تُمثّل بيانات سماحة الإمام السيّد القائد مجتبى الخامنئي حفظه الله وثائق فكريّة واستراتيجيّة بالغة الأهميّة؛ إذ لا تقتصر على التعبير عن المواقف السياسيّة تُجاه الأحداث والمتغيّرات المرحليّة، بل تؤسّس لمعالم مدرسة فكريّة وثوريّة متكاملة، ترتكز إلى رؤية عقديّة وسياسيّة وحضاريّة واضحة، وتقدّم إطاراً ناظماً لفهم التحدّيات وسبل مواجهتها.
*الغوص في المضامين
تسعى هذه السلسلة من المقالات إلى قراءة مضامين بيانات السيّد القائد حفظه الله منذ تولّيه القيادة، والبالغ عددها حتّى الآن أربع عشرة بياناً نُشر في مناسبات ومحطّات مختلفة. ورغم تنوّع سياقاتها الزمنيّة والموضوعيّة، فإنّها تشكّل في مجموعها نسقاً فكريّاً متماسكاً يكشف عن أبرز أفكاره، ويُبرز الأبعاد الثوريّة التي تؤطّر بياناته، والمفاهيم المركزيّة التي يرتكز إليها، بما يسهم في التعريف بشخصيّته الفكريّة ورؤيته الاستراتيجيّة وإبراز ملامح مدرسته في القيادة والعمل الإسلاميّ والثوريّ، بوصفها امتداداً واستكمالاً للمسار الفكريّ والثوريّ الذي أرساه والده، الإمام الشهيد علي الخامنئيّ قدس سره، مع ما يطرحه من خصوصيّات ومعالجات تتّصل بمرحلة القيادة الراهنة ومتطلّباتها. وتأتي هذه الورقة بوصفها قراءة أوّليّة تهدف إلى استكشاف المرتكزات العامّة لهذا البيان، وفتح الباب أمام دراسات أكثر تفصيلاً وعمقاً في فكره ومنهجه القياديّ.
*أوّلاً: القيم الأكثر حضوراً في البيانات
ثمّة مجموعة من القيم التي تحضر بشكل واضح في بيانات سماحته، نذكر منها:
1. المقاومة: تطرح البيانات مفهومَ «المقاومة» بوصفه خياراً وجوديّاً ومنهجاً سلوكيّاً يتجاوز البُعد العسكريّ، ليغدو أسلوب حياة شاملاً، وصمّامَ أمانٍ لحفظ استقلال الأمّة وهويّتها في مواجهة الهيمنة الغربيّة والصهيونيّة. ويتدرّج القائد في تناول هذا المفهوم من المنطلق الفكريّ العقديّ المرتبط بـ»القيام لله»، وصولاً إلى تجلّياته العمليّة في الساحات المحلّيّة والإقليميّة، عارضاً إيّاه بوصفه حلقة وصل متينة تربط بين شعوب المنطقة وتصنع معادلات القوّة الجديدة. ويتجلّى ذلك بوضوح في تأكيد البيان أنّ المقاومة والصمود استمرّا: «طوال سنوات قيادة هذا القائد العظيم، وقدّمت الشهداء الغوالي كالحاج قاسم سليماني وباقي القادة الكبار في الحرس الثوريّ والجيش كأكبر دليل على مصداقيّة هذا النهج»، وبفضله «تصدّى حبل الله المتين للغاصبين الصهاينة، وطمر تنظيم داعش، وأطلق طوفان الأقصى، وأرهق كيان الاحتلال».
2. الولاية والقيادة: تُمثّل «الولاية» في بيانات القائد العمود الفقريّ الذي يرتكز عليه بناء النظام الإسلاميّ، والضامن الحقيقيّ لاستمرار النهج الإلهيّ والشرعيّة السياسيّة والشعبيّة عبر الأجيال المتعاقبة. ويستحضر القائد مفهوم الولاية انطلاقاً من بُعده التاريخيّ والشرعيّ، ثمّ يربطه بالواقع السياسيّ المعاصر للثورة الإسلاميّة، مؤكّداً التلاحم البنيويّ بين القائد والشعب والمسؤوليّة الكبرى الملقاة على عاتق القيادة لتوجيه الأمّة نحو التكامل؛ بحيث يربط هذا المفهوم بـ»يوم العهد المعهود والميثاق المأخوذ الذي حدّد الله فيه تكليف إدارة المجتمع والنظام الإسلاميّ، وجعل إكمال الدين وإتمام النعمة متلازمين مع الولاية والإمامة المستمرّة للأئمّة المعصومين»، مصرّحاً بعظم المسؤوليّة وصعوبتها بقوله: «إنّ جلوسي في المكان الذي كان موضع جلوس قائدَين عظيمَين، هما الخمينيّ الكبير قدس سره والخامنئيّ الشهيد قدس سره، أمر بالغ الصعوبة بالنسبة إليّ... سدّ هذه الفجوة لا يمكن أن يتحقّق إلّا بالاستعانة بالله تعالى وبمؤازرتكم أنتم». إذ يؤكّد سماحة الإمام السيّد مجتبى حفظه الله، من خلال هذا البيان، أنّ القيادة لا تُمارَس بوصفها سلطة فوقيّة، بل كعلاقة تفاعليّة وجدانيّة وعمليّة تكتسب فاعليّتها وقوّتها من استجابة الجماهير وتفويضها الإيمانيّ للقائد.
3. الشهادة: تطرح البيانات «الشهادة» كحياة مستمرّة ووقودٍ يبعث الملاحم في عروق الأمّة، ويُعيد إنتاج القوّة والوعي والتماسك المجتمعيّ في لحظات المنعطفات التاريخيّة الكبرى. وترتكز بنية البيانات عند تناول الشهادة على الربط الدائم بين دماء شهداء العصر الحاليّ وملحمة عاشوراء الحسين عليه السلام، محوّلاً الرثاء والحزن الشخصيّ والجمعيّ إلى قوّة حركيّة، وعزم قاطع على الانتقام والثأر من المجرمين؛ إذ تؤكّد البيانات أنّه «من بين الحسينيّين رجالٌ، حين تُسفَكُ دماؤهم مظلومين في سبيل الحسين... تنهض الأمّة الإسلاميّة، فيتّصل ذلك الزمان بعاشوراء، وذلك المكان بكربلاء»، مشدّداً على أنّ «أثر الشهيد يفوق أثر الحيّ الحاضر، وأنّ صوته الصادح بالدعوة إلى التوحيد ونصرة الحقّ ومقارعة الظلم والفساد بات أشدّ صدىً».
4. الأمّة: تتجاوز «الأمّة» في البيانات الحدود الجغرافيّة والقوميّة الضيّقة لتتشكّل ككيان حضاريّ موحّد يشمل الأحرار والمستضعفين حول العالم، السّاعين للتخلّص من التبعيّة والاستعمار.
ويخاطب السيّد القائد الخامنئي حفظه الله الأمّة باعتبارها جسداً واحداً يمتدّ من إيران إلى لبنان وفلسطين واليمن والعراق وغيرها من الدول، ويرى أنّ تماسك خلايا هذا الجسد هو السبيل الوحيد لإسقاط المشاريع الاستكباريّة، وبناء الحضارة الجديدة؛ إذ يوضح في بيانه أنّه «وبذات السلاح تمّ توثيق عرى الأمّة الإسلاميّة من إيران إلى لبنان وفلسطين والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان»، معلناً بيقين تامّ أنّ «المستقبل ملك للأمّة الإسلاميّة وحضارتها الجديدة». ويستنتج من هذا الطرح أنّ تماسك الأمّة وقوّتها الحقيقيّة يُقاسان بمدى استجابتها لنداء نصرة المظلومين، وبنائها لشبكة تضامن دفاعيّة واقتصاديّة وثقافيّة عابرة للحدود السياسيّة المصطنعة التي فرضتها القوى الاستعماريّة.
وفي العدد القادم، بإذن الله، نتابع تناول القيم التي تضمنتها بيانات سماحة الإمام القائد مجتبى الخامنئيّ حفظه الله.