منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

تسابيح شهادة: فهل تقبلين يا صغيرتي؟

نسرين إدريس قازان


مهداة إلى الشهيد المجاهد علي حسني صادق، الذي غادر طفلته بعد ولادتها مباشرةً ومضى..

كان ذلك يُشبه الحلم.. حينما نظر إليها من خلف الزجاج، كانت تحاول أن تمدّ يديها من تحت القماط وكأنها تتلمّسُ حدود هذا العالم الجديد الذي جاءت لتوّها إليه.
حملتها الممرضة برفق إليه. أخذها بين ذراعيه ببطء وحذر، فأكثر ما يخيف الرجل عادةً حملُ الوليد الجديد!.. ابتسم وهو ينظر إلى عينيها المتنقلتين في المكان في محاولة لالتقاط صور لا ريب أنها ستستقر في رأسها الصغير فراغاً، فما تراهُ عيناها المغبشتان، ليس سوى ضوء بعد ظلام دام تسعة أشهر..

حركت أصابعها الصغيرة محاولةً الإمساك بشيءٍ ما يشعرها بأنها وصلت إلى شاطئ الأمان، وأن الماء الذي كانت تسبح فيه صار يابسة تستطيع أن تضرب بجذعها فيها وتنمو، فمدّ بسبابته إليها ورفع يدها إلى شفتيه ليطبع قبلة رقيقة: يا أميرتي الجميلة..
واستقرت بعد طول حيرة نظرتها عليه، لوت برأسها الصغير وزمّت شفتيها قبل أن تتثاءب وتغلق عينيها في نومٍ عميق.

الساعة المعلّقة على الحائط تسرقُ منه الثواني.. إنه لا يستطيع المكوث أكثر فقد يتأخر، ولديه الكثير مما يقوم به، فقرّب فمه من أذنها وبدأ بالتكبير والتشهيد: أشهدُ أن محمداً رسول الله، أشهد أن علياً وأبناءه المعصومين حجج الله.. ودمعت عيناه..
ضمّها إلى صدره وحوله الأهل ينظرون بغبطةٍ.. أعادها إلى سريرها الصغير.. ونظر إلى مَنْ حوله ليستأذنهم فعليه الرحيل، وابتسم قائلاً: سمّيتها حوراء..

كان كلُّ شيء جاهزاً: الضيافة.. الحلوى، وحتى المغلي كانت كل حوائجه حاضرة.. وصل إلى البيت، أخذ حقيبته المجهّزة سلفاً، ومضى.
كان طوال الطريق صامتاً.. غير أنّ ثرثرة داخلية ضجّت في أذنيه مع حورائه الصغيرة.. أخبرها أنها حينما تكبر قليلاً، ستعرف معنى اسمها، وأنه انتقاه لها تيمناً بحفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وستدرك أيضاً من هي زينب عليها السلام، وستبكي لأجلها، ولكل ما حلّ بها، وتراءى له وقد صارت صبية، وصوته يهمس في أذنها قبل أن تنام: وكانت يا بُنيتي، عندما تريد أن تزور زينب قبر والدتها الزهراء، يطفئُ أمير المؤمنين ضوء السراج كي لا يلمح أحد ظلّها.. وكانت زينب.. لا أحد يرى وجهها أو يسمع صوتها.. وفي يومٍ كانت شمسه لاهبة.. في أرض تسمّى كربلاء، قتل الظّالمون إخوتها، ورفعوا رؤوسهم فوق الرّماح أمامها.. وضربوها بالسياط.. وأضرموا النار في خيمتها.. وسبَوها مع مَنْ بقي من النساء والأطفال من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام، والناس ينظرون إليهم، ويقولون عنهم خوارج... ولكنها لم تهزم، قالت ليزيد: فوالله لن تمحو ذكرنا.. ومرت الأيام يا صغيرتي، وذكرها مخلّدٌ، ومرقدها للناس مقصد.. لكنّ الظالمين عادوا من جديد، فهل تقبلين يا صغيرتي أن تُسبى زينب مرتين؟

تثاءبت حوراء الصغيرة وأطلقت صراخها، كانت تريدُ طعامها.. حملتها أمها في القماط..
وكان هو في مكانٍ بعيد، يلقّم سلاحه، يتراءى له وجه طفلته البريئة، يمسح دمعتها الرقيقة هامساً لها: لن تسبى زينب مرتين..


- مواليد قرية بوداي عام 1983 م.
- استشهد في 22/3/2013 م.
- ولدت طفلته حوراء في 1/3/2013 م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع