مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

وصال (4): شرح وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ

الشيخ أبو صالح عبّاس


"إلهي! أيّها الحبيب، لقد تخلّفتُ لسنواتٍ عن القافلة، وقد كنت دوماً أدفع الآخرين إليها، لكنّي بقيت متخلّفاً عنها، وأنتَ تعلم أنّي لم أستطع أبداً نسيانهم، فذكراهم وأسماؤهم تتجلّى دائماً ليس في ذهني وحده، بل لوعةً ودموعاً في قلبي وفي عينَيّ".

•الشوق إلى قافلة العاشقين
إنّها قافلة العاشقين التي لطالما جال الحاجّ قاسم بين مقاعدها، وهو يعاين وجوه إخوانه الشهداء؛ الحاجّ محمّد همّت، الحاجّ يوسف اللهي، الحاج جعفر زاده، وغيرهم. الشهداء الذين خاطبهم ذات يوم قائلاً: "لقد رحل الغيارى، لقد رحل الوالهون، وبقيت أنا الوردة ذات الأشواك التي لم يؤذن لها بالرحيل".

يتحدّث الحاجّ قاسم عن قافلة الشهداء، ويبدي الشوق إلى وجوههم الملائكيّة، والحرقة لتخلّفه عنهم، وهو الذي كان يحرّضهم على الجهاد، ويتقدّمهم على خطوط التماس، وكم دنت كأس الشهادة من شفتَيه الظامئتين، بل كم أصابه من شهدها في بدنه، ويده، وعينه، ووجهه، في كلّ مرّة تعرّض فيها للجراح.

•"أحرقني، وأمتني بفراقك"
بلوعة الذكرى هذه، يخاطب ربّه قائلاً: "يا أيّها الحبيب! لقد تخلّفت...". وكما تحثُّ الأمّ الحنون ولدها العازب على الزواج معلّلةً له إصرارها بتقدّمها في السنّ، أخذ الحاجّ يخاطب ربّه قائلاً: "يا حبيبي! جسمي يوشك على أن يعتلّ ويمرض، كيف يمكن أن لا تقبل مَن وقف على بابك أربعين سنة؟ يا خالقي! يا محبوبي! يا معشوقي الذي لطالما طلبت منه أن يغمر وجودي بعشقه! أحرِقني، وأمِتني بفراقك". وهو يبدي بذلك خوفه من ميتة الفراش، وخشيته من أن تحول العلل دون الخوض في مغامرة اصطياد عنقاء الشهادة، ثمّ يتّكئ على رجائه وأمله بربّه الذي لا يضيع عنده أجر المحسنين، وكيف تضيع في حضرته أربعينيّة الجهاد، بل كيف لا يقبل سائلاً وقف ببابه أربعين سنة، وهو يطرق الباب بيد الرجاء؟! كم تذكّرنا هذه الكلمات، بالمرويّ عن الإمام السجّاد عليه السلام، حين يقول: "سيّدي! عبدك ببابك، أقامته الخصاصة بين يدَيك، يقرع باب إحسانك بدعائه، ويستعطف جميل نظرك بمكنون رجائه..."(1). ثمّ يفصح بعد ذلك عن بعض أسراره، قائلاً: "يا معشوقي الذي لطالما طلبت منه أن يغمر وجودي بعشقه!"، ليرتقي بعد ذلك ودون مهلة إلى درجة الطلب الصريح: "أحرِقني، وأمِتني بفراقك". وكيف لا يسأل ذلك مَن عايَن إخوانه وهم يعرجون إلى الملكوت بأبدان نازفة، وأوصال مقطّعة؟!

•"لا أريد سواك، فنوّلني وصالك"
يتحدّث الحاجّ قاسم عن هجرته وتقلّبه في البلاد والصحاري والقفار، فيقول: "يا حبيبي! لقد تهت في الفلوات لاضطرابي وفضيحتي، لتخلّفي عن هذه القافلة، وأنا أتنقّل من هذه المدينة إلى تلك المدينة، ومن هذه الصحراء الى تلك الصحراء، في الصيف والشتاء، بدافع أمل يحدوني. أيّها الحبيب والكريم! لقد عقدتُ الأمل على كرمك، وأنت تعلم أنّي أحبّك، وتعلم جيّداً أنّي لا أريد سواك، فنوّلني وصالك". إنّه البحث عن الشهادة، وهو في اضطرام الهجر يخاف الفضيحة، ومعه الحقّ في ذلك، إذ طاش سرّه في البلاد حتّى بات مشهوراً بالعشق، ويشار إليه بالبنان واللسان: "إنّه شهيد الأحياء، ومهاجر الحبّ والأحزان"، وهو يعلم أنّ التيه يزيد في اللوعة مخافة البُعد، كما في الوارد عن الإمام الحسين عليه السلام: "إلهي! تَرَدُّدي فِي الآثارِ يُوْجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْني عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوْصِلُني إلَيْكَ"(2). وإنَّ من المفارقات العجيبة في وصيّة الحاجّ قاسم، وجود نوع من التماثل بين ما يطرحه من مضامين، وما تناهى إلى العالمين من تراث العترة عليهم السلام، حتّى لتخال وصيّته شرحاً عمليّاً لما ورد في الصحيفة السجّاديّة مثلاً، أو المأثور من أخبار العشق والوصال. وانطلاقاً من ذلك يقول بحرقة: "وتعلم جيّداً أنّي لا أريد سواك، فنوّلني وصالك"، وهذا دليل على حبّ الله للقائه، كما في الحديث الشريف: "مَن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه"(3)، وهو يسرع الخطى في صحراء ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ (الانشقاق: 6)، محمّلاً بالصالحات، وكأنّه يرتّل بكلّ ذرّاته قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: 84).

•"اقبلني..."
وكم كان يفيض محيّاه بالبشرى كلّما حفّت بجنباته أسياف الموت، وحاله كحال مولاه عليّ عليه السلام الذي كان يقول: "من رائح إلى الله كالظمآن يرد الماء،... والله لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم"(4). ثمّ يقول بعد ذلك: "إلهي! الرعب يغمر كلّ وجودي، أنا عاجز عن لجم نفسي، فلا تفضحني، أقسم عليك بحرمة أولئك الذين أوجبت حرمتهم على ذاتك، ألحقني بالقافلة التي سارت إليك قبل تخطّي حدّ يعرّض حرمتهم للانتهاك". وهو بهذا يعود إلى إفشاء الأسرار، ومثله لا يفشى له سرّ(5). ويبدو أنّها رشحات أفلتت من قيود كتمانه تأثّراً بالمدّ العميق لأمواج الروح المضطربة في خلجاته، حيث يقول: "يا معبودي! ويا عشقي ومعشوقي! أحبّك، لقد شعرتُ بوجودك مرّات عدّة، ولا أقدر على الانفصال عنك، يكفي هذا القدر يكفي، اقبلني لكن على نحو أكون فيه لائقاً بالاتّصال بك".

نعم، عندما يشرب العطشان الماء القراح تعزف نفسه عن كلّ شراب، وكذلك حينما يذوق العبد حلاوة محبّة المعبود، تعرض نفسه عن كلّ ما سواه، كما في الوارد عن الإمام السجّاد عليه السلام: "إلهي! من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك، فرام منك بدلاً..."(6)، بل تصبح اللذّة دون وصله ذنباً، كما في مناجاة الذاكرين: "وأستغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك"(7). ويبدو من كلامه أنّه ممّن ذاق الحلاوة تلك حتّى أفقدته القدرة على تحمّل الانفصال، وما عاد يريد غير الوصال، فإلى أيّ مقام عرفانيّ يشير؟

•أصدق مشاعر الصفاء
هنا، تحضر إلى الذهن مشاهد بالصوت والصورة تتضمّن كلمات للحاجّ قاسم ألقاها على مستمعيه في مناسبات عدّة، توثّق بهيئته الملكوتيّة، وصوته الشجيّ، أصدق مشاعر الصفاء والعرفان التي كان يعيشها في أعماق وجوده، ولا غروَ إن قيل فيه: "لقد كان عرفانيّاً يحمل بندقيّة"، ومن تلك المشاهد أعرض لكم ما يأتي:

1- اتّصال باكري - كاظمي
في أحد اللقاءات مع القادة وعوائل الشهداء، روى الحاجّ قاسم بصوت متهدّج عذب القصّة الآتية، فقال: "مهدي -وهو الشهيد القائد مهدي باكري، حين كان في تلك الحفرة على طريق العمارة، وقد تمّ تسجيل اتّصاله، ومقطع التسجيل موثّق ومتوفّر على موقع وسائل التواصل الاجتماعي- في تلك اللحظات، يخاطب الشهيد أحمد كاظمي الذي بقي حتّى شهادته يتلوَّى من ذلك الاتّصال، قال: أحمد تعالَ إلى هنا، فهنا أرى ما إن رأيته أنت لن تغادر هذا المكان أبداً".

2- صلاة بثياب ملطّخة بالدم
وفي اللقاء نفسه، يقول الحاجّ قاسم: "وحينما ذهب شابّ من المجاهدين إلى أحد العرفاء للاستفسار قائلاً: إنّنا أحياناً نصلّي وثيابنا ملطّخة بالدماء، فما حكم ذلك؟ أجابه العارف متأثّراً: والله، أنا مستعدّ أن أبادلك كلّ صلواتي بهذه الصلاة التي تشكّ أنت فيها!".

3- حضور السيّدة الزهراء عليها السلام أمّ المجاهدين
في لقاء مع عوائل الشهداء، تحدّث الحاجّ قاسم عن بعض ذكريات الحرب، فقال: "في أحد أيّام عمليّة كربلاء (5)، كنّا في حالة عجز ومأزق حقيقيّ، فجعلنا رؤوسنا على الساتر، وكان ذلك وقت الغروب، ونحن ننادي السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام -وهنا تقطّع صوت الحاجّ قاسم قبل أن يحني رأسه، ويغرق في حالة من البكاء الشديد، اهتزّ معه كتفاه، وتعالى بسببه نحيبه، ثمّ رفع رأسه واستأنف الكلام وهو يمسح الدموع عن عينيه- لقد رأيتُ مدى قدرة ومحبّة السيّدة فاطمة عليها السلام وأمومتها؛ خلال عمليّة الهور، وفي ساحات الحرب، وفي حقول الألغام.. وفي حين لم تحضرن أنتنّ الأمّهات عند أولادكنّ، عندما -كانوا- ينازعون الموت وهم ملطّخون بدمائهم، حضرت الزهراء عليها السلام إليهم، لقد شاهدتُ كراماتها".


1.مصباح المتهجّد، الطوسيّ، ص594.
2. من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة.
3.الكافي، الكلينيّ، ج3، ص 134.
4. نهج البلاغة، من كلام له عليه السلام (124).
5. قصيدة عصيّ الدمع لأبي فراس الحمداني والتي يقول فيها: "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر، بلى انا مشتاق وعندي لوعة لكن مثلي لا يذاع له سرّ".
6. من مناجاة المحبّين.
7. من مناجاة الذاكرين

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع