القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة حربٌ واستغلال: رحلة البحث عن بيت للإيجار الجنديّ الأمريكيّ: بطلٌ في السينما ومجرمٌ مأزومٌ في الواقع القيم في بيانات القائد مجتبى الخامنئي (حفظه الله) الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة

الجنديّ الأمريكيّ: بطلٌ في السينما ومجرمٌ مأزومٌ في الواقع

د. نبيه أحمد*

إنّ للسينما أدواراً كثيرة يمكن الإفاضة في الحديث عنها، غير أنّه مع طفرة التكنولوجيا وتطوّر الإنتاج السمعيّ-البصريّ، تسابقت الدول الكبرى إلى تحويل هذا القطاع إلى أداة فتّاكة في صراعات «الحرب الناعمة». وكانت الولايات المتحدة الأمريكيّة في مقدّمة هذه الدول؛ إذ أدركت مبكراً أهميّة الشاشة بوصفها مساحة موازية تخوض فيها حروبها ضدّ العالم. فخصّصت الموازنات الضخمة لإنتاج أعمال دراميّة تحاكي سياساتها وتخدم تطلّعاتها، محاولةً حصد انتصارات سينمائيّة عوضاً عن خسائرها الأخلاقيّة والإنسانيّة على أرض الواقع.

لقد غدت هوليوود الرائدة في غسيل دماغ المتابعين، وقلب الحقائق، وتزوير التاريخ، ضاربةً بعرض الحائط كلّ القيم المحرّمة، ومستندة إلى تقنيّات مبهرة تجعل عالم السينما خيالاً موازياً للواقع يُشعر المشاهد وكأنّه في قلب الحدث. ولكن، مع تشكّل الوعي لدى المتلقّي المدرك لقضايا أمّته ومظلوميّة شعوب المنطقة، يبقى السؤال: هل ينطلي هذا الوهم على الجميع، أم أنّ للوعي رأياً آخر؟

سنحاول عبر هذا المقال تفكيك الصورة التي رسمتها هوليوود للجنديّ الأمريكيّ، وكيف سعى الفنّ التجاريّ لتلميع صورته وأنسنة إجرامه بطريقة ناعمة من خلال استعراض عيّنة من الأفلام. ثمّ ننتقل في القسم الثاني لنواجه هذه الصورة بالواقع الميدانيّ، عبر التوقّف عند ممارساته الدمويّة، ولا سيّما خلال الحرب الأخيرة على إيران وما رافقها من قتل للأطفال بدم بارد.

*القسم الأوّل: الجندي الأمريكيّ كما تقدّمه هوليوود

بالعودة إلى أرشيف الأفلام الأمريكيّة ذات الطابع الحربيّ أو الاجتماعيّ-العسكريّ، نجد قائمة طويلة جدّاً يمتدّ إنتاجها من بدايات السينما التسجيليّة والدراميّة حتّى اليوم. تناولت هذه الأعمال حروباً محدّدة كفيتنام والعراق وأفغانستان، فسلّطت الضوء على أحداث بعينها، بينما ركّزت أعمال أخرى على الجوانب النفسيّة والآثار التي تطارد الجنديّ بعد عودته من الخدمة، متطرّقة للأزمات التي يواجهها جرّاء ما اقترفه.

سنستعرض هنا نماذج من فترات زمنيّة مختلفة، لتسليط الضوء على تطوّر هذه السرديّة:

1. فيلم الفصيل (مPlatoon – 1986)
المخرج: أوليفر ستون (وهو محارب قديم شارك بالفعل في حرب فيتنام).
الحقبة: حرب فيتنام.
المضمون: يُظهر الفيلم الانقسام الأخلاقيّ والنفسيّ الحادّ، والجرائم المرتكبة كحرق القرى وقتل المدنيّين العزّل، واللجوء للمخدّرات فراراً من جحيم الواقع والعبثيّة اليوميّة.
المواجهة مع الواقع: يقدّم الفيلم تجريداً للجنديّ من مثاليّته الكاذبة، مبيّناً تحوّله تحت وطأة الحرب وغياب الهدف الأخلاقيّ إلى قاتل فاقد لإنسانيّته، أو ضحيّة لصراعات داخليّة بشعة.
هذا الفيلم، وغيره الكثير ممّا أنتجته هوليوود في السبعينيّات والثمانينيّات، حاول تقديم مساحة من التنفيس السرديّ عمّا جرى في فيتنام؛ فبالرغم من حجم الجرائم الفظيعة التي ارتكبها الجنود الأمريكيّون، والخسارة العسكريّة الفادحة التي تكبّدوها، سعت السينما إلى امتصاص الصدمة وتأطير الفشل في أبعاد إنسانيّة ونفسيّة بدلاً من كونه هزيمة إمبرياليّة أخلاقيّة.

2. فيلم خزانة الألم (مThe Hurt Locker– 2008)

المخرجة: كاثرين بيغلو.
الحقبة: احتلال العراق.
المضمون: يركّز الفيلم على جنديّ من فرقة تفكيك العبوات الناسفة يعاني من «إدمان خطر الحرب» وشحنات الأدرينالين، بحيث لم يعد مدفوعاً بأيّ قيم وطنيّة، بل بمتعة مواجهة الموت والدمار.
المواجهة مع الواقع: يوضح التشوّه النفسيّ والداخليّ العميق الذي تتركه الحرب في روح القاتل، وكيف يصبح عاجزاً عن التكيّف والعيش كإنسان طبيعيّ في مجتمع هادئ بعدما اعتاد الخراب.
الجدير بالذكر أنّ هذا الفيلم حصد جوائز عالميّة، وعلى رأسها أوسكار عام 2010م؛ إذ كان الشارع الأمريكيّ والأكاديميّة في تلك الفترة (2009م–2010م) يبحثان عن سرديّة تعيد التفكير في حرب العراق عبر «تضحيات ومعاناة الجنود» من دون التورّط في إدانة كبرى للسياسة العسكريّة الأمريكيّة. وفّر الفيلم هذه الصيغة بذكاء؛ فحصر القضيّة في الشجاعة والضغط النفسيّ اليوميّ للجنود، متجاهلاً التساؤلات الكبرى حول شرعيّة الاحتلال وآثاره البشعة على الضحايا العراقيّين.

3. فيلم المعبر المتقدّم (مThe Outpost – 2020)

المخرج: رود لوري.
الحقبة: حرب أفغانستان.
المضمون: يقدّم الفيلم الجنديّ كنموذج للـ»ضحيّة المتروكة في الجحيم»؛ فهو ليس فاتحاً أيديولوجيّاً، بل مجرّد «عامل في موقع بناء خطر» محاصر في قاعدة معزولة بعمق جبال أفغانستان من دون هدف استراتيجيّ واضح.
المواجهة مع الواقع: تتحوّل الحرب بأكملها في عين الجنديّ إلى عبث إداريّ وسياسيّ، ليصبح البطل الحقيقيّ -وفق السيناريو- هو ذلك الذي يقاتل فقط ليعود أخوه في السلاح إلى بيته حيّاً.

*ثنائيّات هولييود

إنّ الخيط الرابط بين ما أُنتِج منذ السبعينيّات وحتّى زماننا هذا يتلخّص في تركيز هوليوود على ثنائيّات محدّدة:

اضطراب ما بعد الصدمة: تدمير الحياة الأسريّة للجنود والعجز عن الاندماج مجدّداً بسبب ما اقترفوه من جرائم.
ظاهرة الانتحار: ارتفاع معدّلات الانتحار بين قدامى المحاربين لدرجة تتجاوز أحياناً عدد القتلى في المعارك.
التشرّد والإهمال: انتهى المطاف بعشرات الآلاف بلا مأوى في شوارع المدن الكبرى نتيجة ضعف الرعاية النفسيّة والطبّيّة، بعدما تُركوا كأدوات منتهية الصلاحيّة.
تعمد هوليوود إلى صبّ هذه النتائج في قالب إنسانيّ استدراريّ؛ ليظهر الجنديّ وكأنّ الحرب لديه كانت مجرّد واجب وطنيّ ثقيل، وعلى المشاهد أن يستشعر أعباء هذا الواجب وأن يغفر له جرائمه بل ويتعاطف معه!

*القسم الثاني: الجنديّ الأمريكيّ في الواقع

مهما أفضنا في الحديث عن الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة وحليفها الكيان الغاصب، فلن نستطيع استيعاب حجم التوحّش الميدانيّ، غير أنّنا نستحضر بعض المحطّات التي بقيت شاهداً حيّاً في الذاكرة:

مجزرة «مي لاي» (فيتنام 1968م): حيث أباد الجنود الأمريكيّون زهاء 500 مدنيّ أعزل (غالبيّتهم نساء وأطفال) بدم بارد.
ملجأ العامريّة (العراق 1991م): قصف الطيران الأمريكيّ ملجأ مدنيّاً في بغداد بحجّة أنّه «موقع عسكريّ»، ما أسفر عن تفحّم أكثر من 400 مدنيّ معظمهم من النساء والأطفال.
سجن أبو غريب (العراق 2003م): الذي كشف عن الساديّة الأمريكيّة المباشرة عبر صور التعذيب والانتهاكات الأخلاقيّة والجسديّة المروّعة بحقّ الأسرى.
جرائم الطائرات المسيّرة (أفغانستان واليمن): آلاف الهجمات التي حوّلت حفلات زفاف وتجمّعات قرويّة إلى مجازر تحت ذريعة «المعلومات الاستخباريّة الخاطئة».
الفاجعة الأحدث: مجزرة مدرسة ميناب في إيران (شباط/ فبراير 2026م)
تأتي الفاجعة المروّعة في مدينة ميناب (جنوب شرقي إيران) لتقدّم دليلاً حيّاً ومباشراً على دمويّة الآلة العسكريّة وعبثيّة تكنولوجيّتها «الذكيّة»:

* ماذا حدث في ميناب؟
في 28 شباط/ فبراير 2026م، وضمن الهجمات العسكريّة على إيران، استهدفت صواريخ أمريكيّة (توماهوك) مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائيّة للبنات في وضح النهار وبشكلٍ مباشر.

الحصيلة: أسفرت الضربة عن استشهاد ما بين 156 إلى 180 ضحيّة، غالبيّتهم العظمى من التلميذات الصغيرات (بين 7 و12 عاماً)، إضافة إلى معلّماتهنّ ومديرة المدرسة.
الالتفاف الإعلاميّ: كالعادة، سارعت الإدارة الأمريكيّة والتحقيقات العسكريّة إلى تبرير المجزرة بـ «أخطاء في البيانات الاستخباريّة»، مدّعية أنّ المدرسة كانت تقع بالقرب من منشأة عسكريّة، على الرغم من أنّ المدرسة تعمل بشكل علنيّ ولها حضور قديم وواضح.

*صورة مشوّهة

مهما أنتجت هوليوود سابقاً أو ستنتجه لاحقاً من أفلام لتلميع صورة الجنديّ الأمريكيّ، فلن تستطيع محو الحقائق التي ترسّبت في الوعي الإنسانيّ: هذا الجنديّ هو أداة لمؤسّسة تعيث في الأرض فساداً بقيادة إمبرياليّة لا تعرف الرحمة ولا العدالة.

إنّ ما نقلته الشاشات مباشرة من قتل وتدمير وسفك لدماء الشعوب في فلسطين ولبنان وإيران، لهو خير دليل على أنّ هذا الكيان الأمريكيّ، ومعه الكيان الصهيونيّ، قد حجزا موقعهما في السجلّ الحافل للحضارات الظالمة والمتكبّرة. ولن تستطيع السينما، بإمكانيّاتها ومؤثّراتها كلّها، أن تمحو صورة الطفلة زهراء (حفيدة السيّد الشهيد علي الخامنئيّ) التي قُتلت غدراً وظلماً في حضن جدّها ومعها آلاف الأبرياء الذين قضوا بسلاح الاستكبار.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع