هكذا عشقتُ الخمينيّ قدس سره تعزية: الشيخ فضل مخدِّر: وداعاً رجل العلم والأدب(*) أسرتي: زوجتي تحبّني بصمت أول الكلام: أمّ البنين تفاءلوا.. تنجوا كيف تفكّر بإيجابيّة؟ التفاؤل والتشاؤم: نظرة دينيّة مع الإمام الخامنئي: الممرّض.. ملاك رحمة (*) مع إمام زماننا: حتّى ظهور الشمس(1)(*) أسرتي: زوجي يحبّني.. بصمت

تفاؤلنا وتشاؤمنا: أفكارٌ نعيشها

تحقيق: كوثر حيدر


استوقفني صباح اليوم مشهدٌ، عندما زارتنا جارتنا السبعينيّة، وانسكب فنجان قهوتها على الأرض، فراحت تقول: "إنّه فأل خير"! وبهمّة عالية لم أعتد أن أراها عليها، راحت تمسح القهوة متفائلةً بها، ما ذكّرني بمشهد سابق لها، عندما انكسر زجاج صورة قديمة لأحد أقاربها، فتجهّم وجهها وانقبض قلبها، وبمشهدٍ مناقض، عندما فرحت حيث "انكسر الشرّ"، إثر تحطّم طبق زينة في غرفة الجلوس!

تؤمن جارتنا الطيّبة برياح الأخبار القديمة، حالها كحال الكثيرين، الذين سنطلّ على قصص بعضهم الأليمة في هذا التحقيق. "سارة" و"هاجر"، و"فرح"، خرافاتٌ انعكست على حياتهنّ، تشاؤماً تارةً، وتفاؤلاً في غير مكانه تارةً أخرى. من جهة أخرى، نلحظ إشارات تفاؤل وتشاؤم من نوعٍ آخر في حياة "ياسر"، و"حياة"، و"رضا"؛ كان أثره إيجابياً؛ ليفسّر لنا د. علي عبد الله فضل الله، كيف يؤثر كلّ من التفاؤل والتشاؤم على تفكير الإنسان ونمط حياته أحياناً.

 
* أفلاكٌ تتحكّم بحياتي
"سارة" فتاةٌ عشرينيّة، كانت حياتها أسيرةً للأبراج؛ تستمع إليها بشكلٍ يوميّ ومستمرّ لتعرف تفاصيل برجها، فكانت هذه التوقّعات تتحكّم بنفسيّتها ومزاجها، تصف حالتها: "كنتُ إن استمعت لتوقّعات سيّئة، أرجعت كلّ ما يحدث إلى الأفلاك. وقد بقيت فترة زمنيّة طويلة أسيرة لما يتنبّأ به عالِمان فلكيّان، لا أخرج من المنزل قبل الاطّلاع على ما يقولانه. كانت الكربة تعتريني إذا ما كانت الأخبار سيّئة، فأذهب إلى جامعتي محبطة، ووصل بي الأمر إلى أن اضطربت علاقتي بأهلي وخطيبي". في المقلب الآخر، عندما تكون التوقّعات إيجابيّة، يكون مزاج "سارة" في أعلى درجات السّعادة والنّشاط! تذهب إلى جامعتها وكلّها ثقة من أنْ لا شيء من شأنه أن يعكّر مزاجها، فتشارك بفعاليّات الأنشطة الجامعيّة.

شكّل هذا التعلّق بالأبراج تعباً نفسيّاً لـ"سارة"، وكأنّها دمية معلّقة بخيط يحرّكها في الاتّجاه الّذي يريد؛ لدرجة أنّها لم تميّز أبداً أنّ اختيارها لخطيبها السابق كان خاطئاً بسبب الأبراج، فتقول: "مررتُ بتجربة سيّئة قبل انفصالي عن خطيبي السّابق. كان سيّئ الخلق في تعاطيه معي، فظّاً غليظاً، فدخلتُ في دوّامة سوداء ضاعفتها تنبّؤات الأبراج الّتي تقول إنّ (علاقتكِ العاطفيّة سيّئة في هذه الآونة، لكن ثمّة انفراجات)، وإنّ برجه مناسب جدّاً لبرجي ما دفعني إلى السّكوت فترة طويلة، حتّى وصل به الأمر لتعنيفي وإيذائي! حينها، اتّخذتُ قراراً صعباً بالتّخلي عن الاستماع لهذه الأكاذيب والأوهام، وتمّ وضع حدّ لهذا الارتباط، وبحمد الله استعدتُ عافيتي النّفسية، ارتبطتُ بشخص آخر، وأنا سعيدة بهذا الاختيار الّذي أُسّس على قناعات ومبادئ صحيحة، بعيداً عن زيف المنجّمين".

* "يوم لك، ويوم عليك"
تعيش "هاجر" حتّى اليوم "وهماً" دفعها إلى أن تعدّ جدولاً بالأيّام السيّئة والجيّدة! تستيقظ كلّ صباح، وتشطب اليوم "الجيّد"، واليوم "السيّئ"! تستبشر خيراً باليوم "الجيّد"، فتقوم بنشاط وهمّة عاليتين، تساعد أمّها في أعمال المنزل، وتكون لطيفة مع خطيبها، في حين أنّها في اليوم "السيّئ"، تدخل في كآبة حادّة تجعلها طريحة الفراش طيلة النّهار! حتّى إنّها بالكاد تتناول شيئاً من الطّعام، معتبرةً أنّ هذا اليوم مشؤوم! وهي تتجنّب الحديث مع خطيبها خوفاً من الدّخول في مشكلة! المضحك المبكي في الأمر على حدّ تعبير "هاجر"، أنّها تواجه مشاكل حقيقيّة بسبب هذا الأمر، لكنّها حتّى اليوم لا تستطيع التّخلي عن هذا المعتقد.

* كشف المستور
قصّة "فرح" مختلفة قليلاً، فهي تتفاءل وتتشاءم وفق ما يخبّئه لها فنجان القهوة، من أحداث تكشف "المستور"! لا تدع "فرح" زوجها يغادر المنزل دون أن تقرأ له الفنجان، تقول: "بدأ الأمر بمثابة تسلية بالنسبة إليّ. أقرأ فناجين أقاربي وأصدقائي بين حين وآخر، حتّى وجدتُ نفسي غارقة في بئر مظلمة، فشعرت أنّني أسيرة البُنّ الملتصق بفنجان القهوة، أنتظر الوقائع لأقارنها مع توقّعات "التّبصير"؛ فيوماً تراني مستبشرةً ومنطلقة أزور أقاربي، وأقوم بواجباتي تُجاه بيتي، وآخر تراني كئيبة لا طاقة لي حتّى على النّهوض من السّرير! أتعبتني هذه الحالة كثيراً؛ إذ صرت أنتظر صباح اليوم التالي لأرتشف بعض القهوة، ولأعرف ما إن كان يومي جيّداً أم لا! فعزمتُ حينها على التّوقف عن هذه العادة، وبدأتُ العمل على ذلك بشكل تدريجيّ".

* أتفاءل بصلاة الفجر
"ياسر" شابٌ عشرينيّ، اعتاد منذ صغره الاستيقاظ قبيل الفجر على صوت تلاوة جدّه، يقول: "أتفاءل اليوم عندما أبدأ نهاري بصلاة الفجر. صحيح أنّني اعتدت منذ الصغر على ذلك، لكنّ علاقتي بتلك الفريضة بالخصوص تعني لي الاطمئنان كأنّني أسمع اليوم تلاوة جدّي رحمه الله؛ فأكون مرتاحاً ومطمئنّاً وسعيداً، وهذا ينعكس على كلّ يومي إيجابيّاً. نعم، وأتشاءم إذا غفلت عنها، حيث أبدأ نهاراً كئيباً، أشعر بوزر الصلاة قضاءً على ظهري، وهذا الشعور يرافقني كلّ ذلك اليوم، فلا أشعر بأيّ راحة".

* أتفاءل بالضيف
"حياة" ربّة منزل وأمّ لطفلين، تؤمن أن الضيف إذا دخل داراً، فإنه يصطحب معه الخير والبشارة والرزق أيضاً، وفي حال خلا منزل من تردّد الزائرين عليه، فيدلّ ذلك على بخل أصحاب الدار، بالتالي، انقطاع رزقهم والخير. تقول: "أتفاءل في الأيام التي يزورني فيها أحد، أشعر بوجود البركة في منزلي، فالله يحب إكرام الضيف. وليست مبالغة، لطالما كان بيتي خاوياً، خصوصاً آخر الشهر، لكن عندما يتصل بنا أحد أو يدخل علينا، يحضر واجبه معه، وقد يحصل أن يرسل لنا أحد من الأقارب بعض الخيرات، فيما أكون في حيرة من أمري كيف سأكرم ضيوفنا". تتابع "حياة" عن صعوبة استقبال الضيوف في فترة تفشّي وباء كورونا: "حينها كنت محبطة جدّاً، فقررت أن أرسل لجارتي طبقاً من الفاكهة أو الحلوى لأشعر أنّ ضيفاً أكل من زاد منزلنا".

* الصدقة تحمل لي البشارة
فيما ينتظر الآخرون ليأتي ما يتفاءلون به أو يتشاءمون، يقوم "رضا" بما يحمل إليه الخير والشعور بالراحة والتفاؤل في يومه: "لا أتفاءل وأتشاءم بأيّ طالع أو تنبّؤ، أؤمن بأنّ الصدقة تدفع البلاء وتنزل الرزق، وهي وسيلتي إلى الراحة، فكلّما انقبض قلبي وشعرت بتعب أو ثقل أو شعور سلبيّ، أو انزعجت واشتدّت علي الظروف، أدفع صدقة مهما كانت بسيطة، وأحياناً قد لا أملك مالاً، إمّا أنوي التصدق بمبلغ صغير، وإمّا أقوم بعمل ما، بفعل مهنتي في تصليح الكهرباء أصلّح لغير الميسورين مجّاناً حينها. لطالما انفرجت أموري بعد الصدقة، وأوصي أبنائي بذلك وكل من أعرفه، عن تجربة".

* أنواع الأوهام 
حول ارتباط التفاؤل والتشاؤم بالوهم، يفسّر د. علي فضل الله هذه العلاقة بقوله: "تنقسم الأوهام إلى نوعين: الأوّل الأوهام الإيجابيّة الصحيحة المطابقة للواقع؛ أي عندما يذهب الإنسان بخياله لينشئ حالة من الانضباط، والثاني هو الأوهام غير الحقيقيّة، كالإيمان بالخرافات وبعض المعتقدات الشعبيّة، وهذا موجود لدى شعوب العالم كلّها. 

الإيمان بالأوهام يأتي على درجات. وعندما يُحدث هذا الاعتقاد أزمةً لدى الفرد، فإنّ ذلك يعني أنّه بحاجة إلى العلاج. فهناك شريحة واسعة تعاني من ضغوط، وهذه الضغوط أحياناً تُترجم باللجوء إلى وسائل غير معقولة، كقصة سارة وهاجر وفرح المرتبطة بالتّشاؤم والتّفاؤل".

* لماذا يلجأ الناس إلى هذه المعتقدات؟
يقول الدكتور فضل الله: "إنّ الإنسان ضعيف أمام ما يجهل؛ الأمر الّذي يدفعه إلى الإيمان ببعض المعتقدات الزائفة، خصوصاً وأنّه في هذه الحالة، يكون تحت سيطرة الوهم، ويكون عقله غير منضبط علميّاً وغير منظّم للبحث عن الدّليل، في حين أنّنا (أتباع الدّليل، حيثما مال نميل)".

ويتابع الدكتور: "إنّ هذه الظاهرة الوهميّة، تنتج عن خوف وجهل. وأحياناً، قد لا يؤمن المرء بها، ولكن بسبب انجرار المجتمع إليها، يضطرّ إلى الخوض في هذا الأمر. والإيمان بهذه المعتقدات مشكلة في حدّ ذاته، ولكنّ خطورة ذلك تتضاعف عندما يبني عليه الفرد سلوكاً ما، بما نصطلح عليه بـ(التفاؤل والتشاؤم الخرافيّ)؛ أي أنّني أربط حياتي ودوافعي وقيامي بشيء وعدمه، وعلاقتي مع الآخرين انفتاحاً أو انعزالاً، بمجرّد وهم، وخرافة، وأمر غير حقيقيّ، فسأكون عندها شخصاً عبثيّاً دون أهداف ودوافع حقيقيّة، غير قادر على تفسير ما أعتقد به وما ألتزم به، وهذا خطر جدّاً؛ لأنّه يجوّف الإنسان من الداخل، ويهشّمه ويضعفه". ويتابع: "علينا مكافحة هذه الظواهر، وتنقية تفكيرنا من شوائب الوهم، وما ينقله الناس ويتوارثونه، من دون عرضه على العقل والدين، فالإيمان بما يقوله الله تعالى يحمل دعوة إلى الإيجابية وحسن الظن بالله عموماً، كالأمثلة التي وردت عن صلاة الفجر والصدقة والضيف". فيا أيّها الإنسان! أنت أعظم بكثير من قصص قديمة موروثة، أو أخبار كاذبة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع