نقاء شيت
قد تعيش حياتك إلى جانب أحدهم، تعتقد أنّك تعرفه، تحفظه، تعرف سكناته وهمومه، وربّما قد تتصوّر أنّ له حدّاً معيّناً لا يتجاوزه، لكنّ منعطفاً كالشهادة، قد يكشف لك وجهاً لا تعرفه عنه أبداً.
فأوّل سؤال يراودك: كيف ذلك؟ لم نعهده صاحب سلاح، ومتى حمل البندقيّة؟ أو عندما تقرأ وصيّته تكتشف سعة أفقه، أو عندما تتفاجأ بأعماله وإنجازاته ومهاراته وصدقة سرّه؛ تكتشف أنّك ما عرفته حتّى اليوم.
هذا التحقيق، سيكشف وجهاً لثلّة من الشهداء، اتّخذوا من الجهاد «صدقة سرّ» مع ربّهم، واكتفوا أن يراهم كلّ الناس بصفتهم الاجتماعيّة فحسب: طبيباً، مسعفاً، مهندساً، أو حتّى طالباً في مدرسة، أو عنصراً كشفيّاً... كاتموا الأسرار، يخفون بذلك وعيّاً وهدفاً وسيراً نحو الكمال الحقيقيّ.
*«عاشق المهديّ»
حسين أحمد رسلان، ابن السادسة عشر، جوّال في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وتطوّع في العمل في صيدليّة كيفون، ليساعد بتوزيع الأدويّة والمواد الصحيّة للنازحين في المنطقة. ربطته منذ الصغر علاقة خاصّة بإمام زمانه، فكان أنيس جلساته وخلواته ورفيق دربه ومرشده وملهمه، وباب مناجاته وتوسّله إلى الله. كان الأهل يلمسون هذا البُعد المعنويّ لدى حسين، لكن أن يواظب على كتابة رسائل للإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف بخطّ يده بمعدَّل شبه يوميٍّ، خاصّة في آخر أربع سنوات من حياته، كان أمراً مفاجئاً لمن حوله. يقول في إحداها: «السّلام عليك يا صاحب أمرنا، السّلام على من أفنى عمره في انتظارنا؛ ليؤسّس لنا دولة إسلاميّة كريمة، السلام عليك يا إمامي». وفي أخرى يطلب: «يا مولاي أريد أن يلين قلبي للقرآن»، وفي ثالثة يبثّ همومه: «أريد أن أتحدّث عن مشكلة قلّة الوعي عند الشباب اليوم، فتية وفتيات...». بعد الشهادة، جمع أهله هذه الرسائل التي لم يطّلعوا عليها سابقاً، ونشروها في كتاب بعنوان «عاشق المهديّ».
قبل ارتقائه بنحو ساعتين، طُلب منه في ذلك اليوم أن لا يغادر الصيدليّة لأنّها مكان آمن، لكنّه رفض إلّا أن يصلّي في المسجد، فهو ما ترك صلاته في المسجد يوماً حتّى لُقّب بـ«المسجديّ»، فأقام صلاته الأخيرة وعاد إلى عمله؛ ليرتقي بعدها شهيداً في غارة استهدفت مبنى الصيدليّة، ويلتحق بإمامه الحسين عليه السلام مُصلّياً ناصراً وملبّياً نداءه.
*عريساً كما القاسم بن الحسن عليه السلام
حيدر نجيب الغول، ابن بلدة دبّين الجنوبيّة، شابّ في السابعة عشر، كانت البسمة لا تفارق محيّاه، وكان يتلهّف لمساعدة الصغير والكبير من أبناء بلدته. كان من روّاد المسجد، لا يفارق الصلاة والدعاء، وقائداً في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ومسعفاً في الهيئة الصحّيّة الإسلاميّة. في شهر المحرّم، كان سبّاقاً للخدمة في المضائف، ويجمع في شخصه صفات الشابّ المؤمن، كما زيّنته أخلاقه وهيئته التي أسرت قلوب من عرفه.
في الحرب الأخيرة (2026م)، كان حيدر من المسعفين الذين بقوا في دبّين. وحين اشتدّت المعارك، طُلب من المسعفين إخلاء البلدة والتمركز في مرجعيون قرب المستشفى. انتظرت والدته عودته ليغادر معهم، لكنّه اتّخذ قراراً مختلفاً فاجأ الجميع، حيث لم يُعرف عنه حمل السلاح، فقد آثر البقاء والتحق مباشرة بالعمل الجهاديّ، وخلع سترة الإسعاف وارتدى جعبة الجهاد وحمل سلاح العزّ، ليبقى مع إخوانه المقاومين المرابطين في البلدة.
دافع حيدر عن أرضه وشعبه، وشارك في إحدى العمليّات الجهاديّة ضدّ دبّابات الميركافا على تخوم دبّين، وما لبث أن ارتقى في 7/5/2026م، بعدما استهدفتهم غارة أثناء وجودهم في مقبرة البلدة. ارتقت روحه إلى بارئها، مخلّفةً فراغاً كبيراً ودموعاً في عيون أصدقائه الذين لم يكونوا يعلمون عن التحاقه بالعمل الجهاديّ. وبقي أثره كعبق الورد، فيما كانت أمّه تردّد: «ما رأيت إلّا جميلاً».
*مهندس برتبة شهيد
من قال إنّ شهداءنا يئسوا الدنيا، وهم الذين يحبّون الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلاً؟ يستوقفني مشهد عاينته في أيّام الحرب حين وصل خبر استشهاد مهندس ميدانيّ إلى طاقم عمله. لم يتوقّع أحد أنّه منخرط في العمل الجهاديّ؛ فهو شابّ مثابر في عمله الخاصّ الذي أنشأه، ومكافح لبناء مستقبل عمليّ أفضل، وطوّر فريقه وتابعه باحترافيّة، وحضر مؤتمرات دوليّة!
إنّه الشهيد المهندس محمّد حسن بزيع، ابن بلدة زبقين الجنوبيّة الذي ارتقى عن عمر يناهز التاسعة والعشرين. كان رائداً في عالم التسويق الرقميّ، ومدرّباً، وصاحب خبرات في التسويق والإعلان وإدارة الفرق إلكترونيّاً. وحقّق خلال سنوات قليلة مراتب متقدّمة، حتّى أصبح قائداً بارزاً بفريق عمل فاق التوقّعات. لم يكن نجاحه المهنيّ منفصلاً عن روحه، بل كان يرى في علمه وخبرته وسيلة لخدمة الناس والنهج الذي آمن به. لذلك، بقي اسمه حاضراً في مجاله حتّى بعد رحيله، لا بوصفه صاحب إنجازات مهنيّة فقط، بل شابّاً جمع بين الطموح الدنيويّ والالتزام الروحيّ والعمل الصامت.
تروي أخته أنّه كان قائداً في كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وسافر في العام 2014م إلى إيران لاستكمال دراسته الجامعيّة مهندساً مدنيّاً، وتابع هناك دراسة الماجستير. وفي العام 2020م، بدأ عمله الخاصّ في مجال التسويق، وشكّل فريقه الخاصّ حتّى توسّعت دائرة عمله.
أمّا التحاقه بالعمل الجهاديّ، فلم تعرف عائلته تاريخاً محدّداً له، واكتشفته مع بداية الحرب الأخيرة. وعرفوا بعد شهادته أنّه كان يقدّم خدمات تطوّعيّة في مجال دراسته وعمله، ويمارس جهاده في المقاومة بالخفاء من دون لفت الأنظار، حتّى لم يتنبّه أحد إلى دوره في بعض المهمّات الحسّاسة. أتقن عمله وترك بصمة في ساحات الجهاد، ختمها بدمائه الطاهرة في 4/4/2026م على أرض بلدته.
كان الشهيد المهندس روحانيّاً بدرجة عالية، ومن روّاد المسجد، وملتزماً بقراءة القرآن والأدعية، ويواظب على الذكر وزيارة عاشوراء، وتربطه علاقة قويّة بصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. لم تبعده حياته الدراسيّة والعمليّة عن التزاماته الدينيّة، وكان يختار ذكراً أو دعاء أو سورة قرآن يواظب عليها أربعين يوماً، حتّى لا تلهيه الدنيا وكثرة انشغالاته عن ذكر الله، ورجاؤه الأهمّ: نيل الشهادة في سبيله. هكذا نفتخر ونقول: «شبابنا لا يشبهون أحداً».
*مواساة للسيّدة الزهراء عليها السلام
ننتقل للحديث عن الصيدليّ الشهيد محمّد عماد حمادي، الطالب المتفوّق في جامعته، وكان يعمل في إحدى المستشفيات، وكانت أبواب الحياة مفتوحة أمامه، لكنّه فضّل أن يلتحق بالعمل التطوّعيّ في المجال العسكريّ، وعُرف باسم جهاديّ اختاره: «ميثم أبا عبد الله»، نسبة إلى الصحابيّ ميثم التمار وتفانيه في حبّ الإمام عليّ عليه السلام والدفاع عنه، لكنّه نسبه للإمام الحسين عليه السلام ليكون ميثم الشهادة.
كان الشهيد قائداً في كشافة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، يحمل يقيناً بأنّه سوف يستشهد ويعود مع صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. وتذكر والدته أنّه كان يعتكف في المسجد منذ العاشرة من عمره، ويواظب على قراءة دعاء العهد أربعين صباحاً ، وكانت له علاقة خاصّة بالسيّدة الزهراء والإمام الحسين عليهما السلام. وكان يسعى إلى تسليط الضوء على الأئمّة الذين لا يوفَّون حقّهم في المجالس السنويّة، كالإمام الجواد عليه السلام، وقد صادف يوم دفنه يوم شهادته عليه السلام.
أمّا عن لحظات الشهادة، فتروي والدته أنّ «ميثم أبا عبد الله» تعرّض لغارة في بلدة فرون أثناء عمله الجهاديّ، ما أدّى إلى تكسّر أضلاعه، فواسى بذلك السيّدة الزهراء عليها السلام. وعلى الرغم من إصابته ونزيفه الداخليّ، خرج من مكان الغارة متّجهاً نحو مسجد فرون، وبقي جريحاً ثلاث عشرة ساعة لا يستطيع شرب الماء لخطورة وضعه الصحّيّ. ومع كلّ ما عاناه، لم يترك الصلاة، فتوضّأ وصلّى صلاته الأخيرة.
كان من المقرّر أن يتدخّل الصليب الأحمر مع لجنة الميكانيزم لسحب الجرحى عند الثالثة ظهراً، لكنّ العدوّ استهدف المسجد بغارة قبل الموعد، ليرتقي محمّد شهيداً عند الساعة الواحدة والنصف بإصابة في نحره وعينه، كما كان يرجو دائماً.
محمد الصيدليّ المتفوّق فاجأ كثيراً من حوله بوعيه وآثاره وكلامه حول الشوق والسير في طاعة الله، وحبّ الجهاد والإيثار، وهو يثبت أنّ الشاب المؤمن مهما قدمت له الدنيا، تبقى في نظره مزرعة الآخرة ليس أكثر. وقد جمع أهله الكثير من آثاره وتسجيلاته وقصصه وكلماته في قناة خاصّة على الانستغرام تخبرنا كيف لشاب جامعيّ أن يستغل عمره إلى أقصاه في الخدمة والقرب.
*أحياء في الوجدان
تطول القائمة بالشهداء أصحاب القصص غير المعلنة، وليت الكلام يسعفنا لنوفي الجميع حقّهم، لكنّ أبلغ العبارات تعجز عن تبيان عظيم شأنهم. ما عرفنا عظيم شأنهم في الدنيا، ونكتشف كلّ يوم بُعداً روحيّاً لوجودهم، فيرتقي شأنهم الأخرويّ عن حجم تصوّرنا. فخورون أنّنا عرفناهم يوماً، وأنّهم كانوا بيننا. وبين سطور حياتهم، تبقى الرسالة الأوضح أنّ الإنسان قد يحمل في داخله عالماً لا يراه الآخرون، وأنّ أعظم الأعمال قد تُنجز بعيداً عن الشهرة. هؤلاء الذين عرفناهم بأسمائهم ومهنهم وابتساماتهم، تركوا خلفهم سيرة تقول إنّ الإيمان حين يتحوّل إلى فعل، يصبح أثراً لا يغيب.