منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

قصة العدد: "إننا ننتظره جميعاً"


ولاء إبراهيم حمود


ثمة وقت إضافي لمناقشة بعض المسائل المتعلقة بالدرس...
بهذه العبارة أنهى مدرّس مادة "النُظُم الإسلامية" محاضرته وجمع بيديه ما تناثر بينهما من أوراق كعادته كلما محاضرته الأسبوعية، وعاد إلى الوراء منتظراً بينهما من أوراق كعادته كلما أنهى محاضرته الأسبوعية، وعاد إلى الوراء منتظراً سؤالاً ما، واقترب السؤال منه متهادياً مع خطوات بلال المتئدة، مهموساً عبر نبرات صوته الهادئة وبعد هزة موافقة من رأسه المكلل بالشيب أعلن للجميع:

- إن زميلكم بلال، يستأذنني في توزيع "تحية العيد" عليكم، عيد ماذا؟؟ هذا ما سأترك لكم أمر اكتشافه مع بلال.
- تحية بلال، لا تحتاج وقتاً إضافياً للمناقشة يا أستاذ، هيا يا بلال وزّع تحياتك الطيبة علينا، ودعنا نكتشف مناسبتها ونحن نعايش مضغاً وطحناً طعمها اللذيذ.
ابتسم بلال لأحمد الذي اعتاد أن ينشر دعاباته في قاعة الدرس على رؤوس الجميع، واعتاد الجميع على تقبلها كحاجة لا بد منها بعد انتهاء المحاضرة التي تستغرق ساعتين.
ووضع بلال علبة أنيقة على منبر الأستاذ ثم وجه كلامه جدياً لأحمد: ولكن تحية بلال يا أحمد تطرح سؤالاً وهي لن ترضى بأن تمضغها أسنانك القاطعة قبل أن تعرف مناسبة توزيعها؟؟

لم يفاجأ أحمد بالسؤال لكنه تهرب من الإجابة قائلاً:
- إنني أحيل السؤال القيّم إلى المراجع المختصة وهي تحديداً العناصر النسائية في القاعة... خذ إيمان مثلاً أنها "روزنامة" متنقلة لكل أفلام الشاشة الصغيرة والكبيرة على مدار الأسبوع...
امتعضت إيمان من إيماءته الأخيرة لكنا أخفت امتعاضها بإجابة شجاعة وأعلنت بصوتها المتموج النبرات احتجاجاً:
- ألا تعتقد أن اللّه سيوقعك بلسان يشبه لسانك سلاطة يا أحمد؟؟ على كل أعتقد أن بلال يحتفل بولادة أحد أئمة الشيعة الاثني عشر ويريدنا أن نحتفل معه فعلى الرحب والسعة يا بلال.

بقيت شفتا أحمد مطبقتين بعد أن هم باستعمالهما ثانية لأن بلال أجاب إيمان وبتقدير وإعزاز:
- شكراً لك يا إيمان، ولو طرحت سؤالي مسابقة لفزت بنصف جائزة، والآن فوزي بالنصف الثاني بتحديدك لي هوية الإمام المحتفى به اليوم.
- لم يستطع أحمد التزام الصمت فبعد أن ضاق ذرعاً بما كان يريد قوله سابقاً سارع للقول:
- إيمان ليست شيعية كي تحسن الإجابة عن هذا السؤال... وجه سؤالك لسواها وخُص الشيعيات به.

- لم تستطع إيمان مقاومة شعورها "بالنرفزة" من أحمد فصاحت به ناسية أنها ما زالت في قاعة المحاضرات:
- كفى يا أحمد، إني لا أقل عنك اهتماماً بالشيعة وبأئمتهم وسترى اني سأسبقك في معرفة المحتفى به اليوم. ولكن أعرنا صمتك قليلاً والزم ما يشبهه كي تفكر...
- ألسنا في الشهر الذي يسبق شهر الصوم عند أخواننا المسلمين؟؟.. بذا تساءلت "جودي" وهي تشارك في معرفة السؤال؟؟.
- بلى يا "جودي" نحن في منتصف الشهر الذي يسبقه تماماً، كم أنا ممتن لك مشاركتك لنا هذا الاهتمام... وكم أكون سعيداً لو تفضلت بالإجابة عن سؤالي المطروح سابقاً.
ابتسمت "جودي" محرجة وبلباقة أجابت بلال:
- اعتذر لجهلي بهذا الموضوع وأترك لإيمان الإجابة. والجائزة أيضاً ويشوقني أن أسمع منك شرحاً حول هذه الشخصية، التي لا أشك في أنها عظيمة حقاً.
- هيا يا إيمان، ستسبقك "جودي" لنيل الجائزة، في أي شهر هجري نحن اليوم؟.
- يا إلهي! كم أنت مزعج يا أحمد نحن في منتصف شعبان وإخواننا الشيعة يحتفلون بولادة الإمام المنتظر، أليس كذلك؟.
- "برافو إيمان، رائعة، صفقوا لإيمان بقوة...".
تجاوبت بعض الأكف في القاعة مع طلب أحمد لكن يد بلال المرتفعة أوقفت تجاوب البقية وكذلك صوته الهادئ.
- شكراً لإيمان ولك فعلاً جائزتك ولنستبدل التصفيق وفي هذا الحرم الجامعي الكريم بالصلوات على جامع علوم الأولين والآخرين على محمد سيد الرسل والنبيين. وارتفعت الأصوات متوحدة في صلوات خاشعة على محمد وآله... لتتوقف أمام سؤال إيمان...
- هل أستطيع حقاً أن أطلب جائزتي؟؟ أني أريدها نصفين.. في النصف الأول أريد استئذانك يا بلال في توزيع تحيتك على زملائنا مشاركة مني في الاحتفال معكم بهذه المناسبة، وفي النصف الثاني...

- لم يدعها أحمد تكمل بل قاطعها ساخراً كعادته:
وفي النصف الثاني عليك يا صديقي بلال أن تترك لها العلبة بما فيها لأن إيمان تحب كل جميل محلّى بالسكر..
قطع سؤال جودي ضحكات الجميع التي تجاوبت مع تعليق أحمد الأخير...
- حدثنا عن "المنتظر" يا بلال؟؟ من هو؟؟ وما معنى بقائه حياً حتى اللحظة كما أسمع من جيراننا؟؟ أو يعقل أن يبقى بشر حياً كل هذه المدة؟؟.
وبدأ بلال يتفاعل مع إلقائه سيرة المهدي وبدأ صوته يطرق آذان الجميع بصدق نبرته وقوة إيمانه بما يقوله... حدّثهم عن نسبه الشريف. وعن الزمن الخانق الذي ولد فيه وعن غيبتيه العظيمتين حدثاً وأحداثاً، ثم حدثهم عن دوره في تأسيس دولة الخلاص الآتية مع ظهوره كما لم ينس أن يفسر لهم أن بقاءه حياً هو حكمة إلهية وأن له في ذلك شأناً كشأن عيسى الذي ما صلبوه وما قتلوه ولكن رفعه اللّه إليه... هنا فقط خرج أحمد عن صمته الذي كان يشغله بمشاركة إيمان بتوزيع التحية وصاح "بجودي" ممازحاً:
- هيا يا جودي، أفرحي فلك في أعيادنا حصة أوسد واعلمي أن المسيح سيظهر مع المهدي وسيصلي خلفه في القدس.
- هل ما يقوله أحمد صحيح يا بلال، لقد ضاعت علينا أهداف أحمد في مجمل أحاديثه، بتنا لا نعرف متى يجدُّ ومتى يمزح؟؟.
- لا عليك يا جودي، أحمد محق في ما قاله ولكنني أضيف أن لكل رسالة سماوية مخلصاً وأن الخلاص وعد اللّه لكل المستضعفين مسلميهم ومسيحييهم وإمامنا بهذا المجال عالمي لا يحق للشيعة وحدهم الاستئثار به هو للإنسانية جمعاء حلم وارف الأنبياء، قاطعته جودي بسرعة..
- لا تضق ذرعاً بأسئلتي يا بلال، ليكن احتفالنا معاً بالمنتظر سبيل معرفة... نقرأ في كتبنا أن المسيح سيظهر ثانية، وفي التوراة أن موسى أو يوشع بن نون سيظهران ثانية ولكننا نعلم أنهم سيبعثون أحياء، أما المهدي فهو مختف ولم يمت... أي سر هنا وأي تفسير؟؟.
- اعلمي أختاه أن المسيح عليه السلام في عقيدتنا لم يمت ولكن رفعه اللّه إليه واعلمي أن في الحياة أموراً يعجز العقل عن إدراكها ولا يجد العلم لها تفسيراً وبهذا المعنى أؤكد لك أن المهدي عندنا حقيقة ثابتة حية ترزق... وهو ليس حلم المستضعفين من البشر فحسب بل حلم الأنبياء والمرسلين والقائم بأمرهم، وهو الذي سيؤسس دولتهم، دولة العدل المؤمل من سليل الأنبياء.
- بهذا المعنى يا بلال كلنا منتظرون وكلنا متأملون..
- بهذا المعنى يا جودي كل يعبد اللّه انتظاراً وسعياً لتحقيق وعد اللّه...
- ألا تملك حلماً خاصاً تود تحقيقه في دولة المهدي يلا بلال؟؟..
- لذا تحدثت إيمان وهي تناوله العلبة ليأخذ منها تحيته.
- بلى يا إيمان أتمنى لو أكون مؤذناً للمهدي في الفجر الآتي ما كان بلال مؤذناً للرسول في الفجر الذي ما زلنا نستضيء بسنا أشعته..
- إبدأ منذ الآن يا بلال، أذن للمهدي فوق التلال، أذن له في الثغور المقاومة، ألا تعتقد أن الآذان فوق القرى الواقعة تحت الاحتلال لا يقل جمالاً عن آذان سترفعه بحضرة المهدي.
- هذه أروع كلمة قلتها يا أحمد، لله درك إذ قلت عني ما كنت أود قوله كبلال أثناء حديثه عن المهدي لجودي.
- كلنا ننتظر مخلّصاً وكلنا يحلم بدولة العدل وما منا من يخالف بلال انتظاره فريضة عمل فاعل لبناء الإنسان الصالح لقيادة الحياة في دولة المهدي الموعود... هنأكم اللّه يا أبنائي بذكرى الولادة وبارك لكم جميعاً حيوية شبابكم التي تحتاجها الدولة العالمية لحفيد الرسول الأعظم.

إلى هنا ساد الصمت في القاعة لأن الكلمات المؤثرات التي ختم بها الأستاذ حصة "النظم الإسلامية" جعلت الجميع يشارك في الاحتفال القصير نسبياً وهو يفكر كيف يساهم بتحويل الحلم إلى حقيقة وكيف يشارك ببناء الإنسان في دولة الإنسان، وحده بلال رفع لله صلاة شكر بسيطة اختصرها بقوله، "اللهم لك الشكر على ما نقيت من الشرك قلبي، اللهم لك الحمد على نعمك كلها ولو كانت كلها مجتمعة في لحظة نكون فيها جميعاً ومن كل وادٍ ونادٍ منتظرين لبقية اللّه"..
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع