشٍ كاللّيل، يسير كالسيل... آذنَ جيش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو ربّما إليكم".

حملنا الكتاب، وعُدنا به وبها إلى المدينة.

أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يُنادى في النّاس، فاجتمعوا في المسجد حتّى امتلأ بهم. الكتابُ في يدِ النّبيّ، وحاطبٌ يُحدِّقُ بيدِه صلى الله عليه وآله وسلم، وكلّ العيون تنظرُ إلى حاطبٍ وقد لوَّنهُ ظلُّ عباءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

-"يا حاطب، ما حملك على هذا؟" واجهه النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قاطعاً كلّ التساؤلات.

اعترف حاطبٌ سريعاً، محاولاً أن يجدَ مبرّراً للخيانة.

- "يا رسول الله، أمّا والله إنّي لمؤمنٌ بالله وبرسوله، ما غيَّرتُ ولا بَدّلتُ، ولكن لم يكن أحدٌ من المهاجرين إلّا وله بمكّة عشيرة، وكنتُ غريباً فيهم، فخشيتُ على أهلي أن لا يحميهم أحدٌ في مكّة".

لم يناقش النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حاطباً فيما صرَّح عنه. إنَّ فعله مؤذٍ، واعتذاره غير وجيه، أفشى سرّاً عظيماً، سرّاً يرتبط بسائر الناس، لكنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد من فعله أكبر درس للبشريّة، درسٌ قد يكون سابقةً في التاريخ، ويحصلُ لمرّة واحدة، لمرّةٍ واحدةٍ فقط. لم يطلب النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم سوى شيءٍ واحد: "أخرجوه من المسجد". إنّها جملةٌ تشكّلُ أعظم عقابٍ لمسلم يدرك أنّ المسجد بيت الله، ومائدة كرمه.

أخرجَ الحرّاسُ حاطباً من المسجد. صار حاطبُ يدير رأسه، ويعلّق نظره على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ عساه يرقّ لحاله. لم يبقَ له حليف، ولا عشيرة، ولا جاسوسة. وبعينيه راح يخاطب طبيب القلوب: "إنَّ جرمي عظيم جدّاً، لا يغفر لي ولا لغيري، لكنّك يا رسول الله أولى منّي بنفسي، ونفسي زلّت، زلّت قدمي بعد ثبوتها، وزلّة القدم محلّها النار، صرت عبرةً للنّاس، أنت تخرجني من المسجد، من ساحة الرضى، توهّمت أنّ قريشاً بوجودك فاتحاً، قد تستطيع أذيّة أهلي".

نال حاطبٌ بنظرته عفواً خاصّاً من سيّد الخلق، عفواً قد لا يُكرّره التاريخ. استغفر له نبيُّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم.

في اليوم العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة، أصدر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أوامره بالخروج نحو مكّة فاتحاً، لكنَّ حاطباً وإن بلغ زمن الفتح، فربّما لم يبلغ الفتح لولا رحمة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

حي ماضي

علي عباس

2022-04-20 08:26:15

الله يحميك يا شيخ احمد اتحفتنا