مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

حكايا الشهداء: في عيدك أمّي.. أجمل هديّة


(آخر لحظات قمر الاستشهاديّين)
أروى الجمّال


جاءت الشمس على استحياء تداعب وجهه النورانيّ، وتدفئ روحه العابقة بالشوق. ابن العشرين عاماً، وما أجمله من ربيع العمر! قمر الاستشهاديّين. استوقفه الحاج مهديّ بسؤال: "هل انتظرتَ الإذن طويلاً؟"، نظر إليه مع ابتسامة، قائلاً: "طلبتُ هذا الأمر أوّل تفرّغي، أي قبل سبعة أشهر، وكنتُ أنتظر الموافقة على أحرّ من الجمر. فالجهاد نعمة علينا اختصّنا الله بها، وعلينا انتهاز الفرص". سأله الحاج مهدي عن شعوره، فضحك قائلاً: "شعور لا يوصف لا شكل ولا رسم؛ كما أنّ الوجع لا شكل له ولا رسم، فإنّ الشعور في هذه الحالة أيضاً لا يوصف". ابتسم، وأعطاه زهرة الأقحوان، مكملاً وصيّته، بعدما ارتدى قميص الشهيد "ملاك" العسكريّ، وربط على جبهته عصبة مكتوباً عليها: "يا قدس، إنّنا قادمون".

"إلى أهلي الأعزّاء الصامدين في الشريط الحدوديّ المحتلّ: بعد قليلٍ من هذه الكلمات، إن شاء الله، سيُصبح جسدي ناراً تُحرق المحتلّ الصهيونيّ، الذي يُمعن كلّ يومٍ وكلّ لحظةٍ في تعذيبكم، ويظنّ أنّه يذلّكم، ولكن هيهات! نهايته إن شاء الله قريبةٌ على أيدي مجاهدي المقاومة الإسلاميّة"! 

•وداع دون عودة
التقينا بالحاجّ مهديّ أحد المصوّرين الأساسيّين في الإعلام الحربيّ على مدار سنيّ المقاومة، منذ بداية التسعينيّات، حيث كانت له صولات وجولات مع المجاهدين في ثغورهم، ووثّق لحظاتهم الأخيرة في الميدان، وقد كان اللّقاء للحديث عن مهمّته الخاصّة، التي أوكلت إليه في شهر آذار 1996م، وكانت غاية في السرّيّة؛ بحيث اقتضى أن يكون بمفرده، بعدسته فقط، برفقة الاستشهاديّ علي أشمر (ذو الفقار)، وبحنينٍ يجتاح كيانه، تتحدّث على لسانه الذكريات: 

"كانت إحدى مهامي في الإعلام الحربيّ تصوير وصايا الشهداء والاستشهاديّين، والعمليّات النوعيّة. كانت هذه المهمّة جزءاً لا يتجزّأ ‏من العمل الجهاديّ، لما لها من ‏الأثر البالغ ما بعد الشهادة. وأذكر في تلك الأيّام أنّه كان معي ‏عدسة بدائيّة جدّاً، لا تحمل مواصفات فنيّة عالية، إلّا أنّها كانت تفي بالغرض". يضيف: "كانت مهمّتي تسجيل اللّحظات الأخيرة للأخوة قبل الانطلاق إلى مهامهم الجهاديّة. وهذه اللّحظات كانت تختلف كثيراً عن غيرها، بالنسبة للاستشهاديّ علي أشمر، إذ كان لها وقع خاصّ؛ لأنّه ذاهب في عمليّة استشهاديّة؛ لذلك كان الوداع وداع الفراق الأبديّ، وداعاً دون عودة. يومها، كان عليّ هادئاً ووجهه يشعّ نوراً، بحيث يجعلك تنسى أنّك تحمل عدسة وتصوّر، لا شيء سوى أنّك ترصد لحظات ساحرة، جذبة من جذبات النور الإلهيّة في وجهه". 

•قل لي كيف أصل!
ونحن نعيده بالذاكرة إلى تلك اللّحظات التي لم تغب عن باله أبداً، صار يصفها، والحديث للحاج مهديّ: "كانت صلاته ببطء وهدوء وتأمّل. كنتُ قد سجّلتُ له الوصيّة في الطبيعة حتّى أكسر الروتين، فلاحظت أنّ ثمّة لغة خاصّة بين ذي الفقار وبين أزهار الأقحوان، فسألته: منذ متى وأنت تنتظر هذه المهمّة؟ فقال لي: لم أنتظر طويلاً، سبعة أشهر فقط وجاءت الموافقة. وعلى عجل جهّزتُ نفسي وتمّ تحديد المكان والهدف". 

"هنا استوقفته خارج التسجيل، وسألته بحيرة: لكنّك ما زلت شابّاً، لماذا كلّ هذه العجلة؟! فقاطعني قائلاً: (أنا مرتاح كثيراً). ولكنّني لم أقتنع، وأخبرته بشعوري عندما كنت أشارك في أيّ عمليّة يمكن أن أعود منها سالماً، فأكون مرتاحاً. ثمّ قلت له: ولكنّك لن تعود! فكيف يمكن أن تكون مطمئناً ومرتاحاً جدّاً إلى هذه الدرجة؟! ما هو شعورك في هذه اللّحظة؟! قل لي كيف أصل إلى ذلك الشعور".

•بكبسة زرّ فقط
يكمل الاستشهاديّ حديثه للمصوّر وهو بكامل هدوئه، وبمعنويّات عالية، قائلاً: "كلّ واحد منّا لديه روح الاستشهاد، ولكن علينا أن نفتّش عنها"، وأكمل: "هل تعلم أنّها من أهون العمليّات؛ لأنّك في العمليّة العاديّة يمكن أن تنزف وتشعر بالألم، ولكن في العمليّة الاستشهاديّة، بكبسة زرّ واحدة فقط، تجد نفسك انتقلت من حياة إلى حياة، ولا تشعر إلّا أنّك أصبحت في جوار الحسين عليه السلام".

•ابتسامةٌ وضّاءة
يكمل الحاجّ مهدي حديثه عن الاستشهاديّ عليّ أشمر، ويصفه: "كنتُ أراه ضاحكاً مستبشراً، وكنت كلّما أحاول أن أساله عن وجدانه، كان يغيّر الحديث ويسبقني هو بسؤالي عن يومياتي، وكان ذلك يزيدني تعجّباً، فسكتُّ لبرهة، وبادرتُه قائلاً: أنت ملهمي يا ذو الفقار، إلّا أنّ ردّه الدائم والوحيد كان تلك الابتسامة الوضّاءة".

•شوقي سبقني
يتابع المصوّر الحاجّ مهديّ حديثه الهادئ الذي كان ينساب انسياب الذكريات عن عليّ أشمر: "مع أنّ عمليّته كانت أصعب من العمليّات الاستشهاديّة الأخرى؛ لأنّه أوّل من حمل العبوات وفجّرها بجسده، ولكن هذا لم يكن عائقاً أمام عليّ العاشق لإمام زمانه عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي كانت تربطه به علاقة خاصّة جدّاً، وقد خصّه بمقطع في وصيّته معتذراً منه:

"سيّدي يا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، كم كنتُ أتمنّى أن تكون شهادتي بين يديك المباركتين! ولكن طول غيبتكم وشوقي إلى سادتي ومواليّ، آبائك البررة، حال دون انتظاري أكثر من هذه المدّة، فأسأل الله أن يعطيني بشهادتي هذه أجر شهادةٍ بين يديك المباركتين".

يكمل مهديّ حديثه، قائلاً: "هنا طلب منّي أن أوقف التصوير، وعدنا أدراجنا".

•حيّ على الجهاد
"اجعلوا الوضوء قبل المشاركة في المعركة ضروريّاً كحملكم للسلاح؛ لأنّ اليد التي تتوضّأ وتُقاتل، لا يمكن أن تُهزم"، من وصيّة الاستشهاديّ علي أشمر.

"حيّ على الصلاة"، قالها وكبّر. كان من المقرّر أن ينجز عمليّته لدى مرور دوريّة للعدوّ الإسرائيليّ، ولمّا لم يفعل، تواصل معه الإخوة عبر الجهاز، فأجاب: "كنتُ أصلّي صلاتي الأخيرة، وتلك القافلة سوف تعود"!

وفعلاً، عادت، يتقدّمها جيب قياديّ، واكتملت المهمّة. وكان عليّ كما قال الأمين العامّ سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) في ذكرى تأبينه: "حين قال إنّه لم ينفّذ العمليّة، ليس لأنّه في غفلة أو تردّد، بل لأنّه كان مشغولاً بالصلاة، وقد جاء وقتها".

•هديّة عيد الأمّ
على مقربة من فلسطين الحبيبة، الواحدة وخمس وأربعون ظهراً، وعلى مرأى عيون أهله المعذّبين في الشريط المحتلّ، ظهر يوم الأربعاء الموافق لـ 20/3/1996م، وبمناسبة عيد الأمّ، أهدى عليّ نفسه لأمّه في عيدها، وهي التي ربّته وغذّته من حبّ عليّ عليه السلام، وكانت قد توفّيت وهو في سنّ العاشرة، فالتقت روحه بروحها بعد فراق طويل! انقضّ عليّ على موكب قياديّ للعدوّ الإسرائيليّ بالقرب من الحدود، حيث كان متوجّهاً من مستعمرة "مسكاف عام" إلى العديسة فالطيبة، وكان عليّ ينتظر عودته، حيث استطاع، على الرغم من كلّ الإجراءات الأمنيّة، أن يصل إلى قريته العديسة، وينفّذ مهمّته بنجاح. دمّر الموكب، موقعاً أفراده بين قتلى وجرحى.

لقد طال الانتظار طويلاً، وكان اللّقاء بالمعشوق الأوحد، وكأنّي بعليّ يناجي ربّه في اللحظات الأخيرة: "إلهي، هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك". وفعلاً، كان فيض النور الإلهيّ جاذباً لكلّ من يرى محيا عليّ قبيل ارتقائه.

•أوصيكم...
من كلمات الاستشهاديّ علي أشمر: "سيّدي ومولاي: عاهدتك أن أمضي حاملاً دمي على كفّي في سبيل الله، أمازجه بتراب جبل عامل، كما امتزجت دماؤكم الزكيّة بتراب كربلاء المقدّسة، إنّه لشرف لي أن أكتب كلماتي هذه إليكم، وهي النداء الأخير.

اجعلوا صور الشهداء على مرّ العصور أمام أعينكم، واسعَوا إلى تحقيق الأهداف التي استشهدوا من أجلها، والبقاء على خطّهم المبارك".

كانت تلك وصيّته الأخيرة التي سجّلها برفقة المصوّر الحاج مهديّ، حيث كان له طلب خاصّ، وحول ذلك يختم الحاجّ مهديّ حديثه: "كان لوصيّة الاستشهاديّ صلاح غندور عام 1995م أثر معنويّ عميق عند المجاهدين، برز جليّاً لدى الاستشهاديّ علي أشمر، حين طلب منّي أن تكون الخلفيّة عند تسجيل وصيّته صورة الشهيد (صلاح)، معتبراً نفسه أنّه أكمل طريقه. وفعلاً، وضعت صورة الاستشهاديّ صلاح خلفه، وكان له كلمات خاصّة عنه".

ماذا قال الاستشهاديّ عليّ أشمر عن الشهيد صلاح غندور؟ وماذا حصل مع "صلاح" في لحظاته الأخيرة؟ تتمّة الحديث للحاج مهديّ في العدد المقبل، فانتظرونا.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع