مع الإمام الخامنئي: الرسول مظهر الوحدة الإسلاميّة(*)  نور روح اللّه: آداب القراءة في الصلاة مع إمام زماننا: وظائف المنتظرين(4)(*) قرآنيات: تفسير سورة الماعون (1)(*)  أخلاقنا: الأسرة والحاجة المعنويّة(*) تعزية عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام

إلى كل القلوب: إنفاقٌ يحبّه الله(*)


سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)

يُعدّ الإنفاق من الأعمال المحبّبة عند الله سبحانه وتعالى لانعكاساته المباشرة على الفرد والمجتمع ككلّ. وقد حثّت الآيات القرآنيّة عليه، فضلاً عن ذكرها بعض ثوابه وجزائه. لكن ليكون عملاً مُقرّباً من الله، فله شروطه وقواعده، وعند تحقّقها، تحلّ آثاره وبركاته على المؤمنين أفراداً وجماعةً. هذا ما سيتناوله المقال. 

من شروط الإنفاق ومميزاته
لكي يكون للإنفاق بركاته الدنيويّة والأخرويّة، يجب الالتفات إلى بعض الأمور، منها: 

1- أن يكون في سبيل الله:
من أجل رضاه تعالى فقط، وليس رياء الناس. فإذا أراد أحد أن يساعد الناس، سواء عن طريق معارفه أو المؤسّسات واللّجان والجمعيّات، يجب أن يقصد في أعماله وجه الله سبحانه وتعالى. 

2- مستحبٌّ في أيّ وقت:
للعبادات والأعمال مجموعة شروط؛ فبعض العبادات مطلوبة في الليل وأخرى في النهار، وبعضها يشترط فيه القدرة الماليّة مثل الحجّ، وبعضها الآخر يتطلّب الصحّة الجسديّة مثل الصوم، وهكذا. أمّا الإنفاق، فقد فتح الله سبحانه وتعالى الأبواب فيه؛ إذ إنّه ليس مشروطاً في وقت معيّن، فيمكن القيام به في الليل وفي النهار، وفي أيّ وقت يريده الإنسان. صحيح أنّ ثمّة أوقاتاً محدّدة يستحبّ فيها الإنفاق والتصدّق أكثر من غيرها، كليلة الجمعة ويومها مثلاً، ولكنّ الاستحباب في حدّ ذاته مفتوح في أيّ وقت وفي أيّ ساعة.

3- مستحبٌ في السرّاء والضرّاء: 
الإنفاق والتصدّق متاحان كذلك في الظروف والحالات كلّها؛ في السرّاء والضرّاء، وفي أوقات الشدّة والرخاء، لبناء مدارس أو مساجد أو مراكز صحيّة، ولشقّ طرقات، ولإمدادات المياه والكهرباء... هذه المشاريع والأعمال كلّها مطلوبة حتّى لو كان الوضع المعيشيّ للناس جيّداً وطبيعيّاً. 

4- مستحبٌّ من الغنيّ والفقر:
بعض الناس قد يظنّ أنّ الإنفاق مطلوب من الأغنياء والميسورين فقط، دون الفقراء. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ (الطلاق: 7)؛ ينفق مما وسّع الله عليه، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (الطلاق: 7)؛ من كان رزقه ضيّقاً ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ (الطلاق: 7)؛ حتّى ولو بالقدر القليل، مثل القليل من السكّر، أو تمرة، أو شقّ تمرة، أو كوب من الشاي. وهذا القليل الذي يُنفقه، يتقبّله الله سبحانه وتعالى بقبولٍ حسن ويجزي صاحبه جزاءً عظيماً جدّاً. 

كما حصل في القصّة المعروفة عن أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء والحسنين عليهم السلام، والتي جاء فيها: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8)؛ فهم عندما قدّموا طعامهم عليهم السلام، كانوا فقراء ولا يملكون المال، بدليل أنّ أقراص الشعير التي قدّموها، كانت طعامهم الوحيد! فالفقير عندما يعطي، وخصوصاً إذا زاد في العطاء، فإنّ الله سبحانه وتعالى يجزيه جزاءً عظيماً ومضاعفاً جدّاً؛ لأنّه -إن صحّ التعبير- يقدّم من لحمه وجلده الحيّ. 

5- مُستحبٌّ سرّاً وعلناً:
الصدقة في السرّ جيّدة وكذلك في العلن. عادةً، الصدقات الفرديّة في السرّ تكون أفضل، ولكن أحياناً قد تكون صدقة العلن أفضل. من جملة صدقات العلن مثلاً، ما تقوم به جهات أو مؤسّسات، وهنا، من الأفضل أن تكون المساعدات التي تقدّمها علنيّة؛ لأنّ من إيجابيّات ذلك تثبيت مصداقيّة هذه المؤسّسة، ودفع الشبهات والاتّهامات عنها في زمن الفساد، وتشجيع الجمعيّات والمؤسّسات الأخرى على هذا العمل الإيجابيّ، فتدخل الساحة عندها في حالة تنافس إيجابيّ. 

6- مستحبٌّ أن تنفق ممّا تحبّ: 
الأفضل، بحسب التوجيه القرآنيّ، أن ننفق ممّا نحبّ، ففي الآية الكريمة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92). لذلك يقال إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا اشترى ثوباً جديداً وأُعجب به أحد تصدّق به؛ لأنّه أحبّه.

7- الاعتدال في الإنفاق: 
ثمّة أناس لا ينفقون نهائيّاً، وفي المقابل ثمّة من قد تأخذهم الحماسة فيفرطون في الإنفاق. وهذا كان يحصل في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إذ إنّ بعض الصحابة كانوا أحياناً يتحمسّون للإنفاق، لشدّة ثوابه وعظمته، فيتبرّعون بكلّ ما يملكون فيصبحون وعائلاتهم في الشارع! هذا الأمر ليس مطلوباً، والله سبحانه وتعالى يرشدنا ويدلّنا على المسار المطلوب والمرضي عنه، فيقول في سورة الإسراء: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾؛ لا تمتنع عن الإنفاق مطلقاً، ﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾؛ ولا تنفق كلّ ما تملك، 
﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29). المطلوب هو الاعتدال والوسط.

* الآثار الدنيويّة للإنفاق
في الروايات عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم السلام، مجموعة من آثار الإنفاق في الدنيا، والآيات القرآنيّة تدعم هذا المعنى، أنّ من نتائج الصدقة وآثارها: 

1- تدفع البلاء؛ "الصدقة تدفع البلاء"(1)؛ الصدقة تدفع البلاء الشخصيّ وكذلك البلاء عن المجتمع. 

2- "تقضي الدين"(2)؛ من اللافت أنّ الصدقة تساعد على قضاء الدَّين، والله سبحانه وتعالى يبارك في هذا المال ويربّيه ويزيده ليتمكّن صاحبه من قضاء دَينه. 

3- الصدقة "تسدّ سبعين باباً من السوء والشرّ"(3).

4- "تمنع ميتة السوء"(4). 

5- تساعد على الشفاء من الأمراض، ففي الرواية: "داووا مرضاكم بالصدقة"(5). إنّ واحداً من أشكال مواجهة أيّ مرض من الأمراض المنتشرة في المجتمع، كما هو الحال بالنسبة إلى وباء كورونا، أن يتصدّق الناس على نيّة الشفاء من هذا المرض أو غيره. 

6- الصدقة "تزيد في الأعمار"(6). 

7- "الصدقة تزيد في الحسنات"(7). 

8- "الصدقة تستنزل الرزق"(8). 

هذا بالنسبة إلى المنفق. بالنسبة إلى المجتمع، فالمجتمع الذي يكون في حالة تصدّق وإنفاق، فإنّه ينجو من الفقر، والفاقة، والجوع، والجهل. 

* بعض التوجيهات في الإنفاق
1- أرجو أن تهدوا ثواب هذا الإنفاق وهذا التصدّق إلى أمواتكم وأموات المؤمنين والمؤمنات؛ لأنّهم الأشدّ حاجة، ولكم ثوابكم وأجركم وفضلكم، ولن ينقص منه شيء. 

2- إنّ التشجيع على الإنفاق لا يعني تشجيعاً على أن يعيش المجتمع على الإنفاق والإعاشات والمساعدات والصدقات، بل على العكس، فالإسلام يشجّع على تكوين مجتمع عامل ومنتج، حتّى ورد في الروايات أنّ الإنسان الذي يعمل في الليل وفي النهار، ويكدح ويكدّ من أجل أن يطعم عائلته ويكسوها ويحفظها ويؤمّن لها حياةً معقولة، كالمجاهد في سبيل الله. لذلك، فهذا المال يُنفق للفقير المحتاج الذي قُدِر عليه رزقه، وليس لذاك الكسول الذي يرفض فرص العمل وينتظر الإحسان إليه، بل قد يكون ثمّة إشكال شرعيّ في مساعدة هكذا نوع من الناس؛ لأنّ في ذلك تشجيعاً لهم على البطالة والكسل. 

لإيجاد فرص العمل
أخيراً، أوجّه كلامي للأغنياء وللمقتدرين ماليّاً من أصحاب المؤسّسات الإنتاجيّة: الأولويّة المطلقة هي لإيجاد فرص العمل لأكبر عدد ممكن من الأشخاص؛ فمن كان قادراً على تشغيل أكبر عدد ممكن من العمّال وإن كان بنسبة ربح قليلة، فهذا أقرب للتقوى من تشغيل عدد قليل منهم في مقابل الحصول على نسبة أرباح أعلى. ليس حجم الربح مهمّاً، بل حجم تأمين فرص عمل لأكبر عدد ممكن من الأفراد هو المهمّ، وهذا أيضاً باب من أبواب الإنفاق، ثوابه وأجره عند الله عظيم وكبير، وأثره على المجتمع كبير أيضاً. 

 

(*) من كلمة ألقاها سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)، بتاريخ: 21/4/2021م.
1-بحار الأنوار، المجلسي، ج 59، ص 264. 
2- الوافي، الكاشاني، ج 10، ص 397. 
3- وسائل الشيعة (آل البيت)، الحرّ العاملي، ج 9، ص 386. 
4- الدعوات، الراوندي، ص 107. 
5-ثواب الأعمال، الصدوق، ص140. 
6-الخصال، الصدوق، ص620. 
7-الكافي، الكليني، ج4، ص 9. 
8-عوالي اللآلي، الأحسائي، ج 1، ص 291. 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع