‏لعودة آمنة للنازحين عندما ننتصر... قبل أن ننتصر صغيرٌ في العمر..كبيرٌ في الموقف من سيرة القائد يوسف إسماعيل هاشم (السيّد صادق) الشعب المصري يستعيد بوصلة المقاومة ‏شغف الإمام الخامنئيّ قدس سره بـــالـكتــــاب والأدب(1) ‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة فقه الولي | ‏حكم أجرة البيوت والمحالّ خلال الحرب لو اجتمع المسلمون في وجه الصهاينة* بمَ ينتصر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟*

‏الإمام الخامنئي قدس سره: قيادة تُجدّد روح الثورة

الشيخ بلال حسين ناصر الدين
 

لم يكن اختيار الإمام السيّد عليّ الخامنئيّ لقيادة الثورة الإسلاميّة بعد رحيل الإمام الخمينيّ قدس سره حدثاً عابراً في مسار الثورة، بل بدا وكأنّه امتداد طبيعيّ للعناية الإلهيّة التي تتجلّى في اللحظات المفصليّة من تاريخ الأمم. ففي تلك المرحلة الحسّاسة من عمر الثورة الإسلاميّة، كانت الأمّة أمام اختبار كبير: كيف تُحافظ على روح الثورة ومبادئها بعد رحيل قائدها المؤسّس؟

*المقوّمات الشخصيّة للإمام الخامنئيّ قدس سره
لقد تسلّم الإمام الخامنئيّ قدس سره مسؤوليّة الولاية في ظلّ وجود شخصيّات علميّة وجهاديّة بارزة، بعضها يفوقه سنّاً. ومع ذلك، فإنّ مجموعة من السمات الفكريّة والروحيّة والشخصيّة التي امتلكها جعلت أغلبيّة أصحاب القرار في مجلس الخبراء تتّجه إلى اختياره لتحمّل هذه المسؤوليّة العظمى. ويُذكر أنّ الإمام الخمينيّ قدس سره نفسه كان من أبرز الداعمين لشخصيّته القياديّة، لما كان يراه فيه من عمق فكريّ، وصلابة إيمانيّة، وشموليّة معرفيّة، وقدرة على حمل مشروع الثورة في المدى البعيد.

من خلال متابعة مسيرة الإمام الخامنئيّ قدس سره خلال عقود قيادته، يتبيّن بوضوح أنّ أحد أهمّ إنجازاته تمثّل في ترسيخ فكرة الثورة الإسلاميّة والولاية في الوعي العام، في وقت كان العالم يشهد موجة واسعة من الانبطاح السياسيّ والتبعيّة الثقافيّة للقوى الكبرى. وقد تحقّق ذلك عبر مجموعة من المقوّمات الشخصيّة التي شكّلت عناصر قوته وتأثيره، ومنها:

1 - الإيمان العميق بفكرة الثورة: يُعدّ الإيمان بالفكرة أساساً لكلّ حركة تاريخيّة مؤثّرة. فحين يؤمن الإنسان بقضيّة إيماناً حقيقيّاً، يتحوّل هذا الإيمان إلى قوّة دافعة تنعكس في فكره وسلوكه ومواقفه. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، في إشارة إلى ضرورة تعميق الإيمان وترسيخه ليصبح محرّكاً فعليّاً في الحياة.

وقد تجلّى هذا المعنى بوضوح في شخصيّة الإمام الخامنئيّ قدس سره، إذ لم يكن تعامله مع الثورة الإسلاميّة من منطلق سياسيّ أو إداريّ فحسب، بل كان إيماناً راسخاً يسكن العقل والقلب معاً. ولذلك، ظهرت الثورة في خطابه وإدارته للدولة ورؤيته الثقافيّة والاجتماعيّة. ومن هنا، كان ترسيخ روح الثورة في المجتمع أحد أبرز أولويّاته الدائمة.

2 - المنطق والقدرة التحليليّة: تميّز الإمام الخامنئيّ قدس سره بقدرة عالية على تحليل القضايا المعقّدة وتشخيص عناصر القوّة والضعف فيها. وهذه الملكة الفكريّة مكّنته من تقديم مفهوم الثورة الإسلاميّة بلغة عقلانيّة ومنطقيّة تقنع العقول قبل أن تخاطب العواطف.

فهو حين يتحدّث عن الثورة، لا يقدّمها بوصفها حدثاً تاريخيّاً انتهى، بل بوصفها مشروعاً حضاريّاً متكاملاً يمتلك مبادئ واضحة، وأهدافاً استراتيجيّة، ومساراً طويل الأمد. وقد ساعد هذا الأسلوب التحليليّ على حماية الثورة من التحريف الفكريّ أو الاختزال السياسيّ.

3 - التبيين المستمرّ: من الخصائص البارزة في خطابات الإمام الخامنئيّ قدس سره تركيزه الكبير على التبيين، أي شرح الحقائق وكشف أبعادها الفكريّة والسياسيّة. فالكثير من خطاباته تقوم على تفكيك المفاهيم الملتبسة، وتوضيح طبيعة الصراع الثقافيّ والسياسيّ الذي يواجه الأمّة.

وقد أصبح مفهوم جهاد التبيين أحد العناوين الأساسيّة في رؤيته الثقافيّة، لأنّه يدرك أنّ المعركة المعاصرة ليست عسكريّة فحسب، بل هي أيضاً معركة وعي وإدراك. ومن خلال هذا التبيين المستمرّ، استطاع أن يحافظ على وضوح الرؤية الثوريّة في أذهان الأجيال المتعاقبة.

4 - الشموليّة في فهم الثورة: لم يقدّم الإمام الخامنئيّ الثورة الإسلاميّة ضمن إطار عسكريّ أو جهاديّ ضيّق، بل قدّمها بوصفها مشروعاً حضاريّاً شاملاً يرتبط بمختلف ميادين الحياة، كالعلم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والاجتماع، إلى جانب الجهاد والمواجهة.

أتاح هذا الفهم الشموليّ إدخال روح الثورة إلى مختلف المجالات، وخصوصاً في ميدان العلم والتقدّم التقنيّ. ولذلك، رأى كثير من الشباب في الثورة دافعاً للتفوّق العلميّ وبناء القدرات الوطنيّة.

5 - البعد الإنسانيّ والمحبّة: تؤدّي شخصيّة القائد دوراً محوريّاً في التأثير على الجماهير. ومن يتأمّل شخصيّة الإمام الخامنئيّ قدس سره، يلحظ بوضوح البعد الإنسانيّ العميق فيها؛ فهو يقدّم أفكاره ومواقفه بروح مفعمة بالمحبّة والصدق، ويخاطب الناس بلغة قريبة من وجدانهم.

وقد أسهمت هذه الروحيّة في خلق علاقة عاطفيّة وثقافيّة بينه وبين فئات واسعة من المجتمع، خصوصاً فئة الشباب، ما جعل كلماته وتوجيهاته تلقى قبولاً واسعاً، فأسهم في ترسيخ المفاهيم الثوريّة في النفوس بطرق سلسة.

6 - التأصيل الإسلاميّ للثورة: من أهمّ المقوّمات الفكريّة في طرح الإمام الخامنئيّ قدس سره، ربط الثورة الإسلاميّة بجذورها الإسلاميّة الأصيلة. ولطالما أكّد باستمرار أنّ هذه الثورة امتداد طبيعيّ للإسلام المحمّديّ الأصيل.

ولهذا، نجده يربط مسار الثورة بالقرآن الكريم، وسيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتعاليم أهل البيت عليهم السلام، مبيّناً أنّ العدالة والاستقلال ومقاومة الظلم قيم إسلاميّة أصيلة. ومن خلال هذا التأصيل، تحوّلت الثورة إلى مشروع دينيّ حضاريّ متعدّد الجوانب.

7 - اهتمامه بالشباب ودورهم: أولى الإمام الخامنئيّ قدس سره اهتماماً كبيراً بالشباب، وكان يرى فيهم القوّة الأساسيّة القادرة على حماية الثورة واستمرارها، بوصفهم القوّة التي تملك الطاقة لتفعيل مبادئها.

وقد عبّر عن هذه الرؤية بقوله: «يجب المحافظة على الروحيّة الثوريّة؛ وهي تعني أنّ الإنسان الثوريّ الذي يمتلك الشجاعة والمبادرة، يجب أن يكون أيضاً من أهل العمل، وأن يبدع ويبتكر، ويخترق الطرق المسدودة، ويفكّك العقد الصعبة، لا يخاف من أيّ شيء، ويتمتّع بالأمل بالمستقبل»(1).

إنّ هذه الرؤية التي تجمع بين الشجاعة والعمل والإبداع والأمل، أسهمت في بناء جيل واسع من الشباب المؤمنين بفكرة الثورة والفاعلين في ميادينها المختلفة.

إنّ تأثير شخصيّة الإمام الخامنئيّ قدس سره في ترسيخ فكرة الثورة الإسلاميّة كان نتاج منظومة متكاملة من الإيمان العميق، والوعي الفكريّ، والقدرة التحليليّة، والروح الإنسانيّة، والرؤية الحضاريّة الشاملة. وهذه المقوّمات مجتمعة جعلت منه أحد أبرز الشخصيّات التي استطاعت الحفاظ على روح الثورة وتطويرها، لتبقى مشروعاً حيّاً ومتجدّداً في حياة الأمّة.

(1) من كلمة الإمام الخامنئي في لقاء التلاميذ والطلاب الجامعيّين بمناسبة اليوم الوطني لمكافحة الاستكبار 1395/08/12 هـ. ش 2/11/2016م.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع