الشيخ بلال حسين ناصر الدين
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9)، وقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «النظر في وجه العالم حبّاً له عبادة»(1)، وكذلك ورد في دعاء الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام : «أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني»(2).
يتأكّد لنا ممّا ذكرنا مقام العلماء وفضلهم، وهو ما يستتبع وجوب توقيرهم واحترامهم على قدر هذه المكانة التي حفظها لهم الإسلام. وكلّما كان المرء أشدّ إيماناً، كان أشدّ توقيراً لهم، بحيث يراهم دعاة إلى الخير ومبلّغين لرسالة الله تعالى، ومرشدين للناس إلى طريق الحقّ والصواب، وحرّاساً لمبادئ الإسلام. وليس أدلّ على رِفعة دورهم في كلّ ذلك من كلام الإمام عليّ الهادي عليه السلام في قوله: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلّا ارتدّ عن دين الله»(3). وعلى قدر عظم دورهم ومكانتهم تلك، يحفظ المؤمن لسانه عن النيل منهم، ويتحرّز من كلّ لفظ أو موقف قد يوهن مكانتهم أو يسيء إلى مقامهم، إدراكاً منه أنّ الإساءة إليهم إنّما هي إساءة إلى الدين نفسه، فهم كما يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: «مظهر الإسلام، إنّهم مبيّنو القرآن، إنّهم مظهر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم»(4).
ولأنّ للعلماء هذا الدور العظيم في تقويم حركة المجتمع الإسلاميّ، وفي مواجهة كلّ من يطمع بمقدّرات الأمّة أو يسعى إلى النيل من وحدتها، فقد عمد الأعداء إلى استهدافهم عبر التاريخ من خلال تشويه صورتهم والنيل من هيبتهم في نفوس الناس، بهدف زعزعة العلاقة الوثيقة التي تربط الأمّة بهم، إذ كانوا وما زالوا يرون في هذه العلاقة قوّة وحصناً يحفظانها من مطامعهم، ويقفان حائلاً دون الوصول إلى مراميهم في استغلال مقدّراتها.
وممّا ينبغي التنبيه إليه هو ضرورة الحذر من تتبّع عيوب العلماء، خاصّة في الجلسات العامّة أو في وسائل التواصل الاجتماعيّ، فقد يقع أحدهم في هفوة ما، أو ربّما في ما يُشتبه بكونه حراماً أو مخالفاً لتوجيهات الإسلام، وهو في الواقع ليس كذلك، فيقوم بعضهم بالحديث عن ذلك، وقد يصل الأمر إلى هتك ذاك العالم، وهذا ممّا لا شكّ فيه من المحرّمات التي نهى عنها الإسلام، لأنّ فيه انتهاكاً لحرمة المؤمن، فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَطلُبوا عَثَراتِ المؤمنينَ؛ فإنّ مَن تَتَبّعَ عَثَراتِ أخيهِ تَتَبّعَ اللّه عَثَراتِهِ، ومَن تَتَبّعَ اللّه عَثَراتِهِ يَفْضَحْهُ ولو في جَوفِ بَيتِهِ»(5). فإذا كان الأمر كذلك تجاه كلّ مؤمن، فكيف بمن يزرع سوء الظنّ بالعلماء عبر التعرّض لهم؟!
كما يتبادل الكثيرون الحديث عن فلان أو فلان، من دون تثبّت ولا تبيّن، ومع ذلك، يتعاملون مع ما هو مشكوك في صحّته معاملة اليقين، فيطلقون أحكامهم، ويضعون حرمة الآخرين وكرامتهم على مذبح الغيبة والنميمة والبهتان. وإنّ ذلك كلّه لشيء نكر، يفكّ عرى إيمان صاحبه، ويعرّضه للمساءلة الكبرى بين يدي الله، لأنّ حرمة المؤمن عنده سبحانه عظيمة. وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى الكعبة فقال: «مرحباً بالبيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله؟! والله، للمؤمن أعظم حرمةً منك»(6).
1. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، مج 1، ص 64.
2. من دعاء أبي حمزة الثمالي، مفاتيح الجنان، الشيخ القمّي، ج 1، ص 262.
3. بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 2، ص 6.
4. من كلام لسماحته بتاريخ 23-2-1978م، صحيفة النور، ج 4، ص 93.
5. الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 355.
6. ميزان الحكمة، الشيخ الريشهري، ج 1، ص 205.