قصة: عند التقاطع مناسبات العدد رثاء: الصوت المقاوم في ذمّة الله مقابلة: في رحاب وليد الكعبة عليه السلام الإعلام الحربي: ذاكرة المقاومة العدسة بعبق الشهادة الإعلام المقاوم: المفهوم والتأسيس مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*)

مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً

فاطمة علي خليفة(*)


يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).

تحدّثت الآية عن أُناس لا يسرفون ولا يبخلون، فهي تتحدّث عن الاستهلاك والأمّة القويمة الراشدة.

•لماذا ترشيد الاستهلاك ضرورة؟
الاستهلاك هو آخر مرحلة من مراحل العمليّة الاقتصاديّة؛ لأنّه يجسّد الطلب النهائيّ على السلع والخدمات، ولا شكّ في أنّ حاجات الإنسان ورغباته، هي محرّك الأنشطة الاقتصاديّة جميعها.

والمقصود بترشيده هو الاستخدام الأمثل للمال، وسدّ الحاجات، والتوازن والاعتدال في الإنفاق، والاستقامة في تحقيق مصلحة الإنسان من خلال استخدام المقدار المناسب دون إسراف أو تقتير. والغاية هي توجيه الأنماط والعادات الاستهلاكيّة، بحيث تتّسم بالتعقّل، والاتّزان، والحكمة، ومن ثمّ يكون استغلال الفرد لما يملك استغلالاً متّزناً، وسلوكه سلوكاً معتدلاً، يتناسب مع تصوّره الاعتقاديّ والأخلاقيّ، وواجبه تّجاه الأمّة والمجتمع.

•مجتمعاتنا العربيّة ونشاطها الاستهلاكيّ
إنّ حضارات الشعوب وثقلها بين الحضارات الأخرى يُقاس بما تنتج، لا بما تستهلك. والميزان الأرجح للقوى العالميّة هو ميزان اقتصادها وقدرتها على الاكتفاء الذاتيّ، الذي بدوره يحدّد قوّة وهيمنة ثقافاتها وعولمتها على الشعوب الأقلّ منها. أمّا مجتمعاتنا العربيّة، فإنّها تعاني من أزمات فكريّة اقتصاديّة حضاريّة محاصَرة ومرتهَنة بمقوّماتها الأولى كلّها لقوى خارجيّة.

والملاحظ بوضوح أنّ الإسراف الاستهلاكيّ هو سمة المجتمعات العربيّة الأولى، وكذلك الاندفاع نحو تقليد المجتمعات الأخرى لجلب السعادة الموهومة.

نعم، نحن مجتمعات مستهلكة لوسائل حياتها كلّها؛ نستهلك الملبس، والمأكل، والفنّ، والثقافة، ونحن فريسة دسمة لغول الدعاية؛ إذ إنّنا اعتدنا على ثقافة التلقّي. ففي دراسة لمجلّة The Sunday Times، وجدت أنّ الأموال المخصّصة لدراسة الإعلان والأسواق تقدَّر بخمسة مليارات دولار، تحكمها أربع مجموعات عالميّة تسيطر على سوق الإعلان: أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، واليابان.

وعليه، إنّ خياراتنا الاستهلاكية عشوائيّة، تُدار حسب ما يمليه علينا النصّ الإعلانيّ.

•التعاظم الاستهلاكيّ
ثمّة مؤشّرات عدّة تُبيّن مدى التعاظم الاستهلاكيّ المفرط في مجتمعاتنا، منها:

1- الحفلات المترفة التي تستهلك من أموالنا وأوقاتنا وجهدنا أغلبه، كحفلات أعياد الميلاد، وظهور الأسنان للأطفال، وحفلات التخرّج، وحفلات عيد الحبّ والأّم والطفل والأب... إلخ. وهذه الحفلات منشؤها اقتصاديّ بحتيّ لتحفيز الاستهلاك (بغضّ النظر عن جدليّة الاحتفال بهذه المناسبات، إنّما الهدف كيفيّة الاحتفال بها).

2- هَوَس التسوّق shopping والدراسات المزيّفة التي يقدّمها الغرب إلى مجتمعات العالم الثالث لتحفيز المرأة على ممارسة هذا الأمر، وإدراجها ضمن أصناف الهوايات التي تساعد على تحسين الصحّة النفسيّة.

3- مواكبة التطوّر وأحدث صيحات الموضــــــة بتفاصيل حياتنا، من وسائل تكنولوجيّة، وملبس، وأثاث، حيث نتخلّص من القديم ونسعى للحصول على ما قُدّم لنا من جديد، بغضّ النظر إن كنّا بحاجة إليه أم لا، عبر خلق الحاجات الزائفة، كما عبّر عنها "ماركوز"، لبقاء الفرد خاضعاً لمنظومة الدول الرأسماليّة المعولمة.

4- موائد الطعام المترفة التي تفوق الهدف الحقيقيّ لفكرة الطعام وهي إشباع حاجة الجوع، وفكرة الأطباق الرئيسيّة والثانويّة، فنرى وسائل التواصل الاجتماعيّ تضجّ بالأطباق والموائد التي باتت تعتبرها معظم النساء من الأهداف والإنجازات.

•"أريد القبض على ذاتي"
يقول كاتب تونسيّ: عندما ذهبنا نحن أبناء المغرب العربيّ إلى فرنسا للدراسة، كان لدينا اليقين بأنّ فرنسا تفتح لنا فضاءاتها كلّها لنتعلّم ونستفيد من نتاجها الحضاريّ الرفــيع، لكــنّ الرئيــس جورج بومبيدو، ألقى يوماً كلمةً يخاطب فيها شعبه: "علّموا هؤلاء القادمين من الشرق الأوسط اللغــــة والثقافة الفرنسيّتَين ليشتروا كلّ شيء فرنسيّ". يومها، كتب الكاتب إلى والدته قائلاً: "لا أريد أغطية أو بقلاوة أو مصاريف، أريد القبض على ذاتي؛ لأنّهم يصادرونني جهاراً في فرنسا"، طالباً منها كتباً عربيّة.

•نتائج الإفراط في الاستهلاك
من نتائج الاستهلاك المتزايد:

1- على الصعيد العائليّ: تفاقم الوضع الاقتصاديّ، ممّا يؤدّي إلى تفكّك الأسرة، إمّا بالطلاق لعدم القدرة على إشباع الحاجات الزائفة، أو بزيادة ساعات العمل للأب، ممّا يحرم الأولاد من قضاء الوقت معه وفقدان حلاوة الجوّ الأسريّ، وكذلك خروج الأمّ للعمل لتوفير مدخول أكبر لإشباع الحاجات المتزايدة، وما يترتّب على خروجها من آثار سلبيّة على عائلتها.

2- على الصعيد الاقتصاديّ: إغراق الأفراد في منتجات البضائع واستنزاف ثرواتهم بكلّ سهولة، وبقاء الفرد تحت عجزٍ ماليّ، حيث معدّل صرفه يفوق دخله، وهدر ثروات الأمّة وإبقاؤها تابعة إلى الدول المُنتِجة.

3- على الصعيد الاجتماعيّ: ضياع طاقات الأفراد وإبداعاتهم في توافه الأمور، وابتعاد الإنسان عن الأهداف السامية لوجوده.

4- على الصعيد الأخلاقيّ: تفاقم مظاهر الانحراف والجنوح من ازدياد حالات السرقة والطرق غير المشروعة للحصول على المال والابتعاد عن السلعة الطيّبة المصدر. فلتحقيق رغبات النفس المتزايدة، يقوم الفرد بأيّ سلوك يمكّنه من إشباع الحاجات اللامتناهية.

•علاج الاستهلاك المتزايد
لمعالجة الاستهلاك المتزايد، والذي بدوره يحقّق الترشيد، لا بدّ من اتّباع هذه الخطوات:

1- الاقتصاد في الإنفاق، حيث يقول الإمام عليّ عليه السلام: "ما عال من اقتصد"(1).

2- تحضير العامل الدينيّ الذي ينبذ الإسراف والترف بأشكاله كلّها، وتقديم حياة الأنبياء والأولياء والأوصياء كنموذج يُحتذى به.

3- أن يكون الاستهلاك في الحدّ الأمثل، فيمنع كلّاً من التقتير والإسراف.

4- اتّباع نمط الحياة الطيّبة التي وصفها الإمام القائد السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله بأنّها الحياة التي تقوم على السلعة الطيّبة التي نحصل عليها من خلال الكسب المشرّع أخلاقيّاً ودينيّاً.

5- ترك الأنانيّة والتفكير في الآخر لتحقيق مجتمع متكافل.

6- أن يكون معدّل الاستهلاك ضمن القدرة الماليّة للشخص.

7- زيادة الوعي الاقتصاديّ، وبيان حسنات استثمار الثروات بما يرجع بالخير على الفرد والمجتمع.

8- التربية السليمة، والتي تبدأ من أصغر نواة لمكوّنات المجتمع وهي العائلة؛ إذ إنّ النمط الاستهلاكيّ يتأصّل لدى الطفل منذ الصغر، ولا بدّ من وجود القدوة السليمة، وهنا يقع الدور على سلوك الأمّ الاستهلاكيّ، وخاصّة عند اصطحاب أطفالها إلى المراكز التجاريّة عبر تعويدهم أنّ الهدف من شراء السلع هو الحاجة إليها.

9- معرفة الأسرة لدورها ومسؤوليّتها في تنمية شخصيّة المستهلك الصغير الذي سيغدو يوماً كبيراً.

(*) باحثة في المجال الاجتماعيّ التربويّ.
1.نهج البلاغة، الإمام علي عليه السلام، الحكمة 140.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع