نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (1)


د. زينب الطحّان


- "هل يكفي هذا المقدار من التدريب والتحضير اللذين استمرّا شهوراً عديدة؟".

همساً، سأل مهتدي صديقه أحمد، وهما محتميان خلف شجر السنديان والصنوبر، تظلّل بأغصانها العريضة والكثيفة ظلّهما المنبسط على الزرع النضر الأخضر، يحملان سلاحهما متأهّبَين بانتظار إشارة الانطلاق.

يبتسم أحمد، ويشير له بيده إلى صدره راسماً صورة قلب كبير؛ ليرفع سبابته إلى السماء، وسأله: "أتذكر الأسبوع الماضي، حين المناورة، عندما صعد الحاج قاسم إلى أعلى تلك الشجرة، ماذا قال لنا؟".

وفي اللّحظة ذاتها، تصل الإشارة صادرة من الجهاز اللاسلكيّ. فيتقدّم أحمد وبالكاد يرفع صوته إليه: "نادِ إمامنا المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.. أشعرُ به يرافقنا حتّى النبضات..".

* استنفار المجموعات
لم يهمل صديقه مهتدي فرصةً للردّ. كان التحرّك سريعاً. انقسمت مجموعات شبّان المقاومة التي كانت منتشرة بين الحقول وأشجارها الكثيفة الملتفّة، تحيط بالمكان وتغطّي تحرّكاتهم. كانت مهمّة المجموعة الأولى قطع الأسلاك الشائكة المغروسة في الأرض الترابيّة الوعرة، صعوداً ونزولاً، تفصل بين المنطقة المحتلّة ومرتفعات بلدة عيتا الشعب، وتبعتها المجموعات الأخرى.

مهتدي، لم يشأ ارتداء "الجاكيت" العسكريّة، اكتفى بقميصه الأخضر العسكريّ المموّه، ذي الكمّ القصير. الطقس كان حارّاً، فالشمس الساطعة صباح ذلك اليوم، زاهية بأشعّتها البنفسجيّة، جعلت حمل العتاد العسكريّ الثقيل منه والخفيف، يلمع كالذهب الحجريّ المستخرج للتوّ من كهفٍ مغمور، تحت أرض "خلّة وردة".

* القصف الناريّ
"عيتا الشعب" ضيعته، استولى عليها الاحتلال الإسرائيليّ خلال اجتياح العام 1982م، والمحاذية تماماً لحدود فلسطين مع جنوب لبنان. رآهما مهتدي، وهو يتقدّم مع المجموعة الثانية؛ آليّتين عسكريّتين من نوع "هامر" يتحصّن داخلهما جنود من الجيش الإسرائيليّ. القصف الناريّ من مجموعة أخرى من شبّان المقاومة، يترصّد من جهة موقع عالٍ تحرّكات آليّات العدوّ، يقطع الطريق الفاصل بين الآليّتين. تماماً هما واقفتان في نقطة "مئة وخمسة". النقطة الوحيدة التي لم تصل إليها كاميرات المراقبة التي يزرعها العدوّ في المكان.

"يا مهديّ كن معنا"
أسرعت المجموعة الأولى في تقدّمها، تردّ على النيران، تحمي ظهرها مجموعات أخرى. "حَمِيَ الوَطِيسْ"، قال مهتدي. حتّى الآن لا إصابات، حَمَدَ الله، ونادى: "يا مهديّ كن معنا..".

"أنا معكم.."! سمع هذا الصوت الرخيم، التفت فرأى خلفه صديقه أحمد مبتسماً، وهو يشير إلى العصابة المربوطة على ذراعه "يا مهدي"، وحثّه على التقدّم: "ليس وقت الدهشة، أكمل مسيرك، وسيكون معنا..".

بادله "مهتدي" ابتسامته ويده على زناد رشاشه، يردّ على مصادر النيران المشتعلة، حيث رسم دخان المعركة هالات ضبابيّة في أكثر من بقعة ظلّلت "خلّة وردة". صاروخ "أر بي جي" أصاب مقدّمة الملّالة الإسرائيليّة. تصاعد الدخان كثيفاً. لحظات معدودة وتصل المجموعة الأولى، وتفتح باب الملّالة. أربعة جنود. كم أسيراً سيطالون اليوم؟ "يا له من صيد ثمين..!!".

- "ولكنكم لم تأسروا سوى اثنين يا مهتدي؟!".

- "وهل كنت تعتقد أنّي سأخبرك بالتفاصيل كلّها يا سيّد صادق؟!".

"الأخبار" تنشر تفاصيل جديدة عن عمليّة الأسر
(6 دقائق في 12 تمّوز 2006م: "بلّغوا السيّد... الأمانة معنا").

1 - الشهيد خالد بزّي
على مدى أشهر، عاين الشهيد القائد خالد بزّي (الحاج قاسم) مسرح عمليّة الأسر قبل تنفيذها، اقترب خلالها مرّات عدّة من السياج التقنيّ من مسافة صفر، ليحدّد مكان الخرق بالتحديد وكيفيّة عبور المقاومين بعد تفجيره. وعلى مدى أشهر أيضاً، استمرّت المناورات التدريبيّة في بيئة تحاكي بنحو دقيق مكان تنفيذها، بإشراف القائد العسكريّ الحاج عماد مغنيّة. بعدها، بقي المجاهدون أسابيع عدّة ينتشرون في نقاط حدّدتها قيادة العمليّة مسبقاً في "خلّة وردة"، في خراج بلدة عيتا الشعب، بانتظار تقدّم الهدف إلى نقطة الكمين المحدّدة. 

لم تكن الدقائق ثقيلة الوطء على المقاومين وهم ينتظرون أن تأتي الدوريّات الإسرائيليّة إلى نقطة المكمن. صبروا أشهراً طويلة، وجاءت ثمار صبرهم في 12 تمّوز 2006م.

"صباح الخير. دوريّة أخيرة. أتمنّى للجميع الفرح"؛ الساعة 8:45 صباح ذلك اليوم. كان هذا أوّل نداء يوجّهه قائد الدوريّة الإسرائيليّة "إيهود غولد فاسر" ليتأكّد من اتّصاله بالمركبة التي تسير خلفه. سارت المركبتان "يسيمون 4" و"يسيمون 4 أ"، التابعتان للدوريّة الحدوديّة الخاصّة بمسح الأثر وتفقّد السلك، على الطريق الحدوديّة. لاح لمجموعات الرصد في المقاومة تقدّم القوّة العسكريّة الإسرائيليّة على الطريق الداخليّ الرابط بين مستعمرتَي "زرعيت" و"شتولا"، باتّجاه الترقيم الحدوديّ "نقطة 105".

2 - الشهيد علي صالح "بلال عدشيت"
في المقابل، عند الساعة 8:55، رصدت وحدة المراقبة التابعة لجيش العدوّ الإسرائيليّ في منطقة "زرعيت" عنصراً مسلّحاً من حزب الله، يحمل صاروخاً مضادّاً للدروع، وهو على مسافة لا تبعد كثيراً عن موقع الوحدة. لم يجرِ التعامل معه، ولا حتّى الإبلاغ عنه.

الساعة 8:57، أعاد "إيهود غولد فاسر" التواصل مع المركبة خلفه. كان هذا آخر تواصل بين المركبتَين. ببطء، تقدّم جنود الاحتلال على الطريق الوعرة المؤدّية إلى نقطة "خلّة وردة"، وهي ميّتة عسكريّاً؛ لوقوعها في أرض منخفضة؛ ولأنّها كذلك لم تكن خاضعة لوسائل المراقبة الإسرائيليّة. كلّ هذا كان تحت أنظار غرفة عمليّات المقاومة ومسامعها، التي أبلغت القيادة في الغرفة المركزيّة الخاصّة بمتابعة الموضوع، بما يحصل على الأرض.

بدوره، أوعز الحاج قاسم (خالد بزّي) إلى المقاومين جميعهم بجاهزيّة التنفيذ، وتجهيز العبوات لخرق السلك. أمسك بمنظاره ليحدّد سرعة آليّات الهامر الإسرائيليّة القادمة. ثمّ حمل بندقيّته واقترب إلى حافّة الخلّة مقابل مكان الخرق ليدير العمليّة من هناك.

3- من العزيّة إلى خلّة وردة
حصلت المواكبة لحظة بلحظة، في انتظار مجيء الهدف. وُضعت الوحدات جميعها في حالة الاستنفار القصوى. وعلى رأسها الشهيد علي صالح (بلال عدشيت/ استشهد في حرب تمّوز 2006م). ذَخَّر الأخير مدفع الـ" b9" بقذيفة ضدّ الدروع. السلاح الذي كان قد اختير بالتحديد لتميّزه بسرعة وصول قذيفته من القاذف نحو الهدف (800 متر/ثانية)، وهو ما يساعد على تكريس عامل المفاجأة. أمّا قذيفته، فاختيرت؛ لأنّها تُخفّف من احتمال قتل الجنود، عكس العبوة التي استُخدمت في عمليّة الأسر في شبعا في عام 2000م. وهذا ما كان قد لفت إليه الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) بعد تبادل الأسرى عام 2004م، بالقول إنّ العملية المقبلة يُراد بها "الحصول على أسرى أحياء". اختيار بلال عدشيت استند إلى تجربة عميقة له في المقاومة، فهو من أمهر رماة الصواريخ الموجّهة والقذائف وأدقّهم.

قبل التحرير في عام 2000م، أوكلت إليه في عمليّة "العزّيّة" مهمّة إدخال صاروخ موجّه من "طلّاقة" دشمة الحرس. يومها، انتشرت بكثرة صورة الجنديّ الإسرائيليّ المقتول داخلها، من دون أن يعرف أحد صاحب هذه الرمية.

باقي التفاصيل يأتيكم لاحقاً بإذنه تعالى.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

النبطية-رومين-الساحة العامة-احمد فياض شكرون

علي أحمد شكرون

2022-07-28 18:14:12

مجلة قيمة ورائعة وهادفة خصوصا قصص الشهداء حيث لا يجب ان نمر عليها كمرورنا على اي شيء اخر في حياتنا.. هذه القصص والذكريات هي لاستلهام القوة ولاستنهاض الهمم وشد العزيمة والثقة بأنفسنا.. وفقكم الله لما فيه الخير وعافاكم الله