آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله

أحبّاؤنا... يخطفهم رصاص الموت

تحقيق: زينب صالح

 



رصاصةٌ تدفن بسمة طفلٍ، وأخرى تيتّم فرحة عائلة. واحدةٌ ترسل أمانيَ الشباب إلى السماء، وأخرى تَزرع الألم في الأرجاء. إنّها ليست الحرب التي تُقدَّر فيها المواجهة، بل هي ساحة الابتهاج الذي يكون سبباً في موتٍ أو إعاقةٍ أو حزنٍ أبديّ..
لا يغيب الرصاص عن مناسبات اللبنانيّين السعيدة والحزينة. يتمّ إطلاقه في تشييع الجنائز كما في الأعراس، وحتّى في مباريات كرة القدم المحليّة والعالميّة.


ولم تخلُ هذه المناسبات المتباينة من سقوط جرحى وقَتلى، في وقتٍ يبقى القاتل فيه مجهولاً، وسط دعوة رسميّة من الشخصيّات السياسيّة إلى وقْف هذه العادة المُميتة، ومعاقَبة أصحابها.
ندعو السعيدين برصاصاتهم أن يشاركوا أهل الضحايا دموعهم، التي هي نتاج رصاصاتهم.

* رصاصة خطفت فرحة أهلها
كانت "منى" (18 عاماً)، كبيرة المنزل ونديمة أمها، وصديقتها وأنيستها. تُلوِّن البيت في النبطية بألوان البراءة والشباب، وتنثر أحلامها زهوراً على عتبة أمٍّ انتظرت بفارغ الصبر عرس ابنتها، لتنعم ببسمات أحفادٍ يملؤون الدنيا بهجةً وحيوية.

لكنّ القدر المصنوع من أيادي بعض البشر، حال دون تحقيق أمنيات "منى" وأمّها، بل وغيّر مسار عائلةٍ بأكملها، كانت ترى جميع ألوان الحياة، فأمست لا تُبصر سوى صورٍ من ذاكرة، بالأبيض والأسود.

تقول "يمنى مرتضى"، والدة "منى": "كانت "منى" فرحة البيت، وكبيرة العائلة، طاهرة وبريئة، ودائمة السرور والابتسام. ولم أتخيّل يوماً أنّي سأفقدها هكذا، وبهذه السرعة". وتضيف: "في ذلك النهار الذي لا أنساه أبداً، أي 28 حزيران 2005م، كان ثمّة احتفال في مدينة النبطيّة، وكنّا نسمع الكثير من صوت الرصاص في الخارج، وكانت منى تشعر بالصداع الشديد، أعطيتها حَبّتيْ مسكّن، لكنّها لم تتحسن".

تستذكر الأمّ تفاصيل الحادث، كأنّه حصل بالأمس، وتقول: "سألتها إنْ كانت تريد أداء الصلاة قبلي، فأجابت: لا يا أمي، صلّي أنت، وأنا سأطلب من شقيقتي "جنى" أنْ تذهب بكوبٍ من الماء إلى بيت جارتنا كي تقرأ عليه بعض الآيات، علّ وجع رأسي يخفّ قليلاً، وسأنتظرها عند باب البيت".

وهذا ما حصل، وقفت منى تنتظر شقيقتها عند الباب، قبل أن تصرخ صرخةً هزّت فؤاد أمّها: "كنتُ أُنهي صلاتي عندما سمعتها تصرخ. ظننتها تصرخ من وجع رأسها، ثم سمعتها تصرخ مرة أخرى. ركضت إليها، كانت تفتح عينيها، وتنظر إليّ. أمسكت يدها، سألتها: هل يؤلمك رأسك إلى هذا الحدّ؟ لكنّها لم تجب".

لم تستوعب الأمّ ما حصل، وأنّ ابنتها توفّيت، ظنّت أنّها أغشي عليها، فنادت الجيران الذين تجمّعوا، لأخذها إلى المستشفى القريب. تتابع الأم: "صرت أوقظها في الطريق وأتكلّم معها، دون أن أستوعب حقيقة أنّها ماتت، حتّى وصلنا إلى المستشفى، فقلت للممرض إنّها كانت تعاني من صداع، فقال: إذاً أصابتها جلطة دماغية. صرخت به: ومتى تستيقظ؟ قال: الله يرحمها...

ماذا يعني هذا؟! هل ماتت؟! لا! كيف! هي لا تحزن على شيء ولا تتألم من شيء، فكيف تعتريها جلطة تودي بحياتها؟! ابنتي ما تزال في مقتبل عمرها، تنتظر فارس أحلامها، وأنا أنتظر منها أحفادي، فماذا تقولون أنتم؟" كان هذا لسان حال الأم، عندما أجمع الجيران أنّ الابنة قد فارقت الحياة.. عادت إلى منزلها لتجده مكتظاً بالناس، ثم طلبت منهم الرجوع إلى المستشفى: "علّني أصدّق عندما أراها مسجّاة دون حراك، أنّها ماتت".

لم تصدّق الأم خبر الجلطة الدماغية، حتّى لاحظت الممرّضة حرقاً صغيراً في ثوب منى، أُجريت على إثره صور شعاعيّة، بيّنت أنّ الشابة أصيبت برصاصة طائشة في قلبها، أفقدتها حياتها على الفور.

"يبتهجون، يطلقون الرصاص العشوائيّ الذي لا يعرف أحدٌ مغزاه، فنفقد بهجتنا إلى الأبد.. لن أسامح مَن كان سبباً في موت ابنتي أبداً". وتضيف "يمنى": "لو يعرف مطلقو الرصاص كم سبّبوا لنا من آلام! نحن وغيرنا من الضحايا، لتوقّفوا فوراً عن هذه العادة المميتة".

* رصاصة طائشة غيّرت مجرى حياته
لم يكن "محمد" يعرف، عندما قرّر تحدّي الظروف التي تلت عدوان تموز 2006م، والنزول إلى بيروت للاحتفال بالنصر، أنّه سيكون ضحيّة، لا لقصف عشوائيّ، ولا لقذيفة صهيونيّة، بل لرصاصٍ طائش.

كان ابن الأعوام الثلاثة عشر في ذلك الوقت يلوّح بالعلم، عندما رأى فجأةً الدماء تتساقط من يده "ظننت أنّ أحد أصدقائي يمازحني بآلة حادّة، لم أعرف ما الذي جرى، حتّى أكّد المسعف أنّه يجب أن أذهب إلى المستشفى، فرصاصة طائشة قد اخترقت يدي".

اخترقت الرصاصة مسافة 10 سنتم في يد محمد الذي بقي لشهرين متتاليين لا يستطيع الكتابة بها. "وبعد ذلك صرت أكتب بصعوبة بالغة، فأنا لا أستطيع استخدامها لوقت طويل، الأمر الذي ساهم في عدم إكمال مسيرتي الأكاديميّة حتّى النهاية".

ولم تكن جلسات العلاج الفيزيائيّ كافية لليد حتّى تستعيد نشاطها، فكانت عائقاً له في عمله، في ظلّ غيابٍ رسميّ لاستيعاب وضع الشاب العشرينيّ.

وعن طموحه وأحلامه، يقول: "لا أرسم أحلاماً بعيدة المدى، لأني أعيش على أرض الواقع، وأعرف مرارة الظروف وقساوتها، فأنا الآن لا أستطيع تأمين عمل ثابت لي بسبب يدي، وبالتالي كيف لي أن أتزوّج وأؤسس أسرة؟". على الرغم من ذلك يحمُد "محمّد" ربّه على هذا القدر من البلاء، ويتمنّى لو تُلغى هذه العادة السيّئة التي كانت سبباً في تغيير مجرى حياته.

* الموت المفاجئ صدمة كبيرة
كثيرةٌ هي القصص المأساويّة التي تقتُل أطفالاً وشباباً وشيوخاً، تُرسل الموت المفاجئ إلى العائلات، فتزرع الألم والحسرة إلى الأبد بسبب التهور واللامبالاة اللذين يسيطران على عقْل مطلقي الرصاص.

ففي الخامس والعشرين من حزيران عام 2005م، كانت عائلة علي عبد الله (49 عاماً)، على موعدٍ مع يُتْمٍ طرقت بابه رصاصة ابتهاج طائشة، لتخترق قلب أبٍ لديه ستة من فلذات كبده.

في ذلك النهار، تأخّر الرجل عن طرق باب المنزل والدخول لملاقاة أبنائه، ولم يكن السبب في ذلك انشغاله في عمله الجهاديّ، ولا ارتياده لدورة تدريبية تأخذ الكثير من الوقت المخصّص للعائلة، ولا بسبب دوامه في محالّه التجارية، بل لأنّ أحد المبتهجين أصرّ على خرق القوانين ومخالفة تعليمات السلامة، فأطلق الرصاص عشوائيّاً في الهواء، ما أدى إلى غياب مجاهدٍ عن ساحات عمله وميدان تضحياته.. غياب زُرع في القلب لتشهد عليه أزهار الفَقد إلى الأبد.

كان "علي عبد الله" يدخُل حارته، متوجّهاً إلى بيته، عندما سمع الجميع صوت إطلاق رصاص، وما بين هرج ومرج ركض أولاده ليتبيَّنوا ويعرفوا ما الخبر.

تقول ابنته "صفاء": "عندما وصل إخوتي، عرفوا أنّ أبي أُصيب بالرصاص وأنّ الناس قد حملوه وأخذوه إلى المستشفى. قالوا لنا إنّ والدكم بخير، وإنّه أصيب في يده". وتضيف: "خبر الموت المفاجئ صدمة كبيرة. لا يعرف الآخرون كيف يخبرون أهل الضحيّة به. لكن، سرعان ما جاء مجموعة من الرجال إلى بيتنا، ليؤكدوا ما شعرنا به، وأنّ والدنا قد فارقَ الحياة".

وعن أثر هذه الرصاصة، تقول الابنة: "كان أبي حنوناً جداً، خدوماً ويعطف علينا وكان يملأ البيت حياةً، وكنا جميعاً نحتاج إلى وجوده.. بعد الحادثة، تغيّرت الدنيا التي كنّا نعيش فيها، أصبحنا أيتاماً، بسبب رصاصٍ طائشٍ لا أكثر. كان لدينا أربعة محال تجاريّة، أقفلناها لأنّنا لم نستوعب فكرة رحيله؛ فعائلتنا فقدت سندها ومعينها..".

عندما تسمع صفاء صوت إطلاق الرصاص، تشعر أن خطراً ما يهدّد حياة وقلوب الكثيرين "تشاجرتُ ذات مرةٍ مع شخص أطلق رصاصة في الهواء ابتهاجاً. قلت له إنّ هذه الرصاصة قد تقتل أمّاً أو أباً أو طفلاً... إنّها مآسٍ حقيقيّة يتسبب بها أهل اللامبالاة والطيش، ولا يشعر بوقعها المؤلم إلّا مَن ذاق من علْقمها كأساً".

وسْط الفوضى، يظلّ القاتل مجهولاً، يتنقّل في أرْوقةِ حياته، ربّما دون أن يعرف أنّه قاتل، ودون أن يستشعر بأنّه تسبّبَ في إزهاق روح وزَرع حزنٍ عميق لا يَمحوه تَتابُع الأيام، وليبقى الأمل الصارخ، في قلوب جميع الضحايا، بتطبيق العقاب الفوريّ، ومَنع أحزان مفاجئة من ارتياد قلوب البشر، لا لشيء سوى... رصاص من عقل طائش.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع