القيم في بيانات القائد السيّد مجتبى الخامنئيّ دام ظله (2) فقه الولي | من أحكام ضمان بعض الضرر أو عدمه قصّة | جسدٌ نَحيل وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها تحقيق | ما عرفناه حتّى... الشهادة حربٌ واستغلال: رحلة البحث عن بيت للإيجار الجنديّ الأمريكيّ: بطلٌ في السينما ومجرمٌ مأزومٌ في الواقع القيم في بيانات القائد مجتبى الخامنئي (حفظه الله) الدمعة الحسينيّة: حينما يصنع الألم وعياً وشفاءً القصيدة الحسينيّة..تحوّلات بين المنبر والساحة

وصيّة الشهيد علي فنيش (أبو ياسر): الصلاة في أوّل وقتها

تحقيق: نانسي عمر


بدمٍ طاهر خطَّ دربَ العزّة، وبقلبٍ نابضٍ بحبّ الإمام الحسين عليه السلام ارتقى العاشق إلى معشوقه على طريق أسمى المقدّسات. لم يعرف للخوف طريقاً، بل حمل يقينه بأنّ الشهادة حياة، وأنّ الدفاع عن الأرض والمقدّسات عهدٌ لا يُكسر. مضى ثابتاً كالجبل، متمتماً بتسبيحات العشق، ومواجهاً الظلمَ ليس بالسلاح فقط، بل بصلاته التي لم يؤخّرها يوماً، وزيارة عاشوراء التي لم تفارق روحه، تاركاً لمحبّيه إرثاً من الكرامة والوفاء، ليُكتبَ اسمُه مع السعداء الذين أعاروا الله جماجمهم، واشتروا الدنيا بالآخرة. إنّه الشهيد علي فنيش (أبو ياسر).

*صلاةٌ في محراب العشق
يقول علي حيدورة صديق الشهيد: «إن سألتم عن أبرز سِمة في شخصيّة الشهيد، فهي أنّه كان محبّاً وخدوماً ومستعدّاً لمساعدة الناس وقضاء حوائجهم في أيّ وقت، وخصوصاً الأصدقاء منهم».

ويتابع: «أمّا عن حياته العباديّة، فلا يخفى على أحد إصراره على عدم تأخير الصلاة مهما كان منشغلاً، فكان عند رفع الأذان يدعونا إلى ترك أشغالنا والتوجّه إلى الصلاة في أوّل وقتها. كما أنّه كان مواظباً على زيارة عاشوراء بعد الصلاة. وفي إحدى المرّات، طلبت منه أن يؤجّلها إلى وقت آخر ريثما ننهي تأدية أعمالنا، فقال لي: (إنّ زيارة عاشوراء سرّ الشهادة)، بمعنى أنّ من يريد أن ينال الشهادة، ينبغي أن لا يغفل عنها».

*لحظة استجابة ببركة الأمير عليه السلام
ذكر الشهادة لم يغب عن بال أبي ياسر ولسانه، فهو الذي كان يخبر أصدقاءه عن يقينه بأنّه لن يختم حياته إلّا بالشهادة، وهذا الأمر -بحسب ما كان يقول الشهيد- مرتبط بيقينه بالله تعالى وأهل البيت عليهم السلام. كيف لا، وهو الذي كان قد طلبها منهم في زيارة الأربعين التي كان مواظباً عليها أيضاً.

في رسالة صوتيّة كان قد بعثها لأحد أصدقائه، يقول الشهيد لصديقه: «هل تذكر عندما كنّا في زيارة الأربعين في مقام أمير المؤمنين عليه السلام، وقمت مرّةً بتصويري وأنا أبكي؟ في تلك اللحظات، كنت أطلب من الأمير أن أنال الشهادة في سبيل الله، وسيأتي يوم وتستذكر تلك اللحظة وتلك الأمنية بعد شهادتي إن شاء الله». يبدو أنّ تلك اللحظة كانت لحظة استجابة، حيث نال الشهيد ما تمنّى ببركة أهل البيت عليهم السلام.

*عاشق الحسين عليه السلام
كان الشهيد أبو ياسر على ارتباط خاصّ بأهل البيت عليهم السلام، وخاصّة الإمام الحسين عليه السلام، فهو الذي كان يوصي بأن ينادى بـ»عاشق الحسين»، وأن تُكتب هذه العبارة على ضريحه بعد شهادته بوصفها اللقب الأحبّ إلى قلبه.

منذ نحو عشر سنوات، رأى أبو ياسر في منامه رؤيا جمعته بالإمام الحسين عليه السلام، جعلته يبعث برسالة إلى الأمين العام لحزب الله سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، يطلب فيها الإذن لتنفيذ عمليّة استشهاديّة، معلناً عن استعداده لأداء أيّ عمل جهاديّ يُطلب منه. لم يكن أحد من عائلته أو أقاربه على علم بهذه الرسالة إلى حين شهادته، فازداد شعورهم بالفخر به.

يقول بلال (شقيق الشهيد): «منذ بداية حرب الإسناد، كانت تبدو عليه علامات الانزعاج لأنّه لم يُطلب إلى الجبهة، فهو كان جاهزاً لأن يذهب في أيّ وقت لمساندة الإخوان. وبعد إصراره الشديد، ذهب إلى هناك وعاد شهيداً». ويضيف: «خلال معارك الدفاع عن المقدّسات، كان يملك صالون حلاقة رجاليّ يعمل به بعد انتهاء دوامه، وكان بين الفترة والأخرى يغلق الصالون فجأة لأيّام عدّة، فكنّا نعلم حينها أنّه ذهب ليشارك في تلك المعارك غير آبهٍ بدنيا أو رزق أو مال».

*أبٌ بنكهة صديق
عن أبي ياسر الأب كلام يطول، فهو المحبّ لعائلته، الحنون على أبنائه، وصديق الصغير والكبير، وهو الملهم المتفائل دوماً، وصاحب البسمة اللطيفة التي تمدّهم بالطاقة الإيجابيّة.

تقول بتول ابنة الشهيد: «كنت إذا شعرت بضيق جلست إلى جانبه، وبمجرّد أن أرى بسمته تنفرج أسارير قلبي، وتزول عنّي الهموم مهما كانت كبيرة. كان يشعر بأنّني مهمومة بمجرّد أن ينظر إلى عينَي. ومهما حاولتُ أن أخفي عنه حزني، كان يدرك ماذا يعتريني من دون أن أنطق بكلمة واحدة».

وتتابع: «لم تكن علاقتنا تنحصر بعلاقة أب وابنته، فأنا كنت أجد فيه الطاقة الإيجابيّة والأمان والأمل والتفاؤل، وهو كان يقول لي: (أنت أجمل خطوة قمت بها في حياتي). كنّا نتحدّث عن كلّ صغيرة وكبيرة، وكان يحدّثني عن كلّ ما يشغل باله وكأنّه يتحدّث إلى صديقه المقرّب».

وتتحدّث بتول عن غيرة أبيها عليها، وهو على الرغم من أنّه كان يتمنّى أن يزفّها عروساً، إلّا أنّه كان لا يخفي توتّره عندما يتقدّم شابّ لخطبتها، لمجرّد أن يفكّر أنّها ستترك البيت وستبتعد عنه.

*اللقاء الأخير
خلال فترة الحرب، أخبر أبو ياسر ابنته بنيّته الذهاب إلى الجبهة، تاركاً لها عدداً من الوصايا وعبارات الفخر والاعتزاز بأنّه يعرف من خلّف وراءه. تقول بتول: «كنت أشعر أنّه لن يعود، وأنّ هذا اللقاء سيكون الأخير بيننا. في تلك الليلة تحدّثنا طويلاً، ثمّ نمت إلى جانبه. وفي الصباح، احتسينا القهوة معاً وأنا أنظر في وجهه الذي يشعّ نوراً، ثمّ ودّعني على عجل بحجّة أنّه يكره الوداع الحارّ، لكنّني كنت أعلم أنّه كان يحاول أن يخفي دموعه عنّي».

وكما كلّ من عرفه، تؤكّد بتول أنّ وصيّة الشهيد الأولى والأخيرة كانت أداء الصلاة في أوّل وقتها، وتذكر كيف كان يغلق صالون الحلاقة عندما يحين وقتها ليذهب إلى المسجد القريب ويؤدّيها، ويقرأ زيارة عاشوراء، تاركاً على باب المحلّ لافتة مكتوب عليها «نعود بعد الصلاة».

*أحياء
الشهداء لا يفارقون أحبّاءهم، عن ذلك تقول ابنة الشهيد: «بعد شهادته بأيّام قليلة، خرجت من مجلس عزاء وكنت أشعر بضيق شديد في صدري، فلم أجد نفسي إلّا في طريقي إلى روضته المباركة، على الرغم من أنّ الدنيا كانت مظلمة. ما إن وصلت إلى الضريح، حتّى بدأت السماء تمطر بغزارة، فجلست مطوّلاً أشكو إليه شوقي وأطلب منه أن يزورني في المنام. وبالفعل، في الليلة نفسها، رأيته في منامي هادئاً مبتسماً حاملاً لي الهدايا بين يديه».

وتضيف: «لم تكن تلك المرّة الوحيدة التي تيقّنت فيها بوجوده معي، ففي إحدى المرّات، وبينما أنا نائمة، شعرت بطيفه إلى جانبي، وسمعت صوته يناديني ويحدّثني. وفي مرّة أخرى، جاءني في المنام يبارك لي نجاحي على الرغم من أنّني لم أكن مسرورة بعلاماتي، وكأنّه أراد يومها أن يخفّف حزني ويخبرني بأنّه فخور بمجهودي وتعبي. في كلّ مرّة أشعر فيها بضيق، أشعر به إلى جانبي يرافقني ويخفّف عنّي، وهو ما يجعلني دائماً أتذكّر الآية الكريمة التي تؤكّد لنا أنّهم أحياء. هم أحياء حقّاً وحاضرون معنا بأرواحهم وقلوبهم الطاهرة».

ليست قصص بتول غريبة عن عالم الشهداء وحكاياتهم مع عوائلهم وأبنائهم، فهم أحياء حاضرون دوماً في كلّ مناسبة إلى جانب أبنائهم، لا يفارقونهم لحظة، يشعرون بحزنهم، ويشاركونهم أفراحهم. فهنيئاً لهؤلاء الأبطال هذا الوسام العظيم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع