د. فاطمة خشاب درويش
تحت ركام البيوت والمحال التي دمّرتها الحرب الصهيونيّة بين عامَي 2024م و2026م في الضاحية الجنوبيّة لبيروت وقرى الخطوط الأماميّة في الجنوب، لم تُهدم البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل وُلدت من رحم الحرب أزمةٌ سكنيّة إنسانيّة خانقة. فبين ليلة وضحاها، قَذَف الميدان بآلاف الأسر إلى لظى سوق إيجارات غير منظّم، تقف فيه القوانين مكبّلة اليدين أمام شريعة «العرض والطلب»، وتتحوّل فيه حاجة النزوح إلى مضاربات وأرقام تعجيزيّة. في هذه المواجهة القاسية بين جشع العقارات ووجع المجرّدين من منازلهم، لم تعد المسألة تقتصر على بدلات تُدفَع أو عقود تُوقَّع، بل أضحت اختباراً أخلاقيّاً ووطنيّاً حرجاً؛ فعندما يعجز النصّ القانونيّ عن الضبط والإنصاف، يبقى التكافل الاجتماعيّ والحسّ الإيمانيّ والضمير الإنسانيّ الخطّ الأخير لحماية أسرٍ لا تبحث سوى عن سقفٍ يصون كرامتها.
*شروط تعجيزيّة
يجلس أبو محمّد (نازح من الضاحية الجنوبيّة وأب لولدين) في زاوية ضيّقة من منزل أحد أقاربه، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين الخصوصيّة والاضطرار، شاهداً على تجربة نزوح قاسية. لم تكن هذه المرّة الأولى التي يرى فيها جدران بيته تلتهمها نيران العنجهيّة الصهيونيّة؛ فبعد أن أصلح ما دمّرته الحرب في العام 2024م، عادت مجدّداً في العام 2026م لتجتثّ سكنه من جديد في الضاحية الجنوبيّة، تاركةً إيّاه بلا سقف ولا ملاذ. منذ أشهر وهو يخوض رحلة بحث يوميّة مضنية عن شقّة تتّسع لعائلته، ليصطدم بأسعار خياليّة؛ فشقّة متواضعة من غرفتين أدنى بدل لإيجارها يتجاوز الـ 500 إلى 600 دولار شهريّاً، مع إصرار المالكين والوسطاء على دفع أشهر عدّة مقدّماً وبالدولار، ثمّ لا يعرف من أين نبت شرط مبلغ التأمين أيضاً؛ إنّها شروط تعجيزيّة بكلّ ما للكلمة من معنى!
*مزاد الأمان
على الجانب الآخر من المشهد، لا تبدو معاناة نازحي القرى الأماميّة في الجنوب أقلّ قسوة. تخوض أم علي معركة استقرار مؤجّلة بعد أن أُجبرت وعائلتها على ترك المنزل تحت وابل القصف، لتصطدم بجمود سوق العقارات في المناطق المضيفة. كانت تتنقّل يوميّاً بين مكتب عقاريّ وآخر، وتطرق أبواب شقق أُغلقت في وجهها لمجرّد أنّها لا تملك القدرة على دفع المبالغ الطائلة المطلوبة كدفعة أولى، لتجد نفسها تدفع ثمن اقتلاعها من أرضها مرّتين: مرّةً بفقدان السكن، ومرّةً أخرى بالرضوخ لأسعار إيجار خياليّة لا تُراعي حرمة النزوح. تقول أم علي بكبرياء مكسور: «لسنا نطلب المستحيل، كلّ ما أبحث عنه هو بيت متواضع يُلملم شملنا ويصون كرامة أولادي إلى حين العودة... لكنّنا نُقابل بشروط تجعل من أبسط حقوق الإنسان في الأمان سلعاً في سوق للمزاد العلنيّ».
*بين ركام المنزل والمحلّ
«أن تخسر بيتك وعملك أمرٌ قاسٍ، لكنّ الأشدّ قسوة أن تقف عاجزاً أمام طفلك وهو يسألك: متى سنعود إلى بيتٍ حقيقيّ؟ الإيجارات المعروضة جنونيّة، والمكاتب تطالبنا ببدلات خياليّة وبدفع مسبق. المدرسة ليست بيتاً، لكنّ جنون الأسعار جعلها ملاذنا الوحيد والمؤلم»، يقول أبو جاد وهو يقطن في صفٍّ في إحدى المدارس. لم تكتفِ الحرب بتدمير منزله في بلدة كفررمان الجنوبيّة، بل أتت أيضاً على محلّه التجاريّ الذي كان يشكّل مصدر رزقه الوحيد، لتقضي على السكن والمورد في لحظة واحدة. يجد أبو جاد نفسه مكبّل اليدين أمام واقعٍ لا يرحم؛ أطفاله الخمسة محرومون من أبسط مقوّمات الحياة الأسريّة والخصوصيّة.
*المطالبة بالمفعول الرجعيّ
«خرجنا طلباً للأمان، فاستُهدف المبنى وبات غير صالح للسكن. ومع ذلك، يطالبني المالك ببدلات أشهر النزوح وبمفعول رجعيّ وفوريّ!». بهذه المرارة يروي الحاجّ حسن مأساته مع فقدان أثاثه ومصدر رزقه، مؤكّداً أنّه لا ينكر حقّ المالك، لكنّه يرفض استغلال الحرب والتهديد بفسخ العقد: «لا نطلب إجحافاً بالمالك بل إنصافاً وتيسيراً؛ فالظروف القاهرة تتطلّب مراعاةً وأجلاً للوفاء، لا تحميل المستأجر النكبة مرّتين: بفقدان سكنه، وبإنذارات تتجاهل الدمار».
*تضييق البلديّات في مناطق أخرى
«وين بدنا نروح؟» بسؤالٍ يختصر العجز والتيه، يبدأ الحاج سمير شهادته، مفكّكاً معادلة النزوح المعقّدة بين البحث عن سقف آمن وضوابط المناطق المضيفة، ويقول: «نحاول البحث عن مسكن في الضاحية وجوارها على الرغم من المخاطر وعدم الأمان، لأنّ الإيجارات في المناطق الأخرى أصبحت خياليّة وتتجاوز قدرتنا بمراحل. لكنّ القّصة لا تقف عند حدود الغلاء؛ ففي العديد من المناطق، نُقابل ببدلات إيجار مضاعفة أو برفضٍ صريح للتأجير لمجرّد أنّنا من سكّان الضاحية أو الجنوب، ناهيك عن البلديّات التي فرضت إجراءات تعجيزيّة تمنع إبرام أيّ عقد إلّا بعد مراجعتها والحصول على موافقتها المسبقة. أنا لبنانيّ، أيعقل أنّني لا أستطيع السكن في بعض المناطق؟! هذا أمر معيب فعلاً!».
*عندما يقف القانون عاجزاً
حول غلاء بدلات الإيجار، أكّد المحاميّ عباس الغول، المستشار القانونيّ لبلديّات الضاحية الجنوبيّة، أنّ تحديد بدل الإيجار وشروط دفعه يخضعان لحريّة التعاقد والعرض والطلب، موضحاً أنّ «المالك حرّ في تحديد قيمة بدل الإيجار كما يريد، وعلى المستأجر أن يقبله أو يرفضه. ويشمل ذلك طلب دفع بدل ثلاثة أشهر أو ستّة أشهر أو سنة مسبقاً، إذ لا يتدخّل القانون، من حيث المبدأ، في هذه المسألة. ولكن ما يجب الإشارة إليه هنا هو أهميّة مراعاة الظروف الإنسانيّة، خصوصاً أنّ بعض المستأجرين يعانون من أزمة ماليّة بسبب نزوحهم»، قائلاً إنّ هذه المراعاة تبقى مسؤوليّة أخلاقيّة وإنسانيّة، لا التزاماً قانونيّاً.
وحول دور البلديّات، أوضح أنّ بإمكانها الضغط معنويّاً على المالكين لمراعاة أوضاع المستأجرين، لكن لا يحقّ لها فرض قيود على حرّيّة المالك في تأجير عقاره أو اشتراط مراجعتها مسبقاً، ما لم يوجد سند قانونيّ لذلك. وتقتصر صلاحيّاتها على التدخّل ضمن اختصاصها، كمتابعة وجهة استعمال العقار والمخالفات.
أمّا في ما يتعلّق بالمأجور (منزل أو محلّ) المتضرّر أو المدمّر، فأكّد الغول «وجود رأيين بشأن استحقاق بدل الإيجار عند تعذّر الانتفاع به: الأوّل، يرى أنّه «طالما ليس ثمّة أيّ انتفاع بالمأجور، فلا يترتّب عليه أيّ بدلات إيجار». فيما يرى الثاني أنّ بقاء أغراض المستأجر أو بضائعه داخله قد يُبقي البدل مستحقّاً». وأشار إلى عدم وجود نزاعات قضائيّة واضحة بهذا الشأن، مرجعاً ذلك إلى أنّ «اللجوء للقضاء يتطلّب كلفة ماديّة ووقتاً لإتمام المسألة، ما يجعل التسوية والصلح الحلّ الأكثر واقعيّة، في ظلّ فراغ تشريعيّ لم تعالجه ظروف الحرب حتّى الآن».
*ارحموا بعضكم
أمام عجز القانون، تُصبح العودة إلى الضوابط الأخلاقيّة والقيم الإيمانيّة الملاذ الأخير لحماية مجتمعنا. وفي هذا السياق، يؤكّد سماحة الشيخ عبد المنعم قبيسي أنّ «المعاملات التجاريّة والعقاريّة في أوقات الأزمات ليست مجرّد أرقام وعقود، بل اختبار إيمانيّ وسلوكيّ حقيقيّ لمعدن الإنسان. فالقرآن الكريم أقام المعاملات بين الناس على قاعدتين متكاملتين: العدل الذي يحفظ الحقّ الماليّ، والإحسان الذي يصون الكرامة والوجود الإنسانيّ؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).
ويُوضح سماحته: «إنّ حرّيّة المالك في ملكيّته وفق الشرع والقانون، لا تعني أنّه يحقّ له استغلال حاجة الناس الماديّة والمعنويّة، سواء كان ذلك في تأجير منزلٍ لستر عائلة نازحة، أو تأجير محلٍّ تجاريّ لمواطنٍ يسعى لكفّ ماء وجهه وتأمين قوته. فالشارع المقدّس لم يجعل صاحب العمل أو العقار أفضل من الأجير أو المستأجر، بل جعل كرامة الطرفين مصونة ومكفولة بالقدر نفسه».
يؤكّد سماحة الشيخ أيضاً أنّ الشرع لا يطلب إلحاق الخسارة بالمالك أو مصادرة حقّه الشرعيّ، بل يدعو إلى إحياء روح المداراة والتساهل، مستشهداً بالمرتكزات القرآنيّة والنبويّة التي تحثّ على مراعاة المعسر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280)، وقوله: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (هود: 85)، فضلاً عن التوجيه النبويّ بحفظ حقوق العاملين وإعطائهم أجرهم «قبل أن يجفّ عرقهم».
ويختم سماحته بتوجيه نداءٍ صريح ومباشر إلى قلوب المالكين وأصحاب العقارات في المناطق كافّة، مُذكّراً بالفرق بين «الأَجْر الإلهيّ» و»الأُجْرَة الماديّة»: «ارحموا بعضكم؛ فالأُجرة، مهما بلغت، مالٌ زائل، بينما الأجر عند الله والبركة في الرزق هما الباقيان. إنّ القرآن الكريم وضع الإنسان في دائرة الكرامة قبل دائرة الحقوق المجرّدة، وما يُقدَّم اليوم من تسامح وإحسان هو السياج الوحيد لستر العائلات المتضرّرة، وصون أمن المجتمع، ونيل بركة الدنيا وثواب الآخرة».