آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

مجتمع: كتابات مع الطلقات الأولى (2)


ولاء حمّود


كان يزور أسبوعيّاً منزل إحدى عوائل الشهداء، وكانت زاويته "منازل الشهادة" في صحيفة العهد الأسبوعيّة محطّةً يتزوّد منها جمهور المقاومة روح الصبر وروعة الثبات وعظمة الفخر بالشهداء وعوائلهم. يعايشون معهم آلامهم، وصبرهم، وصمودهم، ويستلهمون منهم كيف يترجمون "هيهات منّا الذلّة" بالروح والدم والإيمان..

الأستاذ حسّان بدير، أحد أقلام الطلقات الأولى للمقاومة، يحّدثنا عن ذكرياته.

•معايشة قلب الحدث
يبتدئ الأستاذ حسّان حديثه بالاستشهاد بقول للسيّد عبّاس الموسويّ قدس سره، فيقول: "قال السيّد عبّاس قدس سره لي يوماً: قصص الشهداء تعطينا دروساً في القيم والأخلاق النبيلة، وتحيي نهج الإمام الحسين عليه السلام ". ثمّ يضيف: "لم تكن كتاباتي عن الشهداء وقصصهم محض صدفة، بل كانت ردّة فعل على واقع عايشته منذ أن رأيتُ في العام 1978م مشاهد الاجتياح الصهيونيّ الأوّل لقريتي برعشيت وقرى جبل عامل، بما عُرف يومها بعمليّة الليطانيّ، وكذلك معاصرة الاجتياح الصهيونيّ الثاني لبلدتي ولكلّ لبنان في العام 1982م، بما عُرف بعملية سلامة الجليل. وفي كلا الاجتياحين، شاهدتُ عن قرب فعل القتل والإجرام للجنود الصهاينة، ودخول آلياتهم إلى قرانا. كما أنّني عايشتُ عن قرب فعل الأسر والقمع لأبناء بلدتي وبقيّة القرى والمدن، ممّا حفر في ذاكرتي صوراً موجعة عن معتقلات أنصار والخيام في جنوب لبنان، مضافاً إلى معتقلات عتليت والجلمة وزنازينها في فلسطين المحتلّة، وغيرها الكثير. 

لم أكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمري، عندما سمعتُ عن عمليّة نسف مركز الحاكم العسكريّ في صور صبيحة 11 تشرين الثاني 1982م، ثمّ تتالت العمليّات ضدّ القوّات الأجنبيّة الغازية لبيروت؛ فكان يعتريني عند كلّ عمليّة شعور بالفرح والسكون القلبيّ العارم بالفخر، حتّى أنّني رفعت يوماً صوت المذياع، حيث كنت أعمل في دكّان أمّي (رحمها الله)، في ساحة الضيعة، لأُسمع الناس بيان المقاومة عن إحدى عمليّاتها، فنبّهني أحدهم أنّ للعملاء آذاناً في الساحة، لكنّني لم أكترث للأمر، فكلّ ما كان يعنيني أنّ ثمّة رجالاً عظماء من أبناء قرانا بدؤوا بإسقاط الخوف الذي كان يسكننا ويسكن عقولنا وأبصارنا". 

أمّا عن نقطة التحوّل في حياة الأستاذ حسّان، فيقول: "في أحد الأيّام، أعلن أحد الإخوة من مسجد القرية عن استشهاد شيخ من بلدة جبشيت اسمه (راغب حرب)، فأخذتني روحي وتفكيري إلى طينة هذا الشيخ، وعرفنا عندها أنّ ذلك الدم قد أسقط الخوف عن مساجدنا ومحاريب صلاتنا. عندها، قرّرتُ ترك القرية والرحيل إلى بيروت بحثاً عن هؤلاء الفتية وتلك المواطن التي سكنتني، وأشعلت في أصابعي جمرة السعي نحو الكتابة والتعبير".

•النصّ الأوّل
كيف كانت بدايات الكتابة؟ حول ذلك يقول الأستاذ حسّان: "كان ذلك في بيروت خلال عملي في وكالة صحافة عربيّة، عندما أوكلت إليّ مهمّة الكتابة عن الاستشهاديّ عبد الله عطوي (الحرّ العامليّ)، الذي نفّذ عمليّة استشهاديّة في قافلة للاحتلال الصهيونيّ في بلدة كفركلا في 19 تشرين الأوّل 1988م. يومها، اعتبرت أنّ الله عزّ وجلّ أكرمني بأن أتاح لي، بعد صبر وشوق، البدء بالكتابة عن عالم الشهادة والشهداء. وقد اختزن نصّي الأوّل ذلك صوراً وحكايا كانت تحتاج إلى مساحات طويلة للكتابة عنها".

•وتحقّق الحلم
"ساقتني الصدفة في العام 1988م إلى باب عظيم وصحيفة الحلم، صحيفة العهد؛ فبسبب كتابتي لنصّ عن أمّي القاطنة قريتنا المحتلّة، عرض عليّ رئيس التحرير يومها الكتابة في الصحيفة، وقد كان ذلك الطلب بمنزلة الحلم الذي لم أكن أتوقّعه، وأنا الذي كنت فتى ينتظر صحيفة العهد في ساحة القرية بعد العام 1985م ليمتلئ منها وبها عشقاً وقوّة وعزّة وسؤدداً. 

ومنذ ذلك الحين، انضممتُ بكلّ فخر إلى فريق صحيفة المقاومة الأولى، وكان من كرامات التشريف لي أن أوكلت إليّ كتابة قصّة أسبوعيّة عن شهيد، وكان لذلك آثاره المباركة على حياتي وسيرتي ونمط تفكيري وقناعاتي ومعايشتي وصداقتي للقافلة الأولى من القادة والمقاومين والشهداء، من الشيخ أبي ذر إلى السيّد عبّاس الموسويّ وصلاح غندور، إلى عشرات الشهداء والمقاومين الذين عشت معهم وعايشتهم حتّى كتابة هذه السطور".

•مسؤوليّة كبرى
وحول إذا ما واجه أيّ صعوبات ومعوّقات في عمله، يجيب الأستاذ حسّان: "لم تكن ثمّة معوّقات بالمعنى العمليّ؛ إنما كنت أشعر بثقل المسؤوليّة في الكتابة عن كلّ شهيد، لأنّ عمل المقاومة كان شديد السرّيّة، وكان الكشف عنه يحتاج إلى جهد مضاعف؛ فالأب والأم لم يكونا على دراية بالعمل المقاوم لابنهما، وأيضاً الزوجة لم تكن تعلم عن عمل زوجها، إلّا ما شعروا به من علامات وتصرّفات لافتة كانت تدلّ على أنّ ثمة خلقاً دينيّاً صافياً وحراكاً اجتماعيّاً خفيّاً يُعمل به مع ثلّة من الشباب والأصدقاء. لذلك، كان استحضار المعلومات والحكايا عن الشهيد لكتابة قصّة ما دونه ضرورة الغوص في خزائن الشهيد ودفاتره، وكذلك ملاقاة صحبه في المسجد أو القرية، مضافاً إلى جيرانه ومن عايشه عن قُرب.

كانت كتابة القصّة عن الشهيد في البدايات الأولى لإعلام المقاومة بمنزلة الإفصاح عن فتية وشبابٍ من زمن جديد، شعاراتهم امتدّت من كربلاء (هيهات منّا الذلّة) و(لبّيك يا حسين) إلى واقعنا الحاليّ مع شعار: (إسرائيل شرّ مطلق)، الذي أطلقه إمام المقاومة السيّد موسى الصدر؛ فهم شباب عشقوا إمام عصرهم الخمينيّ العظيم قدس سره، فجسّدوا زمن كربلاء وأعادوه إلى ساحات المواجهة، رفضاً للظلم ونصرة للحقّ".

•"قبس في تكويني الفكريّ"
يرفض الأستاذ حسّان تسمية كتاباته وقصصه حول المقاومة وشهدائها بالتجربة، بل يقول: هي "قبس تكويني الفكريّ، والمخزون الإيمانيّ لعقلي؛ إذ كنت كلّما شعرتُ بالتعب والحزن، أزور عائلة شهيد، فأقطف الدرر عن دوالي ألسنة الأهل والأحبّة وصدورهم، لأغادر على مضض، وقد رفدني شعور بالاغتسال الروحيّ من أدران الدنيا ومتاعبها، فأختلي إلى نفسي وأوراقي، ليس للكتابة إنّما لصياغة ثقافة وأدب نقيّ لقارئ ينتظر صدور صحيفة العهد كي يبحر على أجنحة أوراقها إلى عالم شبيه بأصحاب الإمامين عليّ والحسين عليهما السلام في معاركهما التي أسّست لمنطق الحقّ والعدل والثورة على الظالم ونصرة الدين بالموقف والدم الطاهر". 

•أجر العملين
يذكر لنا الأستاذ حسّان قصّة لا تزال حاضرة في ذاكرته، خلال واحدة من لقاءاته بسماحة السيّد عبّاس الموسوي قدس سره، فيقول: "زرته يوماً، وقد استقبلني كعادته استقبالاً أبويّاً، فأدخلني بخلقه النبويّ إلى مكتبه الخاصّ، وأجلسني على كنبة إلى جانبه، وقال لي: (سلامتك، حاسّك تعبان، خير مريض شي؟)، قلت له وقد لمح الحزن في عينيّ: (سماحة السيّد، نحن الإعلاميّين نكتفي باستقبال الشهداء والكتابة عن قصصهم، بينما غيرنا من المجاهدين يكتبون بدمهم ما نكتبه بالحبر)، فنظر إليّ بحنوّ، ووضع كفّه فوق كفّي كوالد يخفّف عن ولده، ثمّ قال: (اعلم أنّ في حزنك ونيّتك وعملك قد نلت الأجرَين: أجر النيّة في حمل البندقيّة كإخوتك المقاومين، وأجر الكتابة عنهم وعن قصصهم التي ستجعل من دمهم دروساً للقيم والأخلاق النبيلة، وإحياءً لنهج الإمام الحسين عليه السلام وثقافته في كربلاء، فأكمل عملك ولا تحزن)".

•فلتحيا تلك الأقلام
يطول الحديث عن تجربة الكتابة في أدب المقاومة، ولا تتّسع لها صفحاتنا هذه، تجربة عابقة بنبض قلوب المجاهدين الوالهة لتحقيق النصر أو الشهادة. فلتحيا تلك الأقلام وصوتها الذي يشدو مع كلّ حرف وكلمة نشيد الحقّ والحقيقة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع