مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

المواسون.. خير الإخوان

الشيخ عبد المنعم قبيسي
 

ورد في الروايات أنّ المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وأنّه: "مثله كمثل الماء"، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: 30). فالإنسان المؤمن لا يرتاح باله وضميره إذا وجد نقصاً أو حاجةً أو عوزاً عند أقرانه، فإذا فُقد لأحدهم عزيزٌ، يبادر إلى مواساته والتخفيف من أحزانه، وفي الوقت نفسه يسعى ليسدّ حاجات الآخرين.

* اللُّحمة بين المؤمنين
بما أنّ المؤمن يُعدُّ مجرى فيض الله، فهو يرى أنّ أرواح الناس مرتبطةٌ بروحه، فيشعر معهم كما يشعر بأعضاء جسده. وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى"(1). وقد شبّهت الروايات المؤمنين بأجساد متفرّقة ذات روحٍ واحدة. نتيجة لذلك، إنّ روح التكافل الموجودة عند المؤمن، تجعله مؤتمناً ومسؤولاً عن الآخرين، ويشعر بالتكامل إذا سعى لترميم هذه النواقص التي تلمّ بأطراف أفراد المجتمع.

* منشأ المواساة ومرتكزاتها
إنّ منشأ هذه المواساة هو من هذه العناصر الأساسيّة:

1- الإيمان: أي الإيمان بالله عّز وجلّ، والتشّبه بأخلاقه تعالى.

2- الزهد: والمقصود هنا الزهد الواعي، والزهد الذي يُخرج الإنسان من الأنانيّة، ومن الحرص وحبّ الجمع والادّخار.

3 –الكرم: المواساة فرعٌ من فروع الكرم.

4- الفطرة: تُعدّ المواساة من القِيَم الإنسانّية التي يحكم بها العقل، ويشجّع عليها الشرع. من هنا، فإنّ منشأها فطريّ؛ بمعنى أنّ فطرة الإنسان تدعوه إلى مشاركة الآخرين في الأفراح وفي الأحزان.

5- التشبّه بصفات الله: بما أنّ الله عزّ وجلّ هو مصدر العطاء، فإذاً هو كريم، والعبد يحاول في هذه الدنيا أن يتشبّه بهذه الصفة من أجل أن يحصل على ذلك الكمال المحبوب بالفطرة؛ فأيّ نقصٍ في هذا العالم يُشعره أنّه هو المنتقَص، وكماله هو في إتمام النواقص الموجودة عند كلّ الكائنات. لذلك، كان الإمام الحسن عليه السلام لا يردّ سائلاً، وكان يُسأل عندما يُكرم: لماذا تُكرم؟ ولماذا لا تردّ سائلاً؟ يقول عليه السلام: "إنّ الله تعالى عوّدني عادةً أن يفيض نعمه عليَّ، وعوَّدته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة"(2).

* أنواع المواساة
1- مواساةٌ بالنفس: تُعدّ المواساة بالنفس من أعلى درجات المواساة، حيث ورد: أنّ ثمّة شابان أخوان أتيا الإمام الحسين عليه السلام يوم العاشر، فدنوا منه وهما يبكيان، فقال عليه السلام: "أي ابنَيّ أخي، ما يبكيكما؟ فوالله إنّي لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين". قالا: "جعلنا الله فداك، لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنّا نبكي عليك، نراك قد أُحيط بك، ولا نقدر على أن نمنعك". فقال عليه السلام: "جزاكما الله يا ابنَيّ أخي بوَجدكما من ذلك، ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين"(3). وقد كانا يبكيان حينما جاءا لنصرة الإمام عليه السلام بصدق المشاعر، وبحبّهما له عليه السلام، لغربته ولقلّة ناصره، وكانا يتمنّيان لو يستطيعان أن يدفعا عنه بأكثر من تقديم نفسيهما.

2- مواساةٌ بالدعاء: كما كانت تفعل السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام؛ إذ كانت تُقدّم الجيران بالدعاء.

3- مواساةٌ بالمعيشة: إنّ المصداق الأبرز لموضوع المواساة هو الإنفاق الماليّ، أو الإخراج من الممتلكات والمدّخرات. وقد ورد أنّ رجلاً دخل على الإمام الصادق عليه السلام فسلّم، فسأله عليه السلام: "كيف مَن خلّفت من إخوانك؟"، فأحسن الثناء وزكّى وأطرى، فقال له عليه السلام: "كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟" فقال: "قليلةٌ"، قال عليه السلام: "وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم؟" قال: "قليلةٌ"، قال عليه السلام: "كيف صِلَةُ أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟" فقال: "إنّك لَتَذْكُر أخلاقاً قَلَّ ما هي فيمَن عندنا"، فقال عليه السلام: "فكيف تزعم هؤلاء أنّهم شيعةٌ؟"(4).

ورد أيضاً عن الإمام الكاظم عليه السلام عندما قال لعاصم: "يا عاصم، كيف أنتم في التواصل والتواسي؟"، قلت: "على أفضل ما كان عليه أحد"، قال عليه السلام: "أيأتي أحدكم إلى دكان أخيه أو منزله عند الضائقة، فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه؟". قال: "لا، قال عليه السلام: "فلستم على ما أحبّ في التواصل"(5).

انطلاقاً من هذين الحديثين، نشدّد على مسألة المواساة ماليّاً وماديّاً، خصوصاً في أوقات الشدّة والضائقة الاقتصاديّة، حيث تظهر الحاجة إلى مواساة الآخرين ومساعدتهم بشكلٍ أكبر، حين تزداد حالات الفقر والفاقة، فيقع الميسورون في دائرة الاختبار؛ إذ إنّهم يُمتحنون في هذه الحالة بدرجة إيمانهم، وقدرتهم على البذل والعطاء في سبيل الآخرين.

4- مواساةٌ بالمراعاة: من أشكال المواساة وأنواعها، أن لا يُظهر الإنسان نوعيّة طعامه وكمّيّته وشكله، حتّى لا يُشعر الآخرين بالتفاوت، فيؤدّي ذلك إلى أضرار اجتماعيّة وإلى خسائر معنويّة. يُروى أنّ قحطاً شديداً أصاب المدينة المنّورة في زمن الإمام الصادق عليه السلام، وقد ارتفعت الأسعار آنذاك، فأرسل عليه السلام خلف غلامه "مُعتَّب"، وسأله عليه السلام: "كم عندنا من طعام؟". قال: "قلت: عندنا ما يكفيك أشهراً كثيرة"، قال عليه السلام: "أخرجه وبِعْه"، قال: "قلت له: وليس بالمدينة طعام"، قال عليه السلام: "بِعْه"، فلمّا بعته، قال عليه السلام: "اشترِ مع الناس يوماً بيوم"، وقال عليه السلام: "يا مُعتَّب، اجْعَلْ قوتَ عيالي نصفاً شعيراً ونصفاً حنطة، فإنّ الله يعلم أنّي واجِدٌ أن أُطعمهم الحنطة على وجهها، ولكنّي أحبّ أن يراني الله قد أحسنتُ تقدير المعيشة"(6).

* التفاخر من منافيات المواساة
إنّ ما يحصل اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ هو خير مثال لذلك، حيث ينشر أحدهم صور لإقامة الحفلات والمناسبات، فضلاً عن الطعام والموائد الفارهة. وهذا السلوك يصبح أسوأ في هذا الزمن الذي تتفشّى فيه حالات البطالة، ونقص إمكانات الناس وانتشار الفقر. هنا، يجب على الناس عموماً والمؤمنين خصوصاً، أن يلتفتوا إلى هذه المسألة، ويكونوا على حذر؛ لأنّ هذه الصور والسلوكيات قد تكون منشأً للتفرقة، والشعور بالنقمة والعداوة والحسد، وعدم الإحساس بالمسؤوليّة. وإنّ أضعف الإيمان، لمن لا يملك القدرة على مساعدة الآخرين، أن يراعي أحوالهم ومشاعرهم. فأئمّتنا عليهم السلام كانوا يمتلكون القمح، ومع ذلك كانوا يأمرون مَن معهم أن يبيعوه في السوق، ثمّ يشتروه يوماً بيوم، وكانوا يخلطون الشعير بالدقيق حتّى يعيشوا كما يعيش الناس.

* آداب المواساة
للمواساة آداب، نذكر بعضها:

1- الإخلاص: المقصود هنا الإخلاص لله عزّ وجلّ، الذي يُعطي بُعداً إيمانيّاً وإلهيّاً، فيُخرج الإنسان من حدّ الأنانيّة إلى حدّ أن يطلب وجه الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (الإنسان: 9).

2- الحبّ: أي حبّ الإنفاق وحبّ البذل، الذي يؤدّي بالإنسان إلى الخروج من الأنانيّة ومن الحرص ومن البخل، ويساعده على التحلّي بصفة الكرم.

3- العناية بالأرحام والأقرباء والمؤمنين: من الضروريّ أن يلحظ الإنسان بمواساته أوّلاً الأرحام والأقرباء من المؤمنين والمهاجرين، ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: 75).

ثمّ أيضاً أهل الإيمان، كما ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "عامل سائر الناس بالإنصاف وعامل المؤمنين بالإيثار"(7).

4- ملاحظة الحاجة: بمعنى أن تُقدَّم لصاحب الحاجة حاجته الضروريّة والأساسيّة، التي ترفع عنه المرض أو الفقر المدقع والمسكنة. من هنا، تُعنى المواساة بترميم النقص الذي يقع في حياة الإنسان، والذي قد يُذهب ماء وجهه أو يعرّضه إلى الهلاك.

* من نتائج المواساة وآثارها
وجد الإمام الحسن عليه السلام غلاماً جالساً في بستان يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة، فقال له عليه السلام: "ما حملك على هذا؟ فقال: "إنّي أستحيي منه أن آكل، ولا أطعمه".

فقال له الحسن عليه السلام: "لا تبرح من مكانك حتّى آتيك"، فذهب إلى سيّده، فاشتراه، واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، فأعتقه، وملّكَهُ الحائط(8).

نستنتج أنّ للمواساة آثاراً ونتائج. فالمواساة تنتج رزقاً وصفاءً وإحساناً، وتحفظ النوع البشريّ، وتُثبّت العلاقات الإنسانيّة، وفيها ترميم نقص الآخر، وتُنشئ الخير، وتُعوّد على البرّ. إضافةً إلى:

1- تُقبض روح المواسي بسهولة: ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "وأتاه ملك الموت يقبض روحه، فينادي روحه فتخرج من جسده. فأمّا المؤمن فلا يحسّ بخروجها، وذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (الفجر: 27-28)"، ثمّ قال عليه السلام: "ذلك لمن كان ورعاً مواسياً لإخوانه وَصُولاً لهم"(9).

2- تؤدّي إلى تماسك المجتمع: خاصّةً أمام الهزائز والأعاصير والمشاكل، أيّاً كان نوعها وطبيعتها. فعندما يتمّ تأمين الأمن الماديّ، وحفظ ماء وجه الناس، وتقديم الرعاية النفسيّة التي تُشعر أفراد المجتمع أنّ ثمّة انتماء لمجتمع الإيمان، كلّ هذا يُعزّز روح الثقة، ويقوّي العزيمة، وينشر التراحم بين أفراد المجتمع، فتصبح بالتالي أمام مقاومةٍ من نوع آخر، هي مقاومة الصبر والمواساة. وهي حاجةٌ ملحّةٌ في أيّامنا هذه، بسبب الهجمة التي نواجهها في كلّ البلدان التي تتعرّض للظلم والعدوان والحصار بشتّى أصنافه.

* المواساة في شهر رمضان
إنّ شهر رمضان المبارك شهر تعزيز القدرة على ملء الثغرات الاجتماعيّة: في الجانب المعيشيّ، والماديّ، والغذائيّ، والصحيّ، وما إلى هنالك، وهو شهر البذل والعطاء والكرم، وشهر الضيافة الإلهيّة، والصدقة، والإطعام، والإفطار، وتفقّد أحوال المؤمنين والأيتام والفقراء، وهذا من تجلّيات عظمة الضيافة الإلهيّة. فما أجمل أن يكون الصائم ضيفاً لله، ومجرى لضيافة الله على الناس وعلى الآخرين!

هذه فرصةٌ مباركةٌ للتسابق والتنافس من أجل التكامل الذاتيّ، ولكي يحوز الإنسان على مرتبة جهاد المواساة، الذي هو تكليف الأغنياء والميسورين، فليغتنم الجميع، خصوصاً الشباب، فرصة التخفيف من الكماليّات؛ لأنّنا نحتاج إلى التوازن في مواجهة هذا الحصار.

وقد نبّه الإمام الخمينيّ قدس سره إلى خطورة حياة الرفاهيّة في زمن يكثر فيه الفقراء وساكنو الأكواخ، لأنّها تساهم في توسيع الهوّة بين الطبقات الاجتماعيّة، فتتّسع عندها طبقة الفقراء على حساب الطبقات الأخرى.

ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تنفيس الكُرَب: "من نفّس عن أخيه المؤمن كُربة من كُرَب الدنيا، نفّس الله عنه سبعين كُربة من كُرَب الآخرة"(10)؛ لذلك، فالمواسي ليس خاسراً، وإنّما هو الرابح الأكبر.


(1) كنز العمّال، المتّقي الهندي، ج 1، ص 149.
(2) الأخلاق الحسينيّة، البياتي، ص 166.
(3) يراجع: تاريخ الطبري، ج 4، ص 338.
(4) الكافي، الكليني، ج 2، ص 173.
(5) بحار الأنوار، المجلسي، ج 71، ص 232.
(6) الكافي، (م. س.)، ج 5، ص 166.
(7) ميزان الحكمة، الريشهري، ج 1، ص 16.
(8) شرح إحقاق الحقّ، المرعشي، ج 11، ص 146.
(9) بحار الأنوار، (م. س.)، ج 71، ص 398.
(10) ميزان الحكمة، (م. س.)، ج 2، ص 1292.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع