فقه الوليّ: من أحكام السفر ومستجدّاته.. أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟ مجتمع: ترشيد الاسـتهلاك: ضرورة وليس ترفاً آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*)

قصة العدد: الطريق‏

حسن زعرور

 



بلَّل سقف حلقه بلسانه، وراح يحتلب ريقه الجاف بصعوبة، ومرارة تحشرجت في صدره، وانفعالات حائرة تعبث به، تشده نحو اليأس مرة والرجاء أخرى، وتذهب به الوساوس حتى ليكاد يُفل عضده في تتابع صور الخيالات المتعاقبة في ذهنه، والتي لم يستطع منها فكاكاً، وكان قارب الجنون لولا بصيص أمل بعيد تمسك به، وسعى إليه لعل وعسى.= ألقى على الطفل نظرة عجل، لاحظ انسياب الدم من فمه وأنفه، فيما همدت الحركة والأنفاس، وظلّ‏َ رأسه يميل مع تمايل السيارة في سرعتها، تزعق من بوقها صوت استجداء واستغاثة وتمنّ‏ٍ وثورةٍ وحقدٍ وقهر، مزيج متضارب كاد يدفع به أن يحمل الطفل وينطلق عدواً تاركاً ذلك الازدحام، وأهله الغافلين عن محنته وعذابه في غمرة تسابقهم، لم يسعفه بوق السيارة، فراح يبتهل الانفراجات بين السيارات، يقحم نفسه فيها حانقاً حتى وصل بعد جهد وإنهاك إلى المستشفى. كان الخدر قد استحوذ على أحاسيسه فلم يعِ كيف أُخذ منه الطفل، كل ما يذكره أنه سار خلف ممرض يحمله عدواً في أروقة المستشفى، ورجلا الطفل ترسمان قوساً صعوداً ونزولاً، عاريتان إلا من فردة حذاء واحدة، أخذت تهتز كأنما تلهو بما بقي له من قدرة واصطبار، وما هي إلا ثوانٍ حتى غاب الحامل والمحمول في غرفة الطوارئ‏ فألقى رجلنا بنفسه على متكأ قريب يلتقط عليه أنفاسه.

لاحظ حوله كثيراً من أصنام الوجوه والباكين، نشيج متردد يرتفع هنيهة ثم ينوس كما المصباح في إنطفاءته، وتفجع ذليل أولدته مرارة ما جرى، ونبأ في عيون تحاول غسله بأكفّ المسح. اقتربت منه ممرضة تحمل أوراقاً، سألته برتابة عن اسم ولده وعمره ومكان سكنه ثم غادرت كما أتت، كأنما آلية العادة لبستها فأنستها الحس الإنساني المطلوب، ولم تسأله كيف أصيب ابنه فلعل ذلك ليس من مسؤوليتها، كانت مسؤوليته هو أن سمح لطفله ذي الخمس سنوات باللعب أمام البيت، فاصطادته شظايا قنبلةٍ إسرائيلية. طال به الانتظار، وعنَّت على باله سيجارة ينفثها وانتبه أنه في غمرة ما حدث نسي علبة سجائره في البيت فخرج من باب المستشفى إلى إحدى الدكاكين قربها، وهناك أعادته الحياة إلى واقعها، كأنما وبلحظة أصبح في بلدٍ آخر، هدير العربات، صراخ الباعة، وأغانٍ عابثة يبثها مذياع متنقل على عربة، لا يفصل بينها وبين الجراح إلا جدار من الطيف، كأنما هي أمة أخرى، لا يعنيها ما حصل لابنه، وتراها تشرب من الإناء حتى الثمالة، فلا يوقظ آلامها إلا الدم إن أصيبت، ولا يفتح عينيها حرقة الآخرين إلا بقدر ما تلسعها النار، وغدا الأسف هِنة عند المصاب تتقوقع ملتفة منفلتة نحو العدم تغرق فيه، متناسية أن العدو على مرمى حجر مشهراً سلاحه... البقاء للأجدر لمن يبتهل الفرص لا من يخبئ‏ رأسه في الرمال. أدمى جرح الألم فؤاده مستذكراً خبيئة نفسه، وكيف كان كغيره، يميل مع هوى نفسه وحاجتها، مستسقياً من الحياة ما يلتذ به، وما يطيب لأيامه ولياليه، دون أن يعّن على باله مرة ولو من باب التساؤل، ترى كيف يقضي رجال المقاومة لياليهم؟ وبرد الزناد واليد عارية جليدية تقبض على السلاح ويعتورها الخدر، وأصابع القدمين تهسهس عذابات الصقيع، وأبناؤهم أي ليل يعيشون؟ وأي صبح يتنفسون، ووحدتهم ووحشتهم في ليالي الأنس وغربة الأب. أخجلته ذكرياته، وقيامه ليالي الحر الشديد إلى ثلاجة المنزل، يصب منها ما يرطب به حرورته، وكيفية استلذاذه بالعصير ينساب ناشراً فيئه عليه، دون أن يعنّ على باله، أن هناك شباباً في الجنوب تبترد في السهر على أمنه وأمن أولاده.

ثم كيف غفل ولو مرة، أن يعن له السؤال، ترى من يداوي أبناء المقاومين في مرضهم؟ من يدفئ ليلهم البارد، ووحشتهم الطويلة ومن يستمع إلى شكواهم، ولولا أبوهم لما نام الجميع مطمئنين. أذهله تفتح فؤاده، وغمر سلام خجول روحه فاستدار عائداً إلى المستشفى، وعلم أن فراره من الواقع حوله لم يمنع حصول المحظور، لأن العدو الإسرائيلي قريب وينتظر الفرجة، يمم اتجاه المستشفى وقد غمرته سكينة وعزم، حمل جثمان ولده وسار وقد عزم أمراً وعيناه تطلَّعان إلى هناك، إلى جنوبي لبنان.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع