مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

تجربـــة مواساة



زهرة بدر الدين(*)


إنّ خدمة الناس والعوائل العفيفة ومساعدتهم ماديّاً ولوجستيّاً، من أجمل مفردات الإيمان العمليّ. ولكنّ هذا الأمر يأخذ بُعداً ورونقاً خاصّاً في شهر رمضان المبارك، شهر الإحسان والمواساة والإحساس بالآخرين. فكيف يمكن استثمار هذا الشهر في هذا المجال؟

* المواساة في خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
تؤكّد خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان مسألة المواساة؛ إذ ورد فيها ضرورة الاهتمام بمجموعة من الناس؛ لأنّ لهم الأولويّة في ذلك، فضلاً عن تقديم الطعام لهم وإفطارهم، ومساعدتهم ماليّاً، حتّى يتحسّس كلّ مسلم الجوّ المعنويّ والإيمانيّ في شهر الله تعالى، الذي يُعدّ شهر الضيافة الإلهيّة. ومن هؤلاء الناس:

1- الجيران: من المهمّ أن يتفقّد كلّ مؤمن، من موقع تكليفه الإيمانيّ والأخلاقيّ، جاره المتعفّف، وأن يقدّم له من طعامه بمقدار سدّ جوعه، وهذا لن يعجزه أو يقلّل من ماله، وإنّما قد يكون له تأثير نفسيّ ومعنويّ، وإشباعٌ لجوعه ومساعدته.

2- الأقارب: ألّا يغيب عنه أحدٌ من أقاربه، فهم أولى بالمعروف بحكم القرابة والرحم: "صلوا أرحامكم"(1)، خصوصاً إذا كان القريب من ذوي الحاجة والفاقة، فتكون العناية به أوجب.

3- الفقراء: التصدّق على الفقراء في هذا الشهر له ثوابٌ عظيم، ولو كان بشقّ تمرة، والقصد هو أقلّ ما يمكن تقديمه؛ لأنّه يُراد من الصدقة أمران:
الأوّل: أنّ تطهّر الصدقة الإنسان من العديد من الرذائل وحبّ المال والتعلّق بالدنيا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103).

الثاني: أنّ الصدقة تقع في يد الله تعالى، وهي مقبولة حتماً.

والمهمّ هنا أن يتذكّر الإنسان بجوعه وعطشه جوع يوم القيامة وعطشها، بل جوع الفقراء والمحتاجين الذين قد يفطر بعضهم على طعام زهيد، لا يماثل طعام الصائمين وإفطارهم في مجتمعه، ولذلك تبرز المواساة في هذا المجال بأن يتبنّى كلّ فرد منَّا أسرةً، ويقدّم لها إفطارها كلّ ليلة، وهنا، تكمن فلسفة الصوم.

5- اليتيم: اليتيم هو وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أكّدت الروايات على الاهتمام به نفسيّاً، من خلال المسح على رأسه؛ تعويضاً له عن الحنان والعطف الذي خسره، وكذا الدعم الماليّ فيما لو كان فقيراً محتاجاً. فقد عبّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "وتحنّنوا على أيتام الناس، يُتحنّن على أيتامكم"(2). وهذه مبادلة إلهيّة حتميّة؛ فدعوته إلى الإفطار أو مساعدته ماديّاً، وغير ذلك، أمورٌ لها لذّة معنويّة خاصّة، فهي تشعره بالحنان الأبويّ الذي فقده، وبالتعاضد الاجتماعيّ الذي يحتاجه.

6- المؤمنون عموماً: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر، كان له بذلك عند الله عتق نسمة"(3). تبرز في هذا الشهر أهميّة دعوة المؤمن إلى الإفطار، ويراد من ذلك توطيد العلاقة بين المؤمنين. وقد خفّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبء التكلفة الماديّة على المؤمنين، وفَسح لهم في المجال لنيل الثواب العظيم من خلال شقّ تمرة فقط: "اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة"(4). ويستفاد من ذلك أيضاً التأكيد على العبادة الاجتماعيّة، وتعزيز العلاقة الأخويّة في هذا الشهر المبارك، لتستمرّ.

* سنابل المواساة
باتت بعض الجمعيّات والمؤسّسات تمارس دوراً في مجال المواساة، من خلال النشاطات التي تقوم بها. مثلاً: جمعيّة "سبع سنابل" الخيريّة، والأعمال التطوّعيّة التي تقوم بها، تتضمّن تقديم المساعدات الماليّة والمؤن والطعام والكسوة والتعليم، وكذلك تأمين العمل لبعض الأفراد، فضلاً عن الاحتياجات المنزليّة وترميم المنازل وغيرها. وإنّ مثل هذه الأعمال، مضافاً إلى انعكاسها الإيجابيّ على المحتاجين، فإنّ لها كذلك آثاراً تطال القائم بها؛ أي المواسي، منها:

1- شعور المواسي بسعادة لا يمكن أن يجدها في أيّ عمل آخر؛ عندما يُعبّر عنها الفقير عند سروره وتلبية حاجته، لهي سعادة حقيقيّة تعكس مدى حاجته.

2- الشعور بالتقصير الكبير تجاههم، خصوصاً عندما تتلمّس احتياجاتهم العمليّة، ومدى الفاقة التي يعانون منها، وقلّة الإمكانات الماديّة، ومع ذلك، تراهم يشعرون بالرضى، فلا يبقى دعاء أو شكر إلّا وذكروه، حيث تترك هذه الكلمات أثراً جميلاً في الوجدان، ويشعر المتطوّع أن دعاء هذا الفقير وصل إلى الله مباشرة.

3- تمتين الارتباط العقائديّ والإيمانيّ بالله تعالى؛ إذ بمجرّد أن تصل المساعدات إلى المحتاج، يرفع طرفه إلى السماء شاكراً الله تعالى على إجابته دعاءه بعد توسّله به، بتلبية حاجته من مالٍ أو طعامٍ أو أيّة حاجةٍ أخرى، من خلال مندوب الجمعيّة. فتوصيف هذه الحالة يفوق التعبير؛ لأنّها حالةٌ وجدانيّةٌ يستشعرها الشخص الذي يلتقي مباشرةً بصاحب الحاجة.

4- الشعور بالتكامل؛ وذلك من خلال ربط الفقير بالغنيّ، وإكمال نقص هذا بذاك، وبكلا الأمرين، يحصل الشعور باللّجوء إلى الله تعالى، والإذعان بكيفيّة قضاء حاجة المؤمن على أيدي عباده.

5- تلمّس الاختبار الإلهيّ لكلّ من الفقير والغنيّ، أو من هو صلة الوصل بينهما، وبهذا يتحمّل الغنيّ مسؤوليّةً أكبر تُجاه الفقراء والمحتاجين، ما يدفعه إلى المبادرة بحبّ وودّ، راجياً من الله قبول عمله.

6- الشعور بالراحة النفسيّة بعد الانتهاء من تقديم المساعدات وإيصالها إلى المحتاجين، بشكلٍ لا يمكن وصفه، ولذّة معنويّة عالية مملوءة بالاطمئنان، وإصرار أكثر من أجل تأمين الراحة التامّة لتلك الأُسر، وبشكلٍ دائم.

7- الاعتقاد والإيمان بفكرة أنّ رزق الفقير على الله تعالى؛ فقد أثبتت تجارب عدّة أنّه وبمجرّد أن يسمع المتطوّع بحالةٍ تحتاج إلى مساعدة، سرعان ما يتّصل شخص آخر (متبرّع) ليقدّم مبلغاً أو تبرّعاً للعوائل المحتاجة، وكثير من الأحيان يلبّي المبلغ الحاجة تماماً؛ وهذا كلّه بتوفيق من الله وتيسير منه.

* مشروع "حفظ النعمة"
هو أحد مشاريع الجمعيّة وأهمّها. يقوم على توضيب الطعام الفائض عن حاجة المطاعم، شرط أن لا يُمسّ على طاولة الإفطار. الحملة تستمرّ طيلة أيّام شهر رمضان المبارك، توضّب الأطعمة بطريقة صحيّة وسليمة، ويتمّ إرسالها إلى الفقراء والمحتاجين في كلّ مناطق بيروت، عبر فريق عمل متطوّع وموزّع في المطاعم، وفي المناطق المحدّدة، لإيصال الطعام الموضّب إلى المنازل مباشرة. والجدير ذكره، أنّنا نجد العائلات المتعفّفة تنتظر بفارغ الصبر، وصول إفطارها ولو بعد منتصف الليل، وبعضهم كان يُبقيها إلى إفطار اليوم التالي.

* عدم الإسراف.. ثقافة
يهدف هذه المشروع إلى:
1- تثقيف الناس بمفهوم عدم الإسراف، أو رمي الطعام الفائض، وعوضاً عن ذلك الأفضل إبقاؤه على الموائد في المطاعم دون أن يُلمس، فيستفيد منه ذو حاجة.

2- إيصال هذه الوجبات إلى الفقراء الذين ينتظرونها بشوق ورغبة.

3- الحفاظ على نعمة الله دون تلفها أو رميها.

وفعلاً، وبعد مضي ما يقارب العشر سنوات على ولادة هذا المشروع، أثبت إمكانيّة ترسيخ هذه الثقافة، سواء لدى فريق المطعم، أو لدى الزبائن، وهم يعلمون أنّ هذا الطعام لن يُرمى، بل سوف يصل إلى الفقير، وهم بذلك يحصلون على أجر وثواب.

* بركات عمل المواساة
وقد توسّع هذا المشروع وعُرف بين الناس، وانبثق عنه مجموعة سلوكيّات:

1- قيام العديد من الناس بطهي الطعام وإرساله طازجاً إلى العوائل الفقيرة، وذلك قبل موعد الإفطار.

2- تأمين إفطار بعض الأُسر على مدار الشهر المبارك، من خلال إرسال أصناف مختلفة من الطعام، مثل الخضار واللحم وغيرها، يوميّاً أو أسبوعيّاً.

3- توضيب الطعام السليم، من الولائم والإفطارات الكبيرة والأعراس وغيرها، بشكلٍ لائق ومرتّب، وإرساله إلى العوائل.

4- دعوة العوائل إلى المطعم من أجل الإفطار، ولا أنسى دموع تلك السيّدة التي قالت، وعيناها تغرقان بالدموع، إنّها المرّة الأولى التي ترتاد فيها مطعماً في حياتها.

* من أسمى العبادات
إنّ مساعدة الفقراء والمحتاجين، ومواساتهم، خصوصاً في هذا الشهر الكريم، لهي من أسمى العبادات.

إنّها دعوة إلى كلّ واحد منّا، ليفكّر في كيفيّة إدخال السرور على قلب المؤمن الصائم الفقير، الذي يُعدّ أحد أهداف الصيام في شهر رمضان، فنخرج بذلك من الأنا وحبّ النفس إلى العبادة الاجتماعيّة، ولنعمل على توسيع دائرة السعي والبحث عمّن هم بحاجة إلى المساعدة، فلكم هم كثر أولئك الذين لا يسمع أنينهم سوى الله عزّ وجلّ!


(*) رئيسة جمعيّة "سبع سنابل" للعمل الخيريّ والثقافيّ.
(1) الكافي، الكليني، ج 2، ص 155.
(2) الأمالي، الصدوق، ص 154، من خطبة له صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان المبارك.
(3) (م. ن.).
(4) (م. ن.).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع