منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

شهيد الدفاع عن المقدّسات علي فؤاد حسن (السيّد أمير)

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: ناهيل مرعي.
محلّ الولادة وتاريخها: ماسا-زحلة 6/6/1989م.
الوضع الاجتماعيّ: عازب.
رقم السجل: 7.
مكان الاستشهاد وتاريخه: القصير 23/5/2013م.


وكأنّهم كانوا هناك يتناقلون زهرة الشهادة. رفاقُ دربٍ تعاهدوا أن يمضوا، صالحاً بعد صالح، وكلّما ارتفع منهم شهيدٌ قالوا: "لو لم نكن بالأثر، لأحببنا أن توصينا"، فيشير إليهم بيده النازفة: إنّي أوصيكم بهذه "الراية الصفراء"، التي يجب أن تبقى عاليةً خفّاقة، والتي لو قُدّر لها أن تتكشّف حقيقتها، لكانت من لحمٍ ودمٍ ودمع.

هنا القصير، ملحمة الخلود. هنا ارتفع "عليٌّ" شهيداً في عمق مناطق التكفيريّين، وقبل أن يُسلم روحه ويحضن صديقه الشهيد مهدي ناصر "السيّد مسلم" الذي سبقه بأيّام، مدّ يده إلى هاتفه الخلويّ، وأرسل وردةً لرفيقه "حسام الزركلي"، الذي سرعان ما استشهد بعده!

* "يا زهراء"
سكنت اليدُ التي كانت قبل قليل تردي التكفيريّين من طلّاقة القنص المسدّد. لم يخطئ رصاصةً، ولم يبطئه تعبٌ، حتّى تمنّى عليه رفاقه أن يترك لهم نصيباً في المواجهة، ولكنّه أصرّ على القيام بالمهمّة وحده قائلاً لهم إنّ هذا ثأره لدماء "السيّد مسلم". ولمّا حان وقت التقدّم، كان في المقدّمة، سَبُعاً يشقُّ طريقه بين الرصاص، حتّى أصابته رصاصة قنصٍ، صرخ على أثرها "يا زهراء". ظلّ واقفاً لبرهةٍ قصيرةٍ قبل أن يهوي إلى الأرض. واللافت أنّه استشهد قرب مدرسة اسمها "مدرسة الزهراء عليها السلام".

ساد صمتٌ في ساحة المعركة، قطعه هدير آليّة اتّجهت نحو الجثمان المبارك، لتكون رقيقةً كأكفّ الرفاق، وحنونةً ككفّي أمّه، وصلبةً كعضد والده، لتسحبه حتّى لا يؤسر جثمانه، ودموع رفاقه منهمرة حزناً.

* "استشهد عليّ؟!"
في تلك الأثناء، كان والده في عمله الجهاديّ، وقد جاء صديقه ليطلب منه مساعدته في إيصال عتاد، ولكنّه فوجئ أنّه أوصله إلى قبر الشهيد "مهدي ناصر"، الشابّ الذي زرع استشهاده في قلب عليّ ناراً ولهباً، وما عاد يستطيع انتظار الرحيل! وبعد قراءة الفاتحة، أمسكه صديقه، وقال له: "لقد صار لديك منزلاً هنا"، فغصّ بدمعه سائلاً: "استشهد عليّ؟"!

لم يتفاجأ والده بالخبر؛ ليس لأنّه يعرف أنّ عماد هذه المعركة تقديم الكثير من التضحيات فحسب، بل لأنّ "عليّاً"، قبل أن ينطلق إلى مَهمّته، التقى به صدفةً في الجبهة، فحضنه "عليٌّ" من الخلف وربت على كتفه، وقد غمرته سعادة هذا اللّقاء الجهاديّ المميّز، ثمّ أخبره أنّه مكلّفٌ بمهمّةٍ صعبة، إذا رجع منها، فهذا يعني بالنسبة إليه أنّ الله غير راضٍ عنه، وأنّه لن يُرزق الشهادة. وقبل أن يفترقا، أوصاه بأمّه، وطلب منه أن يعتني بها ويخفّف عنها، وأوصى بشقّته الجاهزة للسكن لأخيه، وطلب المسامحة من الجميع.

* طفولةٌ مثمرة
كيف لا يُرزق الشهادة من عاش عمره لله؟ صحيحٌ أنّ "عليّاً" وُلد وعاش في بيئةٍ متديّنةٍ مجاهدة، ولكنّ ذلك لم يكن السبب في توجّهه الروحيّ والجهاديّ؛ إذ كان مبادراً منذ صغره للبدء بالواجبات الدينيّة، فيفترش الأرض للصلاة، وينبّه من حوله لأدائها في أوّل الوقت، ويصوم مع الكبار. وفي الوقت الذي كان فيه أترابه يبحثون عن اللّهو واللّعب، كان هو يبحث عن العمل الذي يقرّبه من الله تعالى؛ فاتّخذ من المسجد منطلقاً لذلك السلوك، فكان يستيقظ عند الفجر ويذهب إلى هناك في خلوة مع المعشوق، وفي بعض الأحيان، يترافق ورفاقه إلى حيث تأنس الجدران بصوت دعائه.

ولد "عليّ" في يوم رحيل الإمام الخمينيّ العظيم قدس سره. وقد كاد والده من عشقه له أن يسمّيه "خميني" لكنّه عاد واختار اسم "عليّ" محبوب الإمام الراحل، ومهوى أفئدة الجميع. كان "عليّ" في البيت طفلاً هادئاً، وفي مراهقته فتىً واعياً؛ إذ رافق الكبير والصغير، ونسج علاقاتٍ مع من يكبرونه سنّاً بإيجاد جسر تواصل متين، بحديثه اللبق، مضافاً إلى محبّةٍ كبيرةٍ طفح بها قلبه تُجاه الآخرين، وهذا ما أثمر شخصيّةً متميّزة.

في البيت هو آخر من يغضب، وإن غضب، فأوّل من يهدأ. باله طويل، ويركن إلى الهدوء كالطفل في حضن أمّه، لا يناقش والده بأمر، ولا يُتعب أمّه بطلب، ولكنّ محاولته الدائمة في أن يكون خفيف الظلّ في البيت، كانت هي بحدّ ذاتها القوّة التي جعلته بين إخوته قطب الرحى.

* عملٌ متقَن
لطالما كان "عليّ" الأوّل أو الثاني في أيّ مشاركة له. وهو إن أحبّ أن يكون في صدارة الأعمال، فليس ليُبيّن تفوّقه، بل لأنّ الله تعالى يحبُّ إذا عمل المؤمن عملاً أن يتقنه؛ فكان متميّزاً في دراسته الأكاديميّة، حتّى عندما التحق بالدورات العسكريّة، وهو على مقاعد الدراسة، لم يؤثّر الغياب في مستواه العلميّ. عزم "عليّ" على الالتحاق بصفوف المجاهدين، والتركيز على تطوير قدراته العسكريّة، وكما كان في المدرسة، كان في التدريب؛ متميّزاً بسرعة البديهة، وذاكرةٍ قويّة، وشجاعةٍ لافتة. ففي أحد الأيام، خضع ورفاقه لمسابقة من 75 سؤالاً، فكان الوحيد الذي أجاب عليها كلّها! ولمّا كان في دورة التدرّب على القفز عن الحبال "الرابيل"، تميّز بشجاعةٍ لافتةٍ، حيث قام بحركاتٍ جريئةٍ دفعت بعض المشاركين لإشاحة وجوههم فزعاً.

خضع "عليٌّ" للعديد من الدورات في تخصّصاتٍ مختلفة، وبرع في دورة القنص، فصار مدرّباً. ولمّا طُلب إلى عملٍ بعيد عن العمل العسكريّ، لم يستطع البقاء، وسعى بشتّى الطرق للعودة إلى عمله الأوّل؛ لحبّه للجهاد.

* في سبيل الله
مع انطلاقة حرب الدفاع عن المقّدسات، شارك "عليّ" في العديد من المعارك قرب مقام السيّدة زينب عليها السلام، فكان يغيب أيّاماً ليعود من بعدها إلى أهله. كانت أمّه تحدّثه حول موضوع الزواج، ورغبتها أن تفرح به، خصوصاً أنّه أنهى بناء منزله، وصار جاهزاً للسكن، فيجاريها بالحديث. حين تسأله عن عمله، يطمئنها ويهدّئ من روعها، إلى أن رأته صدفةً ذات يوم وقد خلع قميصه، وإذ بآثار الشظايا واضحة، ولمّا سألته عنها، أخبرها أنّ الشظايا تآخت ولحمه، وأنّ "كلّ ما ينزل بنا هيّن في سبيل الله وأهل البيت عليهم السلام".

* "اعتبرها وصلت"
مع اقتراب معركة تحرير "القصير"، كان "عليٌّ" قد بدأ بتشييع بعض الرفاق. وطالت غيباته، وإن عاد، يترك روحه في الجبهة تقاسم المجاهدين تعبهم، حتّى بانت على صفحات وجهه إمارات الرحيل؛ إذ طفح نورٌ غريبٌ على وجهه، وأحسّ الجميع أنّ ثمّة شيئاً غريباً في ملامحه.

وقبل استشهاده بثلاثة أيّام، كان والده يقف مع جاره أمام المنزل، وإذ بعليّ يصل، فقال الجار للأب: "انظُر إلى وجه عليّ كم هو جميلٌ ومشرق"، ثمّ بادر الجار بالقسم عليه بحقّ الزهراء عليها السلام أن يذكره عندها، فلم يردّ "عليٌّ" جواباً، أمام استغراب والده. كرّر الجار قوله مشدّداً عليه، فأجابه: "اعتبرها وصلت"! وفي ذلك اليوم بالتحديد، كانت أمّه قد رأت في منامها أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد أخذ من عندها قميصاً أبيضَ!

* "سأكون معك"
كانت مهمّة "عليّ" الأخيرة استهداف أحد أهمّ قادة جبهة النصرة، وتوقيت الانطلاق ظهراً، فجلس في مكانٍ ما وقرأ زيارة عاشوراء، التي كان يواظب على قراءتها كلّ ليلة قبل النوم، فاستغرب رفيقه توقيت قراءته، وكأنّ عليّاً أراد أن يزور مولاه الحسين عليه السلام عن بُعد قبل اللّقاء عن قُرب بعد استشهاده! وكان رحيله مثلما وعد رفيقه الشهيد مسلم: "قبل الأربعين، أكون معك"!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع