منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات حسن نصر الدين


شهيد الدفاع عن المقدّسات حسن محمود نصر الدين (أمجد)
نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: حنان شعلان.
محلّ الولادة وتاريخها: جبشيت 1/8/1989م.
الوضع الاجتماعيّ: متأهّل وله ابنة.
رقم السجل: 82.
مكان الاستشهاد وتاريخه: سوريا 2/5/2013م.


كماءٍ رقراق يشقُّ طريقه هوينى في الساقية، كان حسن يتنقّل في أزقّة جبشيت الضيّقة، يقطف من ماضيها صوراً يزيّن بها حاضره. من الطين المتمرّد على أحجار الحيطان القديمة، إلى الأدراج الصغيرة، فالملعبِ والمسجد، وكأنّه يلاحق كلّ أطياف الماضي بفضولٍ لا يهدأ.

وللمسجد قصّة أخرى؛ فوالده كان يأخذه معه للصلاة وهو طفل صغير، يلعب بين المصلّين بهدوء، ويقلّد الكبار، ويحفظ من والده ما يتناهى إلى سمعه من تمتمات الصلاة. وكان يُلفت نظر أبيه بهدوئه، وأسئلته التي ظنّها مجرد فضول طفل صغير، غير أنّها كانت مداميك لحياةٍ، مرت كالحلم الجميل تاركة الشجى في الحلق.

* رجل البيت
حسن، الصبيّ البكر بين خمس فتيات، تربّى في بيتٍ مجاهد، وبيئة مقاومة، وقرية كانت نقطة ارتكاز المجاهدين، وكأنّ الماءَ والهواء والتراب نفخت فيه الروح، فألان الله له الحديد، يوم نادى المنادي أن حيَّ على الجهاد، فكان من الملبّين.

عاش حسن حياة أبناء المجاهدين، الذين كانوا ينتظرون آباءهم أيّاماً وأسابيع، يقلّبون أيّامهم ولياليهم بصمت وصبر واحتساب، ولا يعرف أحد ماذا يدور بين تلك الجدران في ظلّ غياب الأب، وكيف يسكن قلوب قاطنيه القلق الدائم، حتى تستكين بطَرَقات باب. ولهذا، تحمّل حسن المسؤوليّة مع أمّه وهو صغير جدّاً، فدلّ ذلك على رغبته بتحرير نفسه من قيد العمر، وصار يتعامل مع ما حوله على أنه أكبر.

أثناء غياب والده، كان حسن "رجل البيت"، بكلّ ما لتلك الكلمة من معنى؛ هذه وصيّة والده له قُبيل انطلاقه إلى عمله، مع تذكيره بالانتباه إلى أمّه وأخواته. فكان حسن يذهب لشراء الأغراض، ويساعد في تأمين الماء، ويشتري ما تطلبه أخواته حتّى لا تخرج إحداهنّ من البيت. أمّا في حال اضطرّوا للاتّصال بوالده، فكانت تقوم أمّه بتشغيل جهاز اللاسلكيّ، ويبدأ حسن بمناداة والده. وفي يوم كان حسن مريضاً بشدّة، بسبب التهاب حادّ في الحنجرة، فسألته أمّه إن كان يستطيع مناداة والده، حتّى يقلّه إلى المستشفى، فأومأ إليها بالإيجاب، وتحامل على نفسه حتّى تحدّث مع أبيه.

* شغفٌ بعالم الجهاد
عندما يعود والده إلى المنزل، تنبت أجنحة الفرح في قلب حسن، ويصير كالعصفور الصغير يتنقّل بين يدي والده ويحوم حوله، يتحادثان ويتسامران، كصديقَين مقرّبين، ويترافقان إلى المسجد للصلاة جنباً إلى جنب، ويأنس كثيراً بالسهر معه قرب موقد ذكريات الجهاد القديمة، أيام الشيخ راغب حرب والمجاهدين الأوائل، وهو الشغوف بمعرفة كلّ تفاصيل حياة الشيخ راغب، فتراه يسأل بلا ملل، ويبحر في سرد القصص، ليصطاد منها ما يملأ به سلّته.

لم يستحوذ شيء على اهتمام حسن إلّا السلاح، وملأت قلبه حماسة المعارك الوهميّة التي أدارها مع جنوده الصغار، فكان يقود الدبّابات، ويقصف بالطائرات، كلّ ذلك بهمسٍ، لا يسمعه أحد، فهو قلّما كان يصدر ضجيجاً، إذ اتّخذ منحى الهدوء والمسالمة، حتّى وإن تعرّض لأذيّة، اكتفى بالابتعاد. انتسب حسن إلى الكشّافة، بعد أن أقنعه والده أنّه لن يستطيع الالتحاق بأيّ دورة عسكريّة، ما لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره. واستفاد من هذه الفترة بتثقيف نفسه دينيّاً وعقائديّاً، وفتحت الكشّافة له نوافذ جديدة، أغنت روحه التوّاقة إلى المعرفة، فصار يقضي أوقات فراغه بالقراءة، خصوصاً في ما يتعلّق بالشهيدين القائدين الشيخ راغب حرب والسيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليهما).

* أولى التجارب
بين المدرسة والكشّافة والمنزل، طوى حسن أيّام طفولته حتّى التحق بأولى الدورات العسكريّة، التي كانت مجهدة لناحية الغياب الطويل، والجهد والتعب، إلا أنّه صمد. وهذا ما أهّله لاحقاً للالتحاق بدورات عدّة بمستويات مختلفة. وقد أصرّ في حرب تمّوز 2006م، على البقاء في القرية لمساعدة المجاهدين رغم صغر سنّه.

* الفتى الزاهد
عاش حسن عمره منذ الصغر وحتّى الاستشهاد زاهداً بكلّ شيء، فلا يُذكر أنّه حرص على الحصول على شيء ماديّ أو سعى إليه، أو امتلك شيئاً. وعلى مرّ السنين وتبدّل الأيّام، حافظ على الكثير من التفاصيل التي تنمّ عن أصالة تديّنه وأخلاقه، فلم يرافق يوماً رفيق سوء، بل انتقى من توافق مع روحه.

على الرغم من حنانه اللافت وحساسيّته تُجاه أمّه، إلّا أنّ تصرّفاً ما كان يستوقفها؛ فلم يُكسر أو يُفقد شيء إلّا طلب منها أن تقول: "فداءً لحسن"، ولا يتركها قبل أن تقول ذلك، ويخبرها أنّ الدنيا زائلة وجميعنا أموات، وعليها أن لا تحزن على خسارة شيء.

* خبر مفرح
أنهى حسن السنة الثانية من المعلوماتيّة الفنيّة، وكان قد بدأ العمل كمتعاقد في اختصاصه، إذ كان جاهزاً للعمل مباشرة لإنهائه العديد من الدورات قبل وقتها، وعقد قرانه وبدأ يحضّر بيته الزوجي.

وفي يوم قلب خبرٌ كيانه، إذ علم أنّ والدته حامل، وقد خاف كثيراً عليها بسبب وضعها الصحّيّ، فنذر أن يذبح خروفاً؛ لإطعام الأيتام. ولمّا عرف أنّ الجنين صبيّ، طار من الفرح، ولكن ليس للسبب الذي ذكرته أمّه، أنّه سيكون لديه أخ سند يعتمد عليه، بل لأنّه سيخلّصه من صفة "الوحيد"، وقد مازح أمّه ضاحكاً: "خرّبلي كلّ شي هالصبي، صار لازم أطلع مرابطة".

* قطف الزرع
تزوّج حسن ورُزق بابنة، وكانت حرب الدفاع عن المقدّسات في بداياتها، فالتحق بالجبهة، وأوكلت إليه مهامّ صعبة وسرّيّة، إذ إنّ التكفيريّين كانوا يُحكمون سيطرتهم على القرى، فدخل ورفاقه في مهمّات شبه استشهاديّة، وقاتلوا وجهاً لوجه، وكانوا يتنقّلون بين الرصاص، ويلاحقون فلول الأعداء، الذين ولّوا فراراً، حتّى أنّهم وجدوا النار ما زالت مشتعلةً تحت قدور الطبخ، في بعض المنازل التي هرب منها المسلّحون لتوّهم.

حان وقت قطاف ما زرع في أيّام من عمره. ومن يعرف حسن، يدرك أنّه لا يطيق البقاء في هذه الدنيا؛ لأنّه اختار منذ صغره أن يكون من أهل الآخرة، وما من شيمة الكرام التأخّر عن تلبية نداء الجهاد.

استشهد حسن أثناء مواجهة في وقتٍ متأخّر، والغريب أنّ والديه، وأخواته، وزوجته، شعروا جميعاً أنّه قد استشهد، وقد خرج والده في ذلك الصباح الباكر إلى الحديقة، بعد ليلة لم يذق فيها طعم النوم، وجلس يراقب الطريق، حتّى توقّفت سيّارة أمام منزلهم وترجّل منها من يعرفهم؛ ليخبرهم بما أقضّ مضاجعهم اللّيلة الماضية، وعلموا أنّ حسن قد نال جائزته.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع