مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله


حوار: نور رضا


لكلّ منهم حكاياته وقصصه، بعضهم يدفعنا إلى البحث خلفه لنتحسّس العشق الإلهيّ الذي يعرفونه جيّداً ونجهله نحن. تعود ذكرى الشهداء في يوم الشهيد، كما في كلّ عام، وتعود معها باقةٌ من الأشجان ومشاعر العزّة.
في هذا العام، انتقينا في مجلّة "بقيّة الله" الحديث عن شهيدٍ صامت، هادئ المحيّا، هادي الاسم، لكنّ شهادته كانت صفعةً في وجه أعداء كثر؛ لتضيف عهد صدق لمقاومة، يقدّم أسيادُها أبناءَهم.. شهداء.

مضى 23 عاماً على تحليق طائر أيلول، الذي تساءل عنه كثيرون: كيف كان يعيش؟ ولمَ اختار طريق الجهاد في حين لديه أفضل خيارات الحياة؟ من هناك تحديداً كانت شهادته نصراً آخر.

عن الشهيد هادي نصر الله، عن سرّه وهدوئه وصمته، وبركات شهادته على الأمّة، وحنين قديم لأخوته، وعن تلك الأناشيد العذبة، التي طالت مشاعر كلّ أخ وكلّ أبّ، كلّ أم في مسيرة المقاومة، وعن شهدائها وبطولاتها، وعن هذه الثقافة، عن هادي الشهيد الذي لا ينطفئ حبّه ولا تموت ذكراه، يحدثنا أخوه السيد جواد نصر الله.

•حرارة الشوق تترجمها الكلمات
هو الأخ والصديق، فكتب الأخ لأخيه ما كتب، لكنّه لم يذكر اسم "هادي" ليتشارك الشعر والمشاعر والأحاسيس مع كلّ أخ شهيد، فيشعر أنّها تحاكي ذلك الأخ الذي أسلم روحه لله وقضى بطلاً. هكذا كانت الحكاية مع "أخي مضى". لكلّ ما كتب السيّد جواد عن الأخ الهادي حكايتُه. فموهبة الكتابة هديّة من الله تعالى، ولكنّ البداية كانت مع هادي الشهيد، فكتب السيّد جواد لأخيه الأناشيد، إذ فجّرت حرارةُ الشوق العشقَ وصنعت منه كلمات وألحاناً.

"أبي كان يكتب الشعر فيما مضى، وجدّي الحاجّ مصطفى كان أيضاً يكتب الشعر الفصيح، وكان أستاذ تدقيق لغويّ، معروفاً في قناة المنار وإذاعة النور. لكنّ هادي كان دافعي الأساس لأنطلق بالكتابة".

"ازرع طريق العود ريحاناً" لها قصّتها أيضاً. يضيف السيّد جواد: "كانت علاقتي به قويّة جدّاً، وسريرانا في الغرفة متلاصقين. كنت كلّما نظرت إلى السرير رأيته خالياً. فقد أشعل غياب جسده الطاهر في ذلك الوقت ألسنة لهب في قلبي، فلم تكن الوديعة قد استُرجعت بعد. كنت أخلد إلى النوم كلّ ليلة، وفي قلبي حرقة وغصّة. بعد مرور فترة على شهادته زارني في المنام، وقال لي: (إذا استمررتَ بالبكاء لن آتي لزيارتك بعد اليوم)، وفعلاً لم يعد بعدها لزيارتي في عالم الرؤيا. إلّا أنّني وقبل شهر من عمليّة التبادل تقريباً سمعت صوته في عالم الرؤيا يقول لي: (أنا آتٍ إليكم في الخامس والعشرين من الشهر الحاليّ)، وهي ليلة وصول جثمانه مع باقي الجثامين المباركة للشهداء إلى المطار في عمليّة التبادل. هذا الصوت الذي سمعته لا لبس فيه أبداً، وكأنّه كان يجلس إلى جانبي ويخبرني بقدومه، وهذا ما دفعني إلى كتابة قصيدة (ازرع طريق العود ريحانا). بدأت بكتابتها ونقّحتها، وكانت تجمعني صداقة مع الشباب في فرقة الإسراء وفرقة الولاية، فقمت بتنفيذها مع الأخ يوسف كمال وشباب فرقة الإسراء الذين قاموا بتسجيلها".

•أكبر من عمره
عن صفات الأخ الأكبر، يقول السيّد جواد: "إنّ هادي هو الهادي (صاحب الهدوء والطِّيبة). وكان مرحاً وصاحب الأفكار؛ مبتكراً، يملأ أوقات فراغنا. بعض ما كان يقوم به في تلك السنّ لم يكن يخطر على بال أخلّائه ومَن هم في عمره. على سبيل المثال، ابن السنوات السبع كان لا يخرج من المنزل ويذهب إلى السوق، قاطعاً مسافة ما يزيد على ثلاثة كيلومترات عن المنزل، أمّا هو فكان يفعل ذلك. كنّا نذهب لنتمشّى في السوق في بعلبك لنعود من بعدها إلى المنزل. وهو من كان يحفظ الطريق طبعاً. كانت سرعة البديهة بارزة في شخصيّته، وكانت تصرّفاته أكبر من عمره، وتنمّ عن وعي وإدراك".

•طفولة جميلة
ينساب الحنين إلى الطفولة حين يُذكر اسم هادي: "عشنا طفولة جميلة. كنّا نعيش في بعلبك ومنطقة الأوزاعي، وكنّا نلعب مع أولاد الحيّ والجيران. طبعا كان تردّدنا إلى قريتنا (البازوريّة) قليلاً بسبب الاحتلال الإسرائيليّ، وكنّا نذهب أحياناً مع جدّي وجدّتي فقط. كانت لعبة المقاومة لعبتنا المفضّلة، كنّا نصعد الجبال ونلعب هناك، وكنّا نلعب في البيت أيضاً، فنشكّل المتاريس بالوسادات.

يضحك السيّد جواد، ويسرد الأحداث بلهجة جنوبيّة، وكأنّه يستحضر تلك اللحظات: "كنّا نذهب مع أصدقائنا لنلعب كرة القدم، وكنّا نلعب بشراسة، فيلعب بعضنا ضدّ بعض، أنا في فريق وهادي في الفريق الآخر، ويا لحظّي السيّئ إن قرّرتُ أنْ آخذ الكرّة منه!".

•لن تميّزه عن غيره
"أينما كان يحلّ، لن تستطيع تمييزه عن الإخوة على أنّه ابن الأمين العام"، يتابع السيّد جواد: "هادي لم يكن ترابيّاً فقط، بل كان عفويّاً، يمازح الجميع والابتسامة دائماً مرسومة على وجهه، وكان إنساناً إيجابيّاً جدّاً، وصاحب قلب طاهر ونظيف، محبوباً ومحبّاً".

•العلاقة بالعائلة
كان الشوق دائماً سيّد المواقف، خاصّة عند عودة السيّد هادي من غياب بضعة أيّام أو أكثر بسبب العمل. "أذكر جيّداً كيف كنت أعانقه بشدّة، في كلّ مرّة يعود فيها من العمل". يقول السيّد جواد: "كانت كلمته مسموعة، وكنّا نحترمه؛ لأنّه الأكبر سنّاً بيننا". أمّا عن علاقته بالوالدة، فيقول السيّد جواد: "كانت علاقته قويّة جدّاً ومميزّة بوالدتي، كيف لا وهو الابن البكر؟ والبكر دائماً ما يكون مميّزاً لدى الأهل، خاصّة لدى الأمّ. كان حنوناً وخدوماً إلى أقصى الحدود، وكان صاحب همّة عالية، فيساعدها في أعمال المنزل، وينجز مهامّ عدّة، كغسل الأطباق والتنظيف". وعن علاقته بوالده سماحة الأمين العام السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)، يقول السيّد جواد: "إن لم أكن مخطئاً، كان هادي يقول: (أفضّل الموت على أن أكسر كلمة أبي). مهما كانت الرغبة في داخله، لم يكن ليخالفه يوماً".

•إيران القلب
"كان يعبّر عمّا في قلبه بالعمل والتطبيق. ذات يوم، أقامت المدرسة احتفالاً في ذكرى انتصار الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة، وأذكر أنّه رسم صورة الإمام الخمينيّ قدس سره المشهورة وهو ينزل من الطائرة، ولم يتجاوز عمره يومها الـ 13 عاماً، وأذكر أيضاً أنّه شارك في معارض عن المقاومة الإسلاميّة، فشاركنا في صناعة مجسّم معاً". وعن علاقته بإيران الثورة، يقول السيّد جواد: "هي كعلاقة المجاهدين بها، بأنّها إيران الثورة الإسلاميّة، وإيران الإمام الخمينيّ قدس سره القدوة. وكان يحبّ الإمام كثيراً ويراه القائد، ونحن تربّينا على الولاية، وحبّ الإمام الخمينيّ قدس سره، والاقتداء بالثورة الإسلاميّة". يتابع السيّد جواد قائلاً: "كان الشهيد هادي يحبّ اللغة الفارسيّة ويكتب بالخط الفارسيّ المعلّق. كان أيضاً يشتري المخطوطات المكتوبة بالخط الفارسيّ (نستعليق)، وقد تعلّم القليل من اللغة الفارسيّة عندما شارك في إحدى الدورات التدريبيّة".

•دعاءٌ وبندقية
وعمّا إذا كان للسيّد هادي ذكر أو دعاء يفضّله ويميّزه، يقول السيّد جواد: "على ما أعتقد، كان لديه علاقة خاصّة بدعاء مسجد السهلة: (إِلهي قَدْ مَدَّ إِلَيْكَ الْخاطِىءُ الْمُذْنِبُ يَدَيْهِ بِحُسْنِ ظَنِّهِ بِكَ)، وكان يحبّ مناجاة الإمام زين العابدين عليه السلام". مع ذلك القلب المرهف، كان العمل العسكريّ كلّ حياته ووجوده، فكما يعبّر السيّد جواد: "كان يحزن إن لم يكن له نصيب من العمل في بعض الأحيان لأسباب خاصّة، ولم يكن ليستسلم لذلك أبداً، والدليل هو دخوله إلى مناطق الاشتباك في الفترة الأخيرة. أغلب من عرف هادي من رفاق درب الجهاد كان يكبره بالعمر، وقد استشهد أكثرهم وكان متأثّراً بهم، وهم بدورهم كانوا شديدي الحبّ له".

يستذكر جواد: "ذهبنا ذات يوم لزيارة جدّتي أمّ حسن، والتي كان هادي شديد التعلّق بها، وفي الطريق قال لي: (ليس هناك من شيء يستحقّ أن نعصي الله لأجله). وكان يحدّثني عن محاور القتال، وكم لها فائدة عليه، فهي كانت فرصة للتفكّر وتصفية القلب وتطوير العلاقة مع الله. كانت علاقته مع الله مبنيّة على الحبّ والشوق، وهي تُترجم بطريق الشهادة، التي كان يطلبها ويتمنّاها، فهي لم تأتِ إليه محض صدفة".

•"ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت"
السيّد هادي كأخلّائه الشهداء أحياءٌ يُرزقون. وعن علاقته به بعد شهادته يقول السيّد جواد: "أراه في عالم الرؤيا من وقت لآخر، ودائماً أراه أنّه هنا بيننا. رأيته في المنام مرّةً فطلبت منه أن يصف لي عالمه، فقال لي حرفيّاً: (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). إنّه هناك فعلاً، في أرقى وأجمل الأماكن، فهو عند ربّ كريم. وكجميع أهالي الشهداء، ندعو الله أن يمنّ علينا بطول العمر، ونراه ممّن يعودون مع المولى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع