مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

تسابيح جراح: بحمى حرز عليّ عليه السلام (1)


لقاءٌ مع الجريح المجاهد حسن نزيه طه (حيدر)
حنان الموسويّ


اجتزنا مسافاتٍ طويلة. بوصلة الرحيل ترنّحت، وملامح الجهات ضاعت. أنجزنا مهمّتنا واستقللنا الآليّة. انطلقنا والوجهة منتصفَ "قرية العيس"، إلّا أنّنا ولجنا في أرض العدوّ دون علم، والحدسُ ينبئنا بالضياع.

* كرم الله
عشق روح الله الخمينيّ قدس سره تغلغل في أفئدة أفراد أسرتنا، فنشأتُ في بيئةٍ مواليةٍ للثورة ومُحبّةٍ للمقاومة. انتسبتُ صغيراً إلى كشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، بعدها انخرطتُ بين التعبويّين، وخضعتُ لدوراتٍ ثقافيّة وجهاديّة، ثمّ انضممتُ إلى صفوف المقاومين عام 2007م. وجب عليّ الذهاب إلى الأراضي السوريّة للمرابطة، التي ترافقت مع إحساسٍ غيبيّ غريب جدّاً، فهمتُ تأويله بعد أن أُسرت؛ فقد أرادني الله أن أودّع أهلي ليرتووا منّي، حتّى ينمّي قدراتهم على الصبر وتحمّل الفراق الطويل؛ فعودتي من منطقة "جوسيه" لاصطحاب مجاهدٍ سيرافقنا، وزيارتي لمنزل والديّ وتوديعهم، كرمٌ من الله أدركت معناه لاحقاً.

* حرز عليّ عليه السلام
لسان النار وزخّات الرصاص ما وهنت، كمطر الجمر صُبّ فوق رؤوسنا إلى أن وصلنا إلى حائطٍ شقّ جدار الغيب، فمَثَل أمامنا شبحٌ داعشيٌ يسأل من نكون. لهجته القريبة إلى لهجتنا دفعتنا للإجابة على السليقة: "حزب الله"، فحمل بندقيّته ليُشبع جوع انتقامه منّا. كلامه النابي ما زال يتردّد في أسماعنا، فعاجلناه بطلقاتٍ أردته قتيلاً. ثوانٍ فقط واستهدفنا التكفيريّون بقذيفة b7، نزلت بالقرب منّا. حرز عين عليّ عليه السلام الذي وُزّع علينا قبل أيّامٍ بتوصيةٍ من الحاج الشهيد قاسم سليمانيّ (رضوان الله عليه)، حال بيننا وبين ما يشتهون. نال كلٌّ منّا نصيبه من الإصابات: موسى كوراني اخترقت جسده اثنتا عشرة طلقة، محمّد مهدي شعيب انتشرت في جسده طلقات لم أحصها، أمّا عنّي! فقد حملتني الطلقة الأولى في يدي اليمنى إلى كربلاء؛ نزحتُ بأطوار قلبي عن ظلّ الوريد إلى الكفّ القطيع قرب النهر، والحصار ومخيّم السبايا، فغاب الألم حتّى مع إصابتي الثانية في ظهري، والثالثة في قدمي اليمنى، ما سلبني القدرة على حمل السلاح ومتابعة المواجهة، خصوصاً بعد نفاد الذخيرة.

* وحوش من البشر
أصوات التكفيريّين صارت أقرب، وتضاءلت زخّات الرصاص شيئاً فشيئاً، إلى أن وصلوا إلينا. كانت آليّتنا قد تضرّرت بشكلٍ كبير، وارتطمت بحائطٍ ما أعاق مغادرتنا لجهة السائق، وكثافة النيران حاصرتنا من الجهة المقابلة. صراخهم أصمّ آذاننا، وأوامرهم لنا بالترجّل من الآليّة، وكلامهم الذي لا يمتّ للأخلاق والدين بصلة لم يفدهم. جراحنا العميقة وفقدان موسى الوعي أعجزانا عن النزول، فاستشاطوا غضباً وهجموا علينا. عند خلعهم الباب، سقط موسى أرضاً، أمّا عن محمّد مهدي وعنّي، فقد أنزلونا عنوةً، وسحلونا بأقدامهم. مزن الدم سحّت طمأنينةً في قلوبنا لا مثيل لها، فعقيدتنا الشهادة، ولا فرق كيف نغرق في بحرها، وأفئدتنا تهواها، فنحن بين أيدي قاطعي الرؤوس وآكلي الأكباد. قد حُسِم القرار، كنّا وكان الله معنا!

* وكر الأشرار
مهمّتنا كانت في ريف حلب الجنوبيّ، في 13-11-2015م، وقد اقتضت إنشاء غرفة اتّصالات أعلى تلّة "العيس". أنهينا عملنا بعد أن حلّ المساء. واتّفقنا مع من سيصحبنا إلى منطقة الحاضر، أن نلقاه قرب المسجد في منتصف قرية "العيس". ساقنا التدبير الإلهيّ إلى أوكار التكفيريّين. مجرّات الأصوات المهاجرة سكنت خافقي؛ ذكرياتي مع أهلي، حياتي، كلُّ تلك الأحداث دارت في أمّ رأسي في غضون ثوانٍ، بعد أن وصلت رسل القوم، وبدأت باستهداف الآليّة التي كنّا نستقلّها. عزفت مهجنا أروع النداءات، "يا زهراء، يا صاحب الزمان، يا أبا عبد الله". لثمتني الطلقة الأولى في يدي، وعند محاولتي ربطها بقطعة قماش، أُصبتُ بطلقةٍ أخرى في الظهر، وعلا صوت الدعاء والذكر، وكانت إصابتي الأخيرة في قدمي.

* إصابةٌ وأسر
اقتربوا ببطءٍ من الآليّة. طلبوا منّا النزول، ونحن عاجزون عن ذلك. تركوا جهة الحياة في كتف الحنق، واقترب أحدهم من الباب فخلعه. وقع موسى كوراني أرضاً؛ لأنّه كان يتّكئ على الباب حين فقد وعيه جرّاء إصاباته، فظنّنا أنّه استشهد. أبدوا حذراً شديداً منّا. ظنّهم أنّنا نرتدي أحزمةً ناسفة، أو نملك قنابل، دفعهم لإنزالنا بأسلوبٍ عنيف. بعدها مزّقوا ثيابنا، وضربونا بالسلاح وبأرجلهم، وسيل الشتائم لم يوفّر أهلنا، ولا ديننا، أو قيادتنا. دارت الأفكار في رؤوسنا عن كيفيّة ذبحنا. دعَونا الله أن يخفّف عنّا هَول هذا الأمر، وأن لا يتمّ تصويرنا فتصل المشاهد إلى أهلنا. لسنا بأعزّ ممّن ذُبحوا وحُزّت رؤوسهم في كربلاء من أهل البيت عليهم السلام، وهذا الأمر هو روح المواساة، لكنّها مشاهد قاسية على قلوب من نحبّ! ففي اللّحظات التي سُحبنا فيها على الأرض، توزّع فكرنا بين رضى الله وأهل البيت عليهم السلام، وبين أهلنا، وطلبنا منه أن تكون السيّدة الزهراء عليها السلام كفيلة قلوبهم عند تلقّيهم هذا النبأ.

هذه الدنيا بكلّ زخرفها وغرورها انتهت. لسنا قادرين على فعل شيء. نصف ساعة مرّت، تلقّينا فيها ضرباً شديداً. شفة الطريق لاكت أجسادنا، فشقّت الجروح. هذا الوقت أرهقه حقدهم، فلم أشعر بأيّ وجعٍ في تلك اللّحظات؛ لأنّ تفكيري حُصِر بالله؛ ناجيته أنّي عبده المذنب الذي أتى ليدافع عن المقدّسات، وعن شيعة أهل البيت عليهم السلام، في وجه يزيديّي العصر، ورجوته أن يسامحني ويتقبّلني شهيداً!

* عذابٌ وعذوبة
بدؤوا التحقيق معنا. ركبوا سراب الويل، وانجرفوا بوعيدهم أنّ مصيرنا الذبح؛ فنحن أَسرى تنظيم تكفيريّ، رؤوسنا ستقطع وستُرسل إلى السيّد حسن نصر الله (حفظه الله).

بعد التعذيب، نُقلنا إلى مكانٍ مجهول، فيه مجموعةٌ ثانيةٌ بدأت بضربنا من جديد. قَدِم قائد ميدانيّ من جبهة النصرة ونهاهم عن ضربنا، وطلب منهم أن يضعوا كلّ واحدٍ منّا في زاوية، فمسحوا الدم عن وجوهنا إيذاناً ببدء التصوير.

طلبوا منّا حفظ بعض الجمل كرسالةٍ ستُبثّ عبر التلفاز؛ لتصل إلى قيادة الحزب قبل قتلنا.

نُقلنا إلى مستوصفٍ ميدانيٍّ، حيث خضعنا لعمليّاتٍ جراحيّة دون تخديرٍ مناسبٍ، وفي أماكن غير معقّمة. تاه الصوت صمتاً وألماً لفقر العناية والعلاج، وجراحنا كانت كآهاتٍ ماتت أو غفت في الحناجر، كلّما ضُرِبنا استفاقت. في الصمت حزنٌ لا يُرى؛ فقد تعرّضنا لأصعب أنواع التعذيب: ضربٌ مبرح، وتعليقٌ في الهواء، وصواعق كهرباء، عدا عن السُّباب والشتم. ومن فرط ما كابدنا، طلبنا الموت. أُجبرنا على التفوّه بما أملوه علينا، وعند إعراضنا عن الامتثال لطلبهم، كنّا نتعرّض للتعذيب بوحشيّة، فنحتضن الموت ولا نناله!

* لحظات الطمأنينة
مع نهاية كلّ تصويرٍ، كنّا نسكب على أكتافنا من قارورة السكينة، نظمأ للفناء ولا ندركه، فنلجأ إلى الله وأهل البيت عليهم السلام. نعود من رحلة الدم إلى رحاب دعاء كميل، نمسح الخضاب عن صوت رئاتنا ونهمس بما نحفظه من أذكار، فنشرق على جهة الخوف ونهزم الأسر، ونوقن أنّ بريق أعيننا يزخّ أحرفاً لعقيدةٍ راسخة، لا يفهمها سوى الراسخون في العلم، والموغِلون عشقاً، ممّن يتقِن معنى أن تكون السكّين لصيقةً بالوريد كلّ لحظة.

أمّا عن المصير ورحلة العذاب، فحكايةٌ تُتبع في العدد القادم.

الاسم الجهاديّ: حيدر.

تاريخ الولادة: 25/9/1989م.

مكان الإصابة وتاريخها: حور العيس 13/11/2015م.

نوع الإصابة: في اليد اليمنى والقدم اليمنى والظهر.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع