نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

قصة: عُد إلى الجنّة


مبلّغ في الجبهات


يوم وقفتُ أمامه ودخلته، خُيِّل إليّ أنّ أيَّاماً من الأسى في انتظاري. لم أدرِ كيف وصلت إلى الطابق الثاني، حيث كان لا بدّ لي من البقاء لأسبوعين، لكنّني تمالكت مشاعري الحزينة، وأخفيتها خلف ابتسامةٍ خفيفة.

كان ذلك يوم دُعيت لأكون في خدمة المجاهدين في المجالس العاشورائيّة. مضيتُ مع مجموعة من الإخوة المبلّغين، ووصلنا إلى نقطة حيث منطقة الحرب. توزّع المبلّغون على النقاط العسكريّة، إلى أن توقّف السائق أمام مبنى مدمّر بشكلٍ كبير، وترجّل من الحافلة وهو ينظر إليّ. ظننت في بادئ الأمر أنّه يريد أن يوصل متاعاً أو شيئاً آخر، ثمّ يعود، لكنّه طلب منّي الترجّل. نظرت إلى المبنى، وإذ بحطامه يخبر عنه؛ فلا جدران، ولا عتبات، ولا حتّى إشارة لإمكانيّة المكوث فيه، وفوق ذلك كلّه، كان المبنى وسط الصحراء!

وصلنا إلى الطابق الثاني، استقبلني الإخوة المجاهدون بفرحٍ كبير حيث المكان واسعٌ تتوسّطه فجوة كبيرة ناتجة عن قذيفة أصابت المبنى، وفجوات هنا وهناك، ولا جدران إلّا جدارَين صغيرَين يكاد أحدهما أن يقع عمّا قريب، هما لغرفة المبيت.

لا أدري كيف مرّت الليلة الأولى. وحلّت الليلة الثانية التي كان من المقرّر فيها الشروع في إحياء المجالس الحسينيّة. وعندها، بدأت مشاعري تتبدّل: أين أنا؟ ومن هؤلاء؟ مجموعة من الشباب الذين لا يتركون تلاوة القرآن وصلاة الليل، ولا يتأخّرون عن صلاة الجماعة، ولا يخجلون من ذرف الدموع، ولا تمرّ على ألسنتهم غيبة أو أذيّة، ولا يأكل أحدهم قبل الآخر، ولا يهدأ أحدهم وفي وجه الآخر همّ أو غمّ، إلّا بعد أن يريحه بكلمة طيّبة أو ابتسامة مواساة. ليسوا كبقيّة الشباب، بل هم فئةٌ آمنت أنّ المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف قادمٌ، فالتحقت بصفوف التمهيد لتكون من الأنصار.

حين كنت أحضّر للمجالس، كانت تغلبني الذكريات المتنافسة في ذهني، وكلّها تشيد بعظمة أولئك الأبطال، الذين إن نظرتُ في وجوههم استرحت، وذكرت أصحاب الحسين عليه السلام.

في الليلة السابعة من محرّم، حين كنت أتلو مجلس العبّاس عليه السلام، تقدّم أحدهم منّي طالباً الإسراع في المجلس لأمرٍ ما. ختمت على عجَل، ما الخبر؟ "العبّاس عليه السلام ينتظرنا"، قال أحدهم، والبسمة تعلو ثغره وتابع: "العدوّ يتقدّم ونحن في خطّ التماس، علينا أن نهيّئ أنفسنا للتصدّي والالتحام".

جعلوا يتعاونون في ارتداء الدروع ووضع الخُوَذ والجُعَب، تقدّم أحدهم منّي قائلاً: "مولانا، يمكنك النزول إلى الملجأ"! عندها، ضاقت بي الدنيا، ورحت أقول: "كيف أكون في خدمتكم سبع ليال من محرّم، ثمّ تحرمونني شرف الجهاد؟! سأكون معكم، فقد خضعت لدورات تؤهّلني للقيام بالمهمّات". بعد ذلك، ناولوني القبضة، ثمّ حان وقت التوجّه ناحية السواتر.

كنت في خدمة المنبر لسنوات طويلة، ولكن لم أفهم معنى تلك العبارة كما فهمتها تلك الليلة: "جعل أصحاب الحسين عليه السلام يودّع بعضهم بعضاً"؛ فهناك على الجبهة، جعل المجاهدون يودّع بعضهم بعضاً: ذاك يطلب من الآخر الشفاعة، وأحدهم يوصي بالمقاومة، وآخر يحفّز الإخوان، وذاك يحضن آخر. لا يحضرك في تلك الليلة سوى ليلة العاشر!

توجّهنا إلى السواتر، حيث حضرت الزهراء عليها السلام في قلوب المجاهدين وعقولهم ووجدانهم، وكذلك على ألسنتهم، ولسان حالهم يقول: (ألا تزورين السواتر، وكلّ يومٍ فيها عاشر..).

ساعات بقينا، إلى أن جاء النداء الذي كسر القلوب وآلمها؛ فقد انسحب العدوّ، وعاد الشباب إلى قواعدهم والحزن يعلو وجوههم ردّد أحدهم متأسّفاً: "لم يُقدّر لنا أن نقاتل في هذه الليلة، لم تُكتَب لنا الشهادة!".

كانت ليلةً حزينةً حقّاً، كئيبةً حقّاً، وأليمة حقّاً.

مضت الأيّام، وحان وقت عودتي إلى الديار. خرجت من المبنى متردّدًا، وقلبي يأبى الخروج. مضت بي الحافلة، أنظر من بعيد إلى ذلك المبنى العتيق المدمّر، ليتني أبقى. بقي قلبي هناك يناديني بين الحين والآخر: عُد إلى الجنّة!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع