الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة المراسم الحسينية في البقاع.. من شعيرة إلى مشروع مجتمعيّ مقاوم قواعد قرآنيّة في تثبيت القلوب (2): المكر السيّئ تشييع الإمام القائد: 15 مليون رسالة حبٍّ وتحدٍّ من انتصر في الحرب؟ «حَبّات القلوب»: لكلّ طفل شهيد قصة وحُلم المبادرات الفرديّة في الأزمات...جبهةٌ أخرى (2) أمراء الجنة | عباس سيبقى أثرك حاضراً فينا بين الأقلام المشبوهة والسبق الصحفي: الوعي واجبٌ

القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة

محمد نايف*


إنّ تاريخ الشعر الحسينيّ لم يكن على مرّ العصور تاريخاً شعريّاً فحسب، بل كان دائماً وجداناً، ووعياً، وواقعاً. فالشعر الحسينيّ نشأ حول كربلاء، لكنّ الأمر لم يقتصر على نقل الحدث، بل لازمَه بكلّ عصورِه، وتفاعَلَ مع كلِّ تحوُّلاتِه المعرفيَّة، والسِّياسيَّة، والثقافيَّة في المجتمعات الشيعيَّة، وبذلك، أضحت القصيدة الحسينيّة اليوم وثيقةً أدبيّةً واجتماعيّةً، يمكنُ من خلالها قراءة تاريخ الإنسان، قبل قراءة تاريخ القصيدة.

بخاصّةٍ أنّ هذه القصائد تتردّد خلال موسمٍ ثابت من أوّل شهر المحرّم حتّى مناسبة الأربعين في العشرين من صفر، من كلّ عام. فما هي أبرز تحوّلات القصيدة الحسينيّة في الذاكرة الشيعيّة تاريخيّاً واجتماعيّاً أيضاً؟

*القصيدة الحسينيّة: سبك شعريّ لإظهار الفاجعة
بين هذه القصيدة الحماسيّة للمدرسة الحسينيّة للرادود العراقيّ الراحل حمزة الزغير، وبين القصائد والمدارس الأخرى التي ظهرت في العراق ولبنان والبحرين على مدى الستّين سنة الماضية، عانت القصيدة الحسينيّة من تغيّرات كبيرة في بنية النصّ الشعريّ، وطبيعة اللحن، ووظيفة المنبر، وعلاقة الجمهور بها، ما يفرض على المهتمّين بالشأن الحسينيّ قراءة جديدة للقصيدة، بعيداً عن الرغبة في العودة إلى الماضي، أو الاحتفال الأعمى بالجديد.

كمقدّمة أو كمدرسة في القصيدة الحسينيّة، يعدّ شعر حمزة الزغير من أبرزها. فقد كانت القصائد في تلك المرحلة تعتمد على الوزن الشعريّ والسبك المتين على الرغم من شعبيّتها، وتتميّز باستخدام الصور والاستعارات ووجود مضامين تاريخيّة مأخوذة من المقتل أو الرواية. أمّا الهدف من هذا الشعر، فقد كان إظهار الفاجعة وإحياء الحزن، ولذا، كانت الألحان المستخدمة في تلك القصائد هادئة ومتوازنة إيقاعيّاً، حتّى يتمكن الكلام من التأثير في السامع.

*الثورة الإسلاميّة: قيم عاشوراء تتجدّد
لم يكن هذا الخيار الفنيّ منفصلاً عن طبيعة المرحلة الاجتماعيّة؛ فالمجلس الحسينيّ كان أداة لحفظ الهويّة الدينيّة والذاكرة التاريخيّة، ولم يكن أداة لتعبئة اجتماعيّة أو سياسيّة. لذا، فإنّ القصيدة كانت تتوقّف عند حدّ الدموع، ولا تتجاوز ذلك إلى رسم مشروع اجتماعيّ أو سياسيّ.

لكنّ التحوّلات الكبرى في العالم الإسلاميّ في أواخر السبعينيّات من القرن العشرين، وبالأخصّ انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، أحدثت تغييراً جذريّاً في وظيفة القصيدة الحسينيّة، بحيث جعل الوعي العاشورائيّ كربلاء مشروعاً دائماً للإصلاح ومواجهة الظلم، وليس مجرّد مأساة تاريخيّة تعود أحداثها إلى عهد بعيد. وقد أثّرت الثورة في لغة القصيدة الحسينيّة، إذ أدّت إلى اختلاط مفرداتها من الجهاد، والاستكبار، والمستضعفين، والحرّيّة، والأمّة، مع مفردات المصيبة الحسينيّة.

كما أصبح النصّ الحسينيّ خطاباً مزدوجاً؛ فهو يذكر المأساة، ولكنّه في الوقت نفسه يدعو إلى صناعة المستقبل، فتحوّلت القصيدة من خطاب وجدانيّ صرف إلى خطاب فكريّ وتعبويّ، ولكن من دون أن تفقد طابعها العاطفيّ.

*لبنان: الحسين عليه السلام رمز الوعي المقاوم
في لبنان، وبسبب تجربة المقاومة الإسلاميّة، تبدّلت معالم القصيدة الحسينيّة، وتغيّرت علاقة كربلاء بالواقع السياسيّ، فلم يعد الإمام الحسين عليه السلام شخصيّة تاريخيّة تُستذكر في موسم العزاء، بل أصبح رمزاً في الوعي المقاوم، تُستكشف من خلاله معاني الصمود والبطولة والتضحية والتحرير.

وهكذا، ولدت صور شعريّة جديدة في القصيدة الحديثة، إذ لم تعد محصورة بالفرات والخيم والطفّ، بل باتت تشمل الحدود، والشهيد المعاصر، والأمّ الصابرة، والأسرى، والقرى الجنوبيّة. وباتت كربلاء، في نظر هذه القصائد، إطاراً لتفسير الواقع اللبنانيّ، وليست حدثاً منفصلاً عمّا يجري. من هنا، فإنّ هذه القصائد كانت تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في جمهورها، لأنّها كانت تعيش الماضي في الحاضر، وتعُدُّ الحاضر امتداداً طبيعيّاً للماضي.

*العراق: ثراء اللّغة والصورة الأدبيّة

أمّا في العراق بعد العام 2003م، فقد حصل الانفجار الكمّيّ والنوعيّ في إنتاج القصيدة الحسينيّة، حيث الانفتاح الدينيّ، وكثرة المواكب، وظهور عشرات الشعراء والرواديد، وكثرة المدارس الفنيّة. هذا من ناحية الثراء، أمّا من ناحية أخرى، فقد شكّل ذلك تحدّياً جديداً.

ورافق اتّساع الآفاق الإبداعيّة لهذه المرحلة، موضوعات جديدة، وتجارب شبابيّة متنوّعة، وإثراء لجماليّات الأداء الصوتيّ واللحنيّ، ولم يكن هذا الازدهار الكمّيّ خالياً من بعض السلبيّات التي تمثّلت في ضعف المستوى اللغويّ، وتغلغل العاميّة في الشعر بدلاً من الفصحى، وسهولة الكتابة، وتكرار الصورة الشعريّة، حتّى في مواضع كان فيها الوزن أكثر وضوحاً من المعنى.

*البحرين: اعتدال البلاغة والإنشاد

وقد حذت المدرسة البحرينيّة حذو المدارس التي سبقتها، إلّا أنّها لم تفقد كلّ خصوصيّاتها، فقد بقيت البحرين، غالباً، معنيّة بالأدب، والعمارة البلاغيّة، والوزن، والألحان الجماعيّة التي تعطي للمجلس وقاره وهيبته. لذلك، فإنّ التجربة البحرينيّة أكثر اعتدالاً في الجمع بين الأدب والإنشاد، وأقلّ انزلاقاً إلى الإيقاع على حساب الشعر، من بعض تجارب مجالس الإنشاد الأخرى.

*الإيقاع: التحوّل الأكثر جدلاً
أمّا التحوّل الأكثر جدلاً بين المحلّلين هو انتقال اللحن الحسينيّ من أدائه القديم التقليديّ إلى الألحان العراقيّة القديمة، ثمّ إلى الألحان الثوريّة في الثمانينيّات، ثمّ إلى الألحان الجماهيريّة الحديثة والتي استفادت من أسس الأداء والإيقاع بشكل أكبر. وعلى الرغم من أنّ ذلك ساهم في جذب نسبة كبيرة من الشباب، إلّا أنّ التساؤل الذي يُطرح: هل القصيدة هي التي تقود اللحن، أم أنّ اللحن هو الذي يفرض على القصيدة شكلها وإيقاعها ومفرداتها؟

وهذا السؤال لا يخصّ الموسيقى فقط، بل أيضاً الإبداع بشكل عام، ذلك أنّ القصيدة كانت تُكتب أوّلاً، ثمّ يأتي الرادود ويلحّنها. أمّا الآن، فكتابة القصيدة تكون على لحن أو إيقاع جاهز، وهذا ليس مجرّد تحوّل حديث، بل له دلالاته العميقة على علاقة الشاعر بالمنشد، وعلى النصّ بالأداء.

فما بين المتلقّي الذي كان في الستينيّات يبحث في القصيدة عن البكاء والتأمّل، وبين ذاك الذي كان في الثمانينيّات يبحث عن الحماسة والموقف، والجيل الذي عاش انتصارات المقاومة، والذي يجد في القصيدة خطاباً يخصّه ويؤكّد انتماءه، لا يمكن فهم هذه التحوّلات بمعزل عن طبيعة عقليّة المجتمع. إلّا أنّه في العصر الحاليّ، مع انتشار المنصّات الرقميّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ، أصبح ثمّة توجّه نحو النصوص الأكثر اختصاراً، والألحان الأسرع، والمقاطع الأكثر انتشاراً، ما فرض على الشاعر الحسينيّ تحدّيات جديدة في الشكل والمضمون.

وإن كان من الصعب الحكم عليه بصفة إيجابيّة أو سلبيّة، فإنّه من غير العدل أن نرى أنّ التجديد عيب وأنّ المحافظة فضيلة؛ فليس التجديد عيباً، وليست المحافظة فضيلة مطلقة، لكن من الواضح أنّ لنجاح هذا الأسلوب أثره في انتشار القصيدة الحسينيّة، وربط عاشوراء بقضايا الأمّة، وإنعاش الذاكرة الثقافيّة، واستقطاب الأجيال الجديدة بلغة العصر وأدواته، مع عدم تبرير ذلك بالتساهل في جودة النصّ أو التفريط في القيمة الأدبيّة، أو أن تتحوّل القصيدة إلى وسيلة لجمع الحماسة المؤقّتة.

*الحذر من اختلاط المعايير
اليوم، إنّ أسوأ ما يمكن أن تواجهه القصيدة الحسينيّة ليس التجديد، بل اختفاء المعايير. لكن إذا أصبح الوزن أهمّ من الصورة، والسرعة أهمّ من الفكرة، والانتشار أهمّ من الجودة، فاعلم أنّ القصيدة لم تعد تؤدّي رسالتها، حتّى لو كانت من أكثر القصائد انتشاراً ونجاحاً.

لقد أصبح لزاماً علينا إعادة التوازن بين الأدب والرسالة، والجمال والوظيفة، وحرارة العاطفة وعمق الفكرة؛ فالشاعر الحسينيّ عبر تاريخه الطويل لم يكن ليعيش فقط لأنّه أبكى الناس، بل لأنّه صنع وعياً، وربّى أجيالاً، وحافظ على ذاكرة أمّة، وربط بين الإنسان وقيم كربلاء الخالدة.

ومنه، فإنّ مصير القصيدة الحسينيّة لن يكون بالمقدار الذي تحظى به من حيّز الفنون، ولكن بمقدار احتفاظها بأصالتها في دخولها لعصرها، بحيث تبقى الكلمة هي القائدة، واللحن هو الخادم، لا العكس، وتكون كربلاء هي الحاضنة للإبداع، لا المناسبة التي تنفصل عنها بمرور الزمن، أو تتغيّر ملامحها باختلاف الأزمنة، وتبدّل الأذواق.

*شاعر حسينيّ ومدير ملتقى الندب الحسينيّ.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع