مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

المتفانون حبّاً وشوقاً


السّيّد علي حسين حجازي


تنضح كربلاء الملحمة بمشاهد جماليّة عظيمة، تظهر في مكامن الجلال والشدّة، وهنا موطن العظمة والشموخ وقوّة الموقف الحسينيّ مع ما صاحبه من توفيقات وبركات إلهيّة.

واحدٌ من مشاهد الجمال هو ظهور حالة من الحبّ والفناء عند شهداء كربلاء تُجاه الإمام الحسين عليه السلام، لم يذهبوا معه إلى حدّ الشهادة والقتل إلّا لشأنٍ عظيم، وإيماناً بولايته وإمامته عليهم، فأظهرت لوحة كربلاء سلوك المُحبّين المتفانين، وكيف يصبح قابلاً ليكون خالداً مستمرّاً إلى أجيال أخرى، عرفوا هذا الحبّ وهذه الولاية، وبات دعاؤهم: "يا ليتنا كنّا معكم".

* اتّخذوا الليل جملاً
جاء في كتاب الأمالي للشيخ الصدوق رحمه الله عن عبد الله بن منصور عن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه زين العابدين عليهم السلام: لمّا وصل الكتاب من ابن زياد إلى عمر بن سعد، أمر مناديه فنادى أن قد أجّلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم، فشقّ ذلك على الحسين عليه السلام وأصحابه، فقام الحسين عليه السلام في أصحابه خطيباً، فقال: "اللّهم إنّي لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحاباً هم خيرٌ من أصحابي، وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حلّ من بيعتي، ليس لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمّة، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وتفرّقوا في سواده، فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري..." (1). وفي نصّ آخر: "اللّهم إنّي لا أعلم أهل بيت أبرّ ولا..."(2).

هنا، يقف الإنسان مذهولاً أمام هذا القائد العظيم الذي ليس له نظير على الإطلاق لا في قومه ولا في غيرهم، فقد كان الحسين عليه السلام الدّرّ القيّم الذي ليس له ثانٍ في صفاته، وميزاته، وأخلاقه، وسيرته، وسمعته، وسكونه، واطمئنانه، وشرفه، وعزّته، ورقيّه، وشموخه، وعلوّ منزلته، وكلام نفسه، وزهده، وشبهه بجدّه، ووراثته لعلمه، وقربه من الله ومعرفته به وطاعته له.

وقد صرّح عليه السلام في ذاك اليوم العاشر من المحرّم، أنّه "ليس فيكم ابن بنت نبيّ غيري ولا في غيركم"(3)، هذا النصّ يُشعرك بغربة الإمام عليه السلام ووحدته، ولكنّه في الوقت نفسه يجعلنا نقف على رباطة جأشه وشدّة شكيمته وقوّة نفسه، عندما يحلّ أصحابه من بيعته، ويطلب منهم الانصراف بعدما أيقن بالموت، وضاق عليه الحصار.

* من أهداف الإمام عليه السلام 
أراد الإمام عليه السلام أراد بموقفه هذا، تحقيق أهداف عدّة، منها:

1- عدم إحراج أحد وإلزامه بالوقوف إلى جانبه والدفاع عنه، خصوصاً أنّ الموازين العسكريّة غير متكافئة والموت محتوم. فكيف يمكن أن يعرّض أحداً لهذا الخطر؟!

2- ضمان طهارة كلّ من اختار البقاء، ونقائه ووعيه وبصيرته وحرّيّته، فضلاً عن الحلّ من البيعة، وطلب الانصراف، والإشارة إلى أنّه عليه السلام المطلوب لا غيره: "وإذا أصابوني ذهلوا عن طلب غيري"(4)؛ فمن سيبقى سيكون بقاؤه باختياره أوّلاً، وله دوافعه العقائديّة والسياسيّة المرتبطة بقضيّة الإمام عليه السلام ثانياً.

3- شحذ هممهم والتأكيد على صلابتهم، وتقوية مواقفهم، وتعريف الناس بتضحياتهم وبسالتهم وشجاعتهم ووفائهم، خصوصاً أنّ هؤلاء لم يلتحقوا به دفعةً واحدة؛ فمنهم من التحق منذ انطلاقه عليه السلام، وبعضهم الآخر خلال المسير، وبعض ثالث في كربلاء، حتّى أنّ بعضهم انضمّ إليه يوم العاشر من محرّم، بعد بدء القتال.

* أهلٌ وأصحاب محلّ ثقة
لذا، تراه يقول في أهل بيته عليهم السلام ما يتوقّعه منهم بسبب صلة القربى فيما بينه وبينهم؛ فقال: "أبرّ"، ومن ثمّ قال إنّهم ليسوا كأيّ أقرباء؛ وإنّما ما يميّزهم طهارة نفوسهم وسموّها وارتباطها بخالقها: "ولا أطهر".

بعد ذلك، يتحدّث عليه السلام عن أصحابه، فيصفهم أنّه لا يعرف أصحاباً أوفى من أصحابه؛ أي أنّه أراد عليه السلام أن يُفهم الناس أنّ أصحابه قد بلغوا أقصى درجات الوفاء؛ فلا يوجد أوفى منهم. وفي حال لم يكن ثمّة من بلغ هذه الدرجة من الوفاء، فذلك يعني أنّهم الأوفى. وإنّ اطّلاعهم على مقاماتهم وأفضليّتهم في الوفاء، يضاعف صبرهم وثباتهم.

* أعظم درجات الوفاء
من هنا، كان الحديث عن وفاء أصحاب هذا القائد الفريد وأنصاره، وهو أعلى درجات الوفاء، نذكر بعضاً من مشاهد وفائهم:

1- "قد وطّنتُ نفسي على الموت دون الحسين عليه السلام": تذكر كتب التاريخ زهير بن القين، أنّه كان يكره مسايرة الحسين عليه السلام في الطريق إلى العراق؛ فلم ينزل معه في منزل مشترك، حتّى اضطرّ إلى منازلته في منطقة الثعلبيّة، فأرسل إليه الإمام عليه السلام، ثمّ التقى به، فلمّا رجع زهير إلى قومه وزوجته، قال لهم: "من كان منكم محبّاً للشهادة، فليقم معي، فإنّي قد وطّنتُ نفسي على الموت دون الحسين عليه السلام "(5).

عبَّر زهير بما يدلّ على عملٍ حثيث في مقام معرفة النفس، ومحاربة الشيطان والهوى، واجتناب محبّة الدنيا، وإيثار الآخرة عليها من خلال البحث عن الإمام عليه السلام، فإذا ما وجده، كان ملازماً ومطيعاً له. ولهذا، كان زهير قائد ميمنة جيش الإمام عليه السلام يوم عاشوراء. ولمّا تقدّم إلى القتال، كان يخاطب الإمام عليه السلام قائلاً:

"أقدم فُديت هادياً مهديّا

فاليوم تلقى جدّك النبيّا

وحسناً والمرتضى علياً

وحمزة وذا الفتى الكميا"

وكذلك سار المجاهدون على الطريق نفسه، الذين عمّقوا ارتباطهم بالإمام الحسين عليه السلام عن طريق حفيده صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فنجدهم في كلّ الميادين يناجونه، وينادونه، ويتوسّلون به، ويرجون لقاءه، ويوطّنون أنفسهم على الموت دونه.

يروي أحد المسعفين قصّة حصلت معه أثناء إسعافه أحد جرحى معارك الدفاع عن المقدّسات، والذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيقول إنّ الجريح كان يصرخ من الألم، إلى أن هدأ فجأةً، وقال لهم: "وقّفوا شغل، إجى صاحب الزمان، وجاي ياخدني معه"!

2- ذوبان في الإمام عليه السلام: إنّ ما يميّز أصحاب الحسين عليه السلام، ويجعل منهم أعلاماً لهداية طلّاب الحقّ والسائرين على طريقه، والماضين إلى الله والمجاهدين في سبيله، أنّهم نسوا أنفسهم؛ بحيث أنّ الواحد منهم ذاب في الإمام عليه السلام حتّى بات لا يرى لنفسه وجوداً إلّا الحسين عليه السلام. ولهذا، فإنّ كلمة عظيمة قالها إمام الأمّة العظيم، مفجّر الثورة الإمام الخمينيّ قدس سره: "كلّ ما لدينا من بركات عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام "، تدلّ بوضوح على أنّ كلّ ما عندنا من حكمة، وصواب، وإيمان، وعلم، ومعرفة، وارتباط بالله، وعبادة، وطهر، ونقاء، هو من بركاته عليه السلام. هذا المعنى تجسَّد في مواقف الأصحاب، مثلاً: سعيد بن عبد الله الحنفيّ، حين يقف أمام الإمام الحسين عليه السلام ليقيه من السهام ويحميه من النبال أثناء صلاته عليه السلام، حتّى صار صدر سعيد كالقنفذ، ثمّ هوى إلى الأرض سريعاً. عندما يسقط أحد صريعاً في ميدان الدفاع عن الحسين عليه السلام، ما هو الأمر المهمّ الذي يريد أن يقوله؟! قال: "سيّدي أبا عبد الله، أوَفيت؟"، فقال له الإمام عليه السلام: "بلى، وأنت أمامي في الجنّة"(6)؛ إنّه يسأل الإمام عليه السلام إن كان وفاؤه بالمستوى الذي يريده منه! أيّ ذوبان هو هذا؟!

هنا، تحضرنا كلمة لآية الله العظمى المرحوم الشيخ الأراكي، والذي يقول: "لو قُدّر للإمام الخمينيّ قدس سره أن يكون في اليوم العاشر من المحرّم في كربلاء من سنة 61 للهجرة، لصار عدد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام 73 بدلاً من 72، ولقاتل مع الحسين عليه السلام، وصار درعاً له. لقد ضحّى هذا الرجل بنفسه وماله وولده وكلّ ما يملك من أجل الإسلام. لقد ذكّرنا الإمام قدس سره بهؤلاء الأنصار الذين بذلوا كلّ ما يملكون من غالٍ ورخيص فداءً للإسلام".

3- "أوصيك بهذا": عندما أصيب مسلم بن عوسجة شيخ قرّاء الكوفة، ووقع صريعاً، جاءه الإمام الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر، وكان بمسلم رمقٌ من الحياة، فقال له الإمام عليه السلام: "رحمك الله يا مسلم، أبشر بالجنّة"، فقال: "بشّرك الله بالخير"، ثمّ قال له حبيب: "لولا أنّي أعلم أنّي في الأثر لأحببتُ أن توصيني بوصاياك"، فقال: "أوصيك بهذا"(7)، وأشار إلى الإمام الحسين عليه السلام ؛ فقد كان كلّ همّه سلامة الإمام الحسين، مع أنّه في حالة احتضار!

وهذا الموقف ترجمه المجاهدون؛ فها هو العالم الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ قدس سره يقول: "الوصيّة الأساس حفظ المقاومة الإسلاميّة"؛ أي حفظها بإسلامها، وإيمانها، وعقيدتها، وتقواها، وحجاب أخواتها ونسائها، وروحيّة مجاهديها، ودماء شهدائها وتضحياتهم، من خلال العمل الدائم والحثيث على إعلاء كلمة الله، وربط الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.

4- "أميري حسين": لقد قدّم أنصار الحسين عليه السلام لوحةً جميلةً وعظيمةً ومتكاملةً تحكي عن تضحياتهم ومواقفهم؛ فترى فيهم الغلام الذي لم يبلغ الحلم وهو يقول: "أميري حسين ونِعم الأمير، سرور فؤاد البشير النذير، عليّ وفاطمة والداه، فهل تعلمون له من نظير؟"(8). ومنهم الشيخ الكبير مثل أنس بن الحارث، الذي رفع أهدابه بالعصابة لانسدالها على أشفار عينيه، وشدّ وسطه بالعمامة لكبره، وتقدّم مستأذناً، فبكى له الحسين عليه السلام وقال: "شكر الله سعيك يا شيخ"(9). وترى فيهم شيخ الأنصار حبيب، وهو يقول: "سيّدي، والله إنّي استبدلتُ عن أهلي أهلاً، وعن داري داراً، وعن صبيتي صبية، ولكن أبكي لتلك الواقفة من خلفك المؤتزرة بإزار أمّها فاطمة" (هي زينب عليها السلام)؛ لقد ترك حبيب أهله، ومع ذلك، ولكن لم يُبكه إلّا أهل الحسين عليه السلام وأخته زينب عليها السلام. كان يبكي لوحدتها وغربتها بعد أخيها عليه السلام !

هنا، يحضرنا موقف لإحدى أخوات شهداء الدفاع عن المقدّسات التي كانت تبكي بحرقة وألم وبصوت عالٍ في مأتم أخيها، أثناء قراءة الخطيب لمصيبة السيّدة زينب عليها السلام، ولمّا حاول الناس تهدئتها، كان جوابها: "أنا لا أبكي لأجل أخي الشهيد، وإنّما أبكي على السيّدة زينب عليها السلام، التي وقفت عند جسد أخيها الإمام الحسين عليه السلام المقطّع إرباً إرباً".


1- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 220.
2- مقتل الحسين عليه السلام، الأزدي، ص 177.
3- نصّ قوله عليه السلام: "فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم، ولا من غيركم"، (م. ن.)، ص 118.
4- نصّ الإمام عليه السلام: "فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو قد أصابوني، لذهلوا عن طلب غيري". الرازي، تجارب الأمم، ج2، ص 75.
5- قال زهير بن لقين: "قد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي (...) من أحبّ منكم أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد به". مثير الأحزان، الحلّي، ص 33.
6- المجالس الفاخرة، السيد شرف الدين، ص 341.
7- يراجع: لواعج الأشجان، السيد الأمين، ص 153.
8- (م. ن.)، ص 164.
9- مستدركات علم الرجال الحديث، الشاهرودي، ج2، ص103.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع