مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

تسابيح جراح: عبقٌ من أريج الشهادة


لقاء مع الجريح المجاهد طاهر سميح حسين (محمّد حسين)
حنان الموسويّ


أقفر العمر والمسافات شتّى. وصل التكفيريّون إليّ، هرعوا مسرعين والغبطة تملؤهم، تقدّموا منّي لأسري، الغنيمة الكبرى أمامهم، لن يضيّعوا الفرصة مطلقاً. كان هادي العبد الله مراسلهم يدلّ عليّ بأنّي جريح حزب "اللات"، بهذا التعبير البغيض، كنتُ الصيد الثمين! قام أفغانيٌّ بمحاولة سحبي. تاه ظلّي ورائي في الوقت الذي كان المقاومون يشنّون هجوماً لمنعه من ذلك، ودار اشتباكٌ عنيفٌ أدّى إلى تراجع المسلّحين. وبحجّة أنّي ثقيل الوزن، ابتعد عنّي الأفغانيّ، لكنّه اصطحب معه سلاحي الـBKC. سمعي الوحيد الذي حافظت عليه، حين كنت جاثياً ملقياً رأسي على يديّ، بينما باقي حواسي كانت غائبةً بسبب كمّ الوجع الهائل الذي أذهلني عن كلّ ما حولي، لم يرافقني كثيراً، بعد أن غيّبني النزف عن الوعي.

 * عبق العشق
نشأت في جوٍّ يعبق بحبّ حزب الله؛ انتسبت صغيراً إلى كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تدرّجت فيها حتّى صرت قائداً، ومنها انضممت إلى صفوف التعبئة. خضعت لمجموعة دورات، وكان اختصاصي رامي مدفعيّة أرضيّة. اندلعت الحرب، فذهبت إلى ريف القصير، وبدأ المسير في خطّ الجهاد.

طُلب منّا القيام بمهمّة عسكريّة أمنيّة؛ التوغّل وسط نقاط العدوّ لزرع عبوةٍ ناسفة في نقطة تجمّعٍ للتكفيريّين، ذاك الكمين هدف لإيقاع العدد الأكبر منهم في منطقة "أبو حوري". 

* حكاية الإصابة
مزرعة الصفصاف كانت نقطة الانطلاق. دار اشتباك قويّ بيننا وبين التكفيريّين، الذين كانوا يحتمون في خندقٍ عميقٍ، ويرمون الرشقات في الهواء. وقع الإخوان في الكمين وتأزّم الوضع. كانت الطلقات تأتينا بشكلٍ جانبيّ، فلاحظت أنّ القنّاص يختبئ خلف الخزّان. صببتُ جام غضبي عليه. نفدت ذخيرتي وذخيرة المقاومين معي؛ لذا بدأنا بالانسحاب الواحد تلو الآخر. مسدّسي الشخصيّ كان في حوزتي، لقّمته احتياطاً لأيّ طارئ. كنت أمسّد حيرتي وأضع خطّة انسحابي، حين عاجلتني طلقة أصابت الصخرة أمامي، فلقتها نصفين فانبطحت أرضاً، حتّى هدأت النيران قليلاً. سحب الجرحى أنفسهم، وحين جاء دوري، هممت بالقيام لحمل سلاحي، ما إن ارتفعتُ عن الأرض قليلاً، حتّى شعرت أنّ رأسي قد انفجر؛ صدعٌ من الألم أجهدني، قُطعت أنفاسي، والطنين استقرّ في سمعي. رحتُ أسابق قلبي؛ لأبلغ ما تشتهيه نفسي، جثوتُ على ركبتيّ، ردّدت الشهادتين وسلّمت على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، بعدها هويت أرضاً. 

* رحلة وجع
مسافة الموت ما بيني وبين دمي باتت صفراً، حجم الوجع لا يمكن تأويله. اخترقت الطلقة عيني اليمنى ففقدتها، وجُرحت عيني اليسرى فجمد الدم عليها. فقدت الرؤية بضعَ دقائق، ثمّ حاولت مناداة المسعف رغم صعوبة ذلك، فالطلقة الثانية أصابت فكّي السفليّ واستقرّت فيه، أمّا الثالثة فبترت إصبع يدي. ولأنّ الوضع خطيرٌ لم يستطع المسعف تلبيتي. غبتُ عن الوعي مدّة. خطّت السماء احتضار المسافة، بعدها عاد سمعي ومعه أصوات التكفيريّين قربي، مراسلهم يصوّر تقريراً عن معارك "جيش الفاروق وجبهة النصرة" ضدّ "الجيش النظاميّ وحزب الله". سمعت أسماءهم وحفظتها. تهادت على أدمع الذاكرة صورة أمّي، ومع كلّ قطرة دمٍ سالت منّي، كانت أفكاري تنزل حافيةً بلا أقدام. وعلى مرمى من الفوضى، مرّ وقتٌ هيّن وجاء الدعم. بدأ الاشتباك، فابتعد التكفيريّون عنّي. طال الأمر ساعات حتّى عثروا عليّ مع أحد الشهداء، حين أجبت على نداء الجهاز، فطلب منّي صديقي أن أرفع يدي كي يحدّد موقعي ففعلت.

هرع إليّ المجاهدون وقاموا بسحبي. حملني شابٌّ، وبين شفاه الوحي عانق أنفاسي المثخنة. أسرع بي نحو الإسعاف، وفيها نُقلت إلى مشفى ميدانيٍّ حيث ضمّدوا جراحي، ومنه نُقلت إلى مشفى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في بيروت، حيث مكثت مدّة شهر.

خضعتُ لثلاث جراحات متتالية لعيني، وأخرى لاستخراج الطلقة التي أصابت فكّي، ومعها الشظايا في وجهي، وجراحة أخرى لإصبعي الذي بُتر. 

* على جفن الحبّ
تقبّل والداي الخبر باصطبارٍ وسعادة، فمواساة أهل البيت عليهم السلام قولاً لا تكفي. فرحا بأن قدّما قرباناً على جفن الحبّ. قاما بخدمتي طيلة فترة رقودي في المشفى، وبعد خروجي منها.

تابعت علاجي مدّةً طويلة، خصوصاً أنّي فقدت أسناني، وزراعة الأسنان تحتاج إلى وقت، وقد فاق مجموع جراحات الفكّ الستّ جراحات. معاناة الألم المتواصل لا تنتهي، كما أنّي وضعت عيناً زجاجيّة بدلاً عن التي فقدتها.

تزوّجت عام 2018م. فخورٌ جدّاً بشريكة حياتي، التي تعي جيّداً معنى أن تقترن بجريح، وتسعى للتقرّب من الله عبر التودّد إليّ ورعايتي، وقد رُزقت منها بطفلٍ أسميته "مهديّ".

بعد الإصابة دخلت الجامعة، ودرست السنة الأولى من اختصاص العلوم السياسيّة. كما أنّي أعمل متطوّعاً في اختصاصٍ أحبّه.

من أبرز هواياتي ممارسة رياضة الملاكمة KickBoxing، أمارسها ولكن بشكلٍ مخفّف مخافة أن تتأذّى عيني. 

* بعض عطشٍ
أولى الصور التي حضرتني عند إصابتي كانت مشاهد كربلاء التي تضجّ بالعشق والإخلاص لله، خصوصاً بعد أن تيبّس الدم على شفتَيّ وجفّ ريقي؛ بعضٌ من عطش الإمام الحسين عليه السلام تسلّل إليّ فعشته.

وُفّقت لزيارة المشاهد المقدّسة في العراق عام 2018م، زرتُ أئمّتي عليهم السلام عارفاً بحقّهم، معترفاً بفضلهم وتضحياتهم، هم الذين قدّموا أنفسهم وعيالهم كي نحيا بعزٍّ وكرامة.

* صلابةٌ وجلدٌ
زادتني الجراح يقيناً وصلابةً وإصراراً كي أتابع حياتي متمسّكاً بهذا الخط الشريف، وسأعلّم أولادي ضرورة انتهاجه ونصرته. 

أشكر الله أنّ جراحي قرّبتني من الله أكثر، فكرّمني وقدّرني بتلك الأوسمة العظيمة. ما أشبه اليوم بالأمس! سياسة يزيد الظالمة والماحقة للدين وأهله، تُعاد على يد الدواعش، مشروعها الأمريكيّ الصهيونيّ، الذي يريد القضاء على الدين المحمّديّ الأصيل، وتشويه نقائه وطهارته. 

* إلى كلّ القلب
لسماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله): من لثغات أحرفي أناجيك، أيّها العشق الممزوج في رئتَيّ، قائدي وموجّهي، وأقول لسماحتك: لأنّنا على حقّ، لا نأبه لحصارٍ أو دمارٍ. نحن على جهوزيّة تامّة لنتّبعك يا سيّدنا، نخوض غمار المشقّة معك، ونواجه الموت بالموت. ما يهمّنا هو ديننا وكرامتنا، وأن نمهّد للظهور المرتقب للإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

يا سيّدي! لا طيّب الله لنا العيش بعدك. أسأل الله أن يقطف من أعمارنا أيّامها، وأن يزيد في عمرك الأقدس. 

للجرحى أقول: من رحيق الكلام أسأل الله لكم الصبر على ما أصابكم، أنتم الشهداء الأحياء، أجركم مضاعف فقد نلتم ما ناله الشهداء، ومع كلّ وجعٍ تعيشونه أو يخالط أجسادكم يزداد ثوابكم. هذه الجراح تزيد جلادتنا على صعوبة هذه الحياة. إصابتي بسيطة مقابل إصابة باقي الجرحى. أقبّل أياديكم وأقدامكم لتحمّلكم وصبركم على الأسى.

للمجاهدين في حزب الله: دماء شهدائنا يجب أن تصان. هي عهد الراحلين الذي أُهرق كي نحيا بعزٍّ وفخار، ولها كرامةٌ وشأنٌ عند الله، فيجب الحفاظ عليها، وإكمال الدرب الذي عُبِّد بالأحمر القاني. عقيدتنا أن نحافظ على سلاح المقاومة بالأرواح، وأن نتابع الطريق.

 
 
 
الجريح: طاهر سميح حسين.

الاسم الجهاديّ: محمّد حسين.

تاريخ الولادة: 6/12/1989م.

مكان الإصابة وتاريخها: ريف القصير 16/2/2013م.

نوع الإصابة: فقدان العين اليمنى، مع بتر إصبع.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع