مع الإمام الخامنئي | يا شعب لبنان الوفيّ نور روح الله | الوعي بوصلة المؤمنين قيم علوية| انشغل بعيوبك! تسابيح جراح | لن يقرب اليأس منّي أولو البأس | الخيام مقبرة غولاني الشهيد على طريق القدس عارف أحمد الرز («سراج)» تشييع السيّد يومٌ من أيّام الله طوفان المحبّين على العهد لن تأخذوا أسرارنا من صغارنا تذيع سرّاً تسفك دماً

الفكر الكلاميّ عند السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره

السيّد د. عليّ جواد فضل الله
 

توزّع العمل في الفكر الكلاميّ عند السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر قدس سره على مساحات مهمّة وأساسيّة من نتاجه الفكريّ والتنظيريّ في الجوانب الاقتصاديّة والسياسيّة والفقهيّة والفلسفيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة. أمّا منطلقاته في الكثير من تلك الموضوعات فكانت عقائديّة، وغاياته أصوليّة إسلاميّة، في مقابل المدارس والرؤى والأفكار غير الإسلاميّة.

* نقض النظريّات الاقتصاديّة
وضع السيّد الشهيد قدس سره الأسس النظريّة للاقتصاد الإسلاميّ عبر تقديم الشواخص والمميّزات الخاصّة به والمختلفة عن غيره من آراء ونظريّات اقتصاديّة. كما نقض البُنى النظريّة والمذهبيّة التي يقوم عليها الاقتصاد الاشتراكيّ والشيوعيّ والرأسماليّ؛ بغية تمتين المذهب الاقتصاديّ الإسلاميّ.

* إثبات المعارف الإسلاميّة
إنّ تقديم النظريّة الإسلاميّة على خلفيّة عقائديّة، وفي مختلف المجالات المعرفيّة والعلميّة، سواء منها الفلسفيّة أم الاجتماعيّة أم الاقتصاديّة أم السياسيّة...، والدفاع عنها كمعطى دينيّ، مقابل النظريّات والمذاهب الأخرى، لهو عمل كلاميّ بامتياز، بحيث عمل السيّد الشهيد قدس سره على إثبات المعارف والحقائق الإسلاميّة، وتبيانها بأسلوب منطقيّ ومنهجيّة علميّة، وأنّ الدين قادر على إنتاج نظام للحكم يواكب الزمن وتطوّره.

* أهميّة العبادات
كذلك أعطى الصدر قدس سره بعداً كلاميّاً فلسفيّاً للمجال الفقهيّ العباديّ عندما تحدّث عن طبيعة العبادات الثابتة التي لها أهميّتها بما تمثّله من علاج ثابت لحاجات ثابتة لا تتبدّل، كالحاجة إلى الارتباط بالمطلق، وتجاوز الذات والدوافع الشخصيّة.

* كرامة الإنسان وموقعه المتميّز
تعرّض الصدر قدس سره أيضاً إلى موضوع الإنسان في سياقات وموارد متفرّقة، مركّزاً على أهميّة الإنسان وكرامته ودوره وموقعه الوجوديّ المتميّز عن المخلوقات كافّة. وكذلك تناول المشكلة الاجتماعيّة الحضاريّة للإنسان، وأراد تقديم الحلّ الإسلاميّ المناسب لها مقابل ما قدّمته المدارس الفكريّة المعاصرة من رؤى، وخاصّة الرأسماليّة والشيوعيّة، مبيّناً عدم جدواها في معالجة مشاكل الإنسانيّة، ومعتبراً أنّ الحلّ يكمن في الإسلام من خلال موازنته بين الدوافع والمصالح الفرديّة من جهة، والاجتماعيّة من جهة أخرى.

* الردّ على المدرسة الديالكتيكيّة
لقد ردّ السيّد الشهيد قدس سره على المدرسة الماديّة الديالكتيكيّة التاريخيّة، بحيث عمل على تفكيك عراها ومرتكزاتها الفكريّة ومنطلقاتها العقائديّة، التي رأى أنّها لا تثبت أمام النقد الموضوعيّ وميزان العقل والعلم. كما قدَّم عرضاً علميّاً وفلسفيّاً يفنّد فيه الرؤية الماديّة للكون ومرتكزاتها وقواعدها العلميّة والفكريّة، مبرهناً في الوقت ذاته على النظرية الإسلاميّة المقابلة، التي ترتكز على المبدأ الإلهيّ التوحيديّ للعالم والوجود. هذا إضافة إلى نقده للماديّة التاريخيّة في تفسيرها وفلسفتها لطبيعة التاريخ ومحرّكاته.

وكذا نالت الأصول الاعتقاديّة حيّزاً مهمّاً من طرح السيّد الصدر قدس سره الكلاميّ، نشير إليها في ما يأتي:

1.الاستدلال على وجود الله
للسيّد الصدر قدس سره مقاربته الخاصّة ومنهجيّته الرائدة في موضوع الربوبيّة والاستدلال على وجود الله تعالى، من خلال المنهج الاستقرائيّ. إضافة إلى رؤيته المتميّزة في التعاطي مع موضوع الألوهيّة والتوحيد، ودعوته إلى استنزال عقيدة التوحيد من قوالبها الفكريّة المجرّدة حتّى تلامس الواقع الحياتيّ المعيش. فعقيدة التوحيد عند الصدر قدس سره تعلّمنا أن نتعامل مع صفات الله وأخلاقه لا بوصفها حقائق منفصلة عن واقعنا الاجتماعيّ والفرديّ كما تعامل معها الكلام التقليديّ أو فلاسفة الإغريق مثلاً، وإنّما بوصفها رائداً عمليّاً وهدفاً لمسيرتنا العمليّة، فالله تعالى يغدو –هنا– حاضراً ومحرّكاً وموجّهاً وضامناً ومصحّحاً لأفعال الإنسان وسلوكه.

2. العدل الإلهيّ والإصلاح
انطلاقاً من ذلك، جاءَت رؤيته للعدل الإلهيّ وأهميّته في عمليّة إصلاح المجتمع والبناء الفرديّ للإنسان، إذ إنّ ميزته تكمن في منحاه الاجتماعيّ، وفي أنّ له أيضاً خاصيّة تربويّة توجيهيّة للمسيرة البشريّة في سيرورتها نحو خالقها.

3. إثبات النبوّة
بهذه المقاربة كان عمل الصدر قدس سره في بحث النبوّة، إذ اتّسم بالتجديد في العديد من مسائله وموارده. ويأتي في جملة ذلك المنهجيّة الاستقرائيّة، التي تفرّد فيها في استدلاله على النبوّة، والتي خلص من خلالها إلى قاعدة عامّة أسّس عبرها الدليل على إثباتها. وقد رأى أيضاً أنّ النبوّة جاءت كضرورة إنسانيّة تربويّة واجتماعيّة تُصلح النزاع القائم بين المصلحة الفرديّة والاجتماعيّة.

4. المعاد والجانب السلوكيّ
المعاد عند السيّد الصدر قدس سره له انعكاس تهذيبيّ وتربويّ تظهر آثاره جليّة في واقع الإنسان الروحيّ والنفسيّ؛ إذ إنّه يحلّ التناقض بين المصلحة الشخصيّة والاجتماعيّة، ويغيّر في مفهوم الإنسان عن الحياة ومُتعها.

5. الإمامة: منهجيّة فلسفيّة تحليليّة
كانت للصدر قدس سره مقاربة جديدة في الاستدلال على الإمامة، فقاربها من خلال منهجيّة تاريخيّة – سياسيّة لجهة ما جرى حول قضيّة «فدك»، ودراسة الواقع الاجتماعيّ وظروفه وملابساته، وتسليط الضوء على شخصيّة الإمام عليّ عليه السلام وعلاقته بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومدى تناغمها مع منطق الرسالة ومصالحها.

كما درس سيرة الأئمّة عليهم السلام وحقيقة دورهم وطبيعة تجاربهم في واقع الحياة الاجتماعيّة الإسلاميّة، وخلص إلى أنّ لهم وحدة هدف حاكمة على جميع أدوارهم وأعمالهم المتنوّعة، وهي الحفاظ على سلامة الرسالة ونقائها والوقوف في وجه عوامل الانحراف والتضليل. وقد اعتمد في دراسته مقاربة فلسفيّة تحليليّة معمّقة، قائمة على منهجيّة موضوعيّة عقليّة وتاريخيّة واجتماعيّة ونفسيّة، بعيداً عن السرد التاريخيّ. كما قارب موضوع الإمامة من خلال الرؤية القرآنيّة في بحثه التحليليّ حول «خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء».

* التأصيل النظريّ الفلسفيّ للغيبة
اتّخذت قضيّة المهدويّة طابع التأصيل النظريّ الفلسفيّ، ليخرجها من نطاقها المذهبيّ إلى فضاء الفكر الأمميّ العالميّ، فجعلها فكرة إنسانيّة عامّة تنطوي عليها الفطرة البشريّة. كما أجاب السيّد الشهيد قدس سره عن جملة تساؤلات وإشكالات جوهريّة وعميقة أثارها العلماء والمفكّرون قديماً وحديثاً، وفقاً لما يقتضيه المنطق العقليّ البسيط والوجدان البشريّ السليم. وقد اتّبع الصدر قدس سره في عمله هذا آليّات ومنهجيّات متنوّعة، فلسفيّة ومنطقيّة ونفسيّة واجتماعيّة وتاريخيّة ودينيّة؛ بغية تأصيل المسألة وتجذيرها.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع