السيّد عبّاس عليّ الموسويّ
كيف سيواجه الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف الجيوش والدول المستكبرة؟ وكيف سيقدر على دحرها وإلحاق الهزيمة بمن يحرّكها؟ وكيف سيبسط سلطته على الكرة الأرضيّة؟
*الانتصار أمر حتميّ
إنّ انتصار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في معركته أمر محتوم لا مجال للشكّ فيه، إذ إنّه موعود لهذه المهمّة منذ عهد النبوّة المحمديّة. وأما سلاحه على ضخامته، فلا يخرج بحساب ظاهريّ إلى السماء، وإن كان ذلك ممكناً، ولكنّ الروايات لم تذكر أنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف سيستعمل ذلك، ولن يكون الدعاء وحده هو السلاح، بل يجب أن تقف أمامه عوامل كثيرة ومتعدّدة، وأسلحة منظورة وغير منظورة، وأجواء مؤاتية في عمليّة الانتصار، نتناول بعضاً منها في هذا المقال.
*أوّلاً: العقيدة الصادقة
يجب أن نلتفت بانتباه شديد إلى أنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومن معه من المؤمنين يقاتلون بعقيدة لا يقف في وجهها أيّ سلاح في الكون. أمّا المعنويّات التي يتمتّع بها المؤمنون، فهي من أهمّ عناصر الانتصار؛ فمن يقاتل من أجل هدف يؤمن به، ويرى من خلاله السعادة الأبديّة الكاملة التي تؤهّله للفوز في ما أعدّه الله للمؤمنين المجاهدين، مثل هذا المجاهد من دون شكّ ستكون قوّته مضاعفة أضعافاً كثيرة، ويكون تخطيطه محكماً، وكذلك إحاطته بقدرات العدوّ.
إنّ الحكومات اليوم تربّي جيشها على معانٍ كالوطنيّة والقوميّة وغيرهما، وهي معانٍ صغيرة، فكيف بمن يملك عقيدة قويّة، فينظر إلى الآخرة وما فيها وهو في عالم الدنيا؟ كيف سيواجه مثل هذا الشخص أعداءه وكيف سيتلقّاهم؟ لا شكّ في أنّ سلاح العقيدة هو أمضى سلاح في أيّ معركة. إنّ رجلاً يرى سعادته في شهادته لهو إنسان لا يُقاوَم ولا يمكن هزيمته أبداً، والنتيجة في النهاية مضمونة لصالحه وصالح أهدافه.
إنّ أصحاب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف خلاصة الجيل البشريّ وصفوة الناس في كلّ الخصال والصفات.
*ثانياً: القيادة الربّانيّة
تتميّز قيادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بأنّها قيادة ربّانيّة اصطفاها الله وانتدبها لمهمّة إنقاذ العالم. أمّا القيادات المعهودة في الأرض، سواءٌ كانت نتيجة انقلابات عسكريّة أم تسلّط بالقهر والغلبة، أم نتيجة انتخابات واختيار للناس، فتحمل القصور والنقصان والمحدوديّة في الرؤية. لذلك، فهي تسقط أمام أيّ امتحان صعب أو أيّ منقلب شرس ظاهر. ومن أنماط قصورها وضعفها ما تعانيه المجتمعات من مظلوميّة فادحة، وقهر واضطهاد وظلم، وتصنيف المجتمعات إلى طبقات، وهكذا.
بينما الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يحكم باختيار الله له، وهو إمام كامل معصوم لا يحتمل في حقّه الخطأ فضلاً عن الخطيئة، ولذا، تكون كلّ أفعاله وأقواله ومسيرته مسدّدة بتوفيق الله لا يعترض طريقه خطأ.
إذا نظر الإنسان إلى هذه القيادة المهدويّة، يطمئن إلى سلامة مسيرته وبراءة ذمّته، وينفّذ أوامرها من دون تردّد، بل ينتظر أمرها ليقوم بأداء ما يُطلب منه برغبة، بأجر الطاعة وثوابها. كما تتميّز قيادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف عن القيادات الأخرى بأنّها قيادة نالت تأييداً من السماء، وتمثّل ذلك في أمور:
1. صُنعت على عين الله: فجاءت في أروع درجات الكمال وأرقاها، بحيث تُقاس الأمور من خلالها، فتتقبّلها العقول والقلوب، وينقاد إليها الناس بملء إرادتهم وحرّيتهم عن قناعة تامّة. وهي القيادة التي يتحرّر على يديها العالم من براثن الظلم والقهر.
2. قيادة أُعطيت قدرات علميّة وماديّة: فهي قيادة ذُلّلت لها الطاقات والكائنات حتّى الجبال والهضاب، فلا يخفى عليها شيء في العالم، بل كلّ الدنيا تحت يديها، ففي الرواية: «إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر، رفع الله تبارك وتعالى له كلّ منخفض من الأرض، وخفّض له كلّ مرتفع حتّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته. فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها؟»(1).
3. يأس الأمم والشعوب من تجارب الحكم والسلطات الحاكمة: إنّ البشريّة خلال مسيرتها الطويلة قد جرّبت السلطة بأنظمة مختلفة ومتنوّعة، ولم يبقَ حلم يخطر في البال في نوع من أنواع الحكم إلّا ومرّ بتجربة. وقد عانت البشريّة من هذه الأنظمة الظالمة، وقاست الآلام، وتجرّعت الغصص، ولم يفلح نظام حكم واحد في تحقيق سعادة الإنسان. ولكن عندما يأتي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بحكم إسلاميّ كما أراد الله، سترى فيه البشريّة سفينة نجاة ومركب خلاص، وهذا ما يفسّره قول الإمام الصادق عليه السلام: «ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلّا وقد ولّوا على الناس حتّى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل»(2).
فالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يأتي بطرح إسلاميّ يحكم البلاد والعباد بعد يأس الناس وتجاربهم المختلفة في الحكم، فتستجيب له الشعوب والأمم ويكون الخلاص على يديه. وإنّ ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف سيكون بمثابة الطموح النهائيّ للبشريّة التائهة اليائسة، فتهفو إليه القلوب، وتتعطّش إلى عدله الأرواح، وتستسلم له العقول المنهكة.
(1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 52، ص 329.
(2) الغيبة، النعماني، ج 1، ص 280.