هكذا عشقتُ الخمينيّ قدس سره تعزية: الشيخ فضل مخدِّر: وداعاً رجل العلم والأدب(*) أسرتي: زوجتي تحبّني بصمت أول الكلام: أمّ البنين تفاءلوا.. تنجوا كيف تفكّر بإيجابيّة؟ التفاؤل والتشاؤم: نظرة دينيّة مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت

ذكرى القائدَين.. عهدٌ ووفاء(*)

سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)


في فجر الثالث من كانون الثاني سنة 2020م، كانت شهادة القائدَين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس. وهي حادثة كبيرة ومُفجعة، ستبقى خالدةً في ‏التّاريخ، بحجمها، وعظمتها، ومظلوميّتها، والدّماء التي سُفكت فيها، وأيضاً بتداعياتها وآثارها ونتائجها ‏على المنطقة كلّها.‏

وفي هذه المناسبة، نُجدّد عزاءنا لسماحة السّيد الإمام الخامنئيّ دام ظله، ولمراجعنا الكرام، ‏ولحوزاتنا العلميّة، ولأمّتنا الإسلاميّة، وبالخصوص لعائلتيهما الشّريفتين والكريمتين. وأسأل الله سبحانه وتعالى لهما الرّحمة وعُلوّ الدّرجات.‏

* الوفاء للقادة الشهداء
الوفاء قيمةٌ إنسانيّةٌ وفطريّة؛ لأنّ الإنسان ‏بطبيعته مفطور عليه، وهو قيمة أخلاقيّة لا تحتاج إلى استدلال، وقيمة دينيّة مُجمع عليها.‏

الوفيّ عندما يمارس الوفاء، فإنّ النفع يعود عليه، في الدّنيا والآخرة. إنّ مَن تُعبّر عن وَفائك له، ‏قد لا يكون بحاجة إلى وفائك، كالشّهداء في عالمهم العظيم ‏الذي انتقلوا إليه في جوار الله سبحانه تعالى، هم في غنى عن وفائنا، ولكن عندما نكون أوفياء ‏لعظمائنا، ولشُهدائنا، وللمضحّين في أمّتنا، وللمدافعين عنّا، وللمخلصين في تحمّل مسؤوليّتنا وقضايانا، إنّما يعود هذا الوفاء بالنّفع علينا، وعلى شعوبنا، وعلى أولادنا وأحفادنا، في الدنيا و‏الآخرة.‏

اليوم، ثمّة واجب وفاء تُجاه هذَين القائدَين الكبيرَين، وبالخصوص تُجاه القائد الحاج قاسم سليمانيّ؛ ‏لامتداده في العديد من السّاحات، ولمن يمثّلان وما يمثّلان. فكيف نُترجم هذا الوفاء للشهداء؟ ‏

1- أن لا نُنكر فضلهم ومعروفهم. 

2- أن نَعترف بفضلهم وبمعروفهم؛ لأنّه من الممكن أن لا ينكر أحدهم فضلهم، ولكنّه لا ‏يقرّ بذلك، ويسكُت. ‏

3- أن نَذكرهم للنّاس، وللعالم، ولشعوبنا، ولأجيالنا، وللتاريخ، وأن نُعرّف بهم، وبتضحياتهم، ‏وبإنجازاتهم. 

4- أن نكرّمهم، ونحترمهم، ونقدّر تضحياتهم، بالأشكال المختلفة للتكريم وللاحترام.

* شكرهم واجب
من سلوكات الوفاء إذاً، أن نَشكرهم على ما قدّموا، وعلى ما ضحّوا، وعلى ما بذلوا، علناً، وأن نقول لهم: ‏شكراً لكم. شكراً للحاج قاسم سليمانيّ القائد الشّهيد. شكراً للحاج أبي مهدي المهندس القائد الشّهيد. ‏شكراً للشّهداء. شكراً لكلّ من يُمثّلهم هؤلاء القادة الشّهداء؛ لما قدّموا لشعوبنا وبلداننا ومنطقتنا ‏وقضايانا من تضحيات. هذا الشّكر واجب. 

الله تعالى الغنيّ عنّا وعن عبادتنا وعن شكرنا، يُطالبنا بأن نشكره، بقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7).‏ فلشكر النّعمة وللامتنان للفضل والمعروف آثارٌ عظيمة جدّاً حتّى في الدّنيا. صحيح أنّ من يقف إلى ‏جانبك يقوم بواجبه، ولكن حينما تشكره، ويجدك وفيّاً له، وصادقاً معه، ومُعترفاً بفضله، سوف ‏تكون حماسته وإقدامه وجدّيته واندفاعه لمساعدتك ودعمك والدفاع عنك والوقوف إلى جانبك ‏أكبر. هذه طبيعة البشر.‏

* من مظاهر الوفاء
بدءاً من السّاعة الأولى لهذه الحادثة العظيمة حتّى اليوم، شَهدنا مظاهر كبيرة ‏وعظيمة ومهمّة من الوفاء، مثلاً: في الجمهورية الإسلاميّة في إيران، كان مستوى التّفاعل الشعبيّ مع الحادثة والتأثّر بها كبيراً، في استقبال جثامين ‏الشّهداء، وفي تشييعهم، الذي كان تشييعاً تاريخيّاً، ويُمكن أن يُقال: إنّه أعظم تشييع ‏في تاريخ البشريّة. 

وما إعلان الجمهوريّة الإسلاميّة، ‏وعلى لسان سماحة الإمام الخامنئي دام ظله، الحاج قاسم سليمانيّ بطلاً قوميّاً لإيران، إلّا مظهرٌ من مظاهر الوفاء لهذا الشهيد البطل.

طبعاً، هذا درس لنا جميعاً في كيف يجب أن نتعاطى مع شهدائنا وقادتنا الشّهداء، وكيف يجب أن ‏نُكرّمهم، ونَحترمهم، ونرفع ذكر أسمائهم، ونُمجّدهم، و‏نعترف بفضلهم، لا أن نَنقسم حولهم، ونتشظّى عنهم. 

كذلك ما شهدناه في العراق، في البلد الذي ارتفعت فيه هذه الدماء الزكيّة، وارتُكبت فيه هذه الجريمة الشّنعاء، كذلك في ‏اليمن، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، والبحرين، وباكستان، والهند، وتركيا، وفي العديد من الدول الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، في فنزويلا، وفي عواصم أخرى من العالم.‏

* الصديق الصدوق أثناء الاجتياح
في لبنان، نحن معنيّون بأن نَذكر ونَعترف ونَشكر ونُقدّر من وَقف معنا منذ اليوم الأوّل لاجتياح العدوّ الإسرائيليّ للبنان عام 1982م، الذي كان يهدّد باحتلال الأراضي اللبنانيّة كلّها، وأن يستهدف دمشق أيضاً، وكانت إيران حينها مشغولةً بالحرب المفروضة عليها من قِبل نظام صدّام حسين، ومن خلفه طواغيت العالم والمنطقة، ومع ذلك، لم يَترك الإمام الخمينيّ قدس سره لبنان ولا سوريا. كانت مصلحة إيران آنذاك في أن يبقى قادتها وجنودها وسلاحها في جبهة الدفاع عنها؛ لأنّها كانت معزولةً ومحاصرةً من العالم كلّه. أَرسل الإمام الخمينيّ قدس سره وفداً رفيع المستوى من القادة العسكريّين، والحرس، والجيش إلى دمشق، والتقوا بالمسؤولين السوريّين. ولكن بعد ذلك، تبيّن أنّ الزحف الإسرائيليّ توقّف عند الشريط المحتلّ آنذاك؛ أي البقاع الغربيّ وجبل لبنان والمناطق التي سيطر عليها في 1982م، ولم تعد باقي الأراضي اللبنانيّة مُهدّدة، ولم تتعرّض سوريا للاجتياح، فبدأت المرحلة الثانية، وهي مرحلة المقاومة، فبقي جزء من القوّات الإيرانيّة، وبالتحديد من الحرس، لمساعدة اللبنانيّين وتدريبهم وتقديم الدعم لهم لمقاومة الاحتلال. ومنذ عام 1982م، كان أهمّ داعم للمقاومة في لبنان، هما: إيران وسوريا. 

* مقتضى الوفاء في لبنان
عندما نتحدّث عن الوفاء، فمن الطبيعيّ جدّاً أن نُحيي هذه الذكرى وهذه المناسبة في لبنان، وأن نُسمّي بعض شوارعنا ومياديننا وساحاتنا ومحميّاتنا الطبيعيّة، وبعض مؤسّساتنا باسم الحاج قاسم سليمانيّ، أو باسم الحاج أبي مهديّ المهندس؛ لأنّ الشعوب التي تحترم نفسها ولديها حضارة وثقافة وقيم، هكذا تتعاطى مع شهدائها، الذين كانوا إلى جانبها ودعموها. 

نحن أمام ثلاثة أصناف من الناس: الصنف الأوّل: عدوّ ومتآمر وشريك في دمائنا، وفي احتلال أراضينا، وفي انتهاك مقدّساتنا. والصنف الثاني: يَتركك ويَخذلك ولا يمدّ لك يد المساعدة ولو بكلمة. والصنف الثالث: الذي يُساعدك ويَدعمك، ويَقف إلى جانبك، ويُدافع عنك، ويُعرّض نفسه للخطر، ويُقدّم الشهداء. لا يجوز أن نُساوي بين هذه الأصناف الثلاثة؛ لا يقبل العقل ولا الأخلاق ولا الدين ولا الفطرة الإنسانيّة، ولا المنطق، بذلك. 

نحن في لبنان لا يمكن أن نساوي بين من دعمنا بالموقف والمال والسلاح، واستشهد معنا، وحَضر معنا في الأيّام الصعبة، وأَعاننا لتحرير أرضنا وأسرانا، وجَعلنا قوّة ردع في مواجهة العدوّ، وبين من تآمر على لبنان في 1982م. لا يمكن أن نُساوي بين من فرح لانتصارنا في حرب تمّوز، وبين من حَزن بسبب ذلك الانتصار. واليوم أيضاً، لا يمكن أن نساوي بين من يقف إلى جانب لبنان وإلى قوّته؛ ليستعيد نفطه وغازه ويحمي أرضه وسماءه، ويواجه أيّ أخطار أو تهديدات مستقبليّة، وبين من يتآمر على لبنان ويحاصره ويمنع المساعدات عنه.

* الحاج قاسم رمز عالميّ
نحن نُقدّم الحاجّ قاسم عنواناً عالميّاً، ورمزاً للتضحية والفداء والإخلاص والوفاء، للدفاع عن المستضعفين والمظلومين، من مسلمين وغير مسلمين. فالحاج قاسم سليمانيّ، في معركته كلّها وفي حياته كلّها، لم يُدافع عن الشيعة فحسب، بل دافع أيضاً عن السنّة والمسيحيّين في فلسطين وسوريا والعراق وأفغانستان وفنزويلا، وأيّ دولة أو شعب يُمكن أن يُحاصر أو يُستضعف أو يُتآمر عليه.

هذه المميّزات الشخصيّة والمتنوّعة تُؤهّله ليكون رمزاً وبطلاً عالميّاً، يَحتذي به جميع المناضلين والمقاومين والمجاهدين في هذا العالم، وإلى جانبه رموز كبيرة جدّاً: أبو مهدي المهندس في العراق، الحاج عماد مغنيّة والسيّد مصطفى بدر الدين في لبنان، والشهداء في سوريا، وفي فلسطين، وفي اليمن، وفي ساحات أخرى، هؤلاء رموز، أبطال وطنيّون وقوميّون في بلادهم وفي أُمّتهم. والحاج قاسم سليمانيّ كان حاضراً بقوّة وفاعليّة في هذه الساحات كلّها؛ لذلك يجب أن يُقدّم بحقّ. ونحن هنا لا نُضخّم هذه الشخصيّة، ولا نريد تحويلها إلى أسطورة؛ لأنّها في الحقيقة هي كذلك، حتّى إنّ كلّ ما كُشف عمّا قَام به الحاج قاسم سليمانيّ، وشخصيّته، وجهاده، وسهره، وتعبه، وتضحياته، وإنجازاته كلّها في كلّ الساحات، هو نزرٌ يسير أمام ما قدّمه.

 

(*) من كلمة سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) بذكرى استشهاد القائدَين سليمانيّ والمهندس بتاريخ 03/01/2021م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع